عرض مليونير
المحتويات
فتشت المناطق اللي حوالين الحاډث، لكن محدش قدر يوصل لحاجة.
مارجريت رفعت وشها، والدموع مغرقة خدودها.
كانت اسمها إيمي بنتي الصغيرة كانت بتناديها إيمي.
ريتشارد بصلي، وبعدها عينه نزلت على السلسلة اللي في رقبتي.
كانت سلسلة دهب صغيرة، فيها تعليقة على شكل قلب.
قال بصوت مبحوح
التعليقة دي كانت هدية عيد ميلاد كاثرين لبنتها. كانت طلبتها مخصوص، وكان مكتوب عليها حرف E من ورا.
مسكت التعليقة بسرعة.
عمري ما كنت بفارقها. أمي كانت دايمًا تقول لي إنها لقتها معايا وأنا صغيرة، وإنها كانت الحاجة الوحيدة اللي كانت معايا لما وصلت للمستشفى بعد الحاډث.
لكن عمري ما تخيلت إن ليها علاقة بعيلة تانية.
همست
أمي قالتلي إنها لقتني وأنا لابساها
ريتشارد هز راسه ببطء.
أمك اللي ربتك، يا إيميلي.
الجملة وقعت عليّا كالصاعقة.
أمي اللي ربتني؟! يعني إيه؟!
قال
إنتِ متبنّاة يا بنتي.
رجعت لورا، وحطيت إيدي على بقي.
لأ لأ، مستحيل! أمي عمرها ما قالتلي كده! أبويا عمره ما لمح حتى بحاجة زي دي!
ريتشارد حاول يقرب مني، لكني رفعت إيدي أوقفه.
ما تقربش! إنت مش فاهم إنت بتقول إيه!
كنت بحاول أفتكر أي موقف من طفولتي، أي كلمة، أي تصرف ممكن يكون معناه إن في حاجة مخبية عني.
لكن كل ذكرياتي كانت مرتبطة بأمي وأبويا اللي ربوني.
أمي اللي كانت بتسهر جنبي وأنا عيانة.
أبويا اللي كان بياخدني المدرسة، ويمسك إيدي وأنا بخاف من الطريق.
هما اللي حضروا أعياد ميلادي، وعلّموني أقرأ، ووقفوا جنبي لما خسړت شغلي أول مرة.
إزاي يكونوا مش أهلي الحقيقيين؟
مارجريت كانت بتبصلي بحزن، وكأنها حاسة بكل فكرة بتدور في دماغي.
قالت
أنا مش عايزاكي تزعلي من أمك اللي ربتك. أنا بس عايزة أعرف إذا كنتِ لسه فاكرة حاجة عني.
سكتت لحظة، وبعدها سألت
فاكرة الأغنية يا إيمي؟
رفعت عيني ليها.
أنهي أغنية؟
بدأت تدندن لحن هادي، بصوت ضعيف ومتقطع.
كانت تهويدة قديمة.
الغريب إني حسّيت إني سمعتها قبل كده، رغم إني متأكدة إني عمري ما سمعتها من مارجريت.
فضلت تبصلي وتكمل اللحن.
وفجأة، لقيت نفسي بدندن معاها.
من غير ما أفكر.
من غير ما أكون عارفة حتى أنا جبت اللحن ده منين.
مارجريت شهقت، ودموعها زادت.
إنتِ فاكرة! يا ريتشارد، هي فاكرة!
لكن الحقيقة إن اللي رجعلي ماكانش مجرد لحن.
في لحظة واحدة، دماغي اتملت بصور متقطعة.
حديقة كبيرة فيها ورد أبيض.
طفلة صغيرة بتجري حافية على العشب.
ست شابة لابسة بلوزة وردي، وبتضحك وهي بتحاول تلحق الطفلة.
وصوت ست كبيرة بتنادي من عند باب البيت
إيمي! متنسيش مستر باتونز!
حسّيت بدوخة شديدة.
مسكت طرف الكرسي، لكن رجلي ما شالتنيش.
وقعت على ركبتي جنب كرسي مارجريت المتحرك.
بصيتلها، والدموع بتنزل من عيني.
وهمست بكلمة ما كنتش متخيلة إني هقولها في حياتي
تيتا؟
مارجريت مدت إيديها ناحيتي، وبدأت ټعيط بصوت عالي.
حبيبتي! يا روح تيتا! إنتِ رجعتي أخيرًا!
ارتميت في حضنها، وهي ضمتني بإيديها المرتعشتين، وفضلنا نعيط من غير ما نقدر نتكلم.
في اللحظة دي، ما كنتش ست عندها تسعة وأربعين سنة.
كنت طفلة صغيرة رجعت فجأة لمكان كانت فاكرة إنها نسيته للأبد.
لكن وسط كل الدموع، سؤال واحد فضل يطاردني.
رفعت وشي وبصيت لريتشارد.
طب الجزمة ليه أصريت إني أخلع الجزمة الحمرا؟
ريتشارد مسح دموعه، وبعدها انحنى وطلع صندوق خشب صغير من تحت السرير.
فتحه، ولقيت جواه جزمة حمرا صغيرة جدًا، جزمة طفلة.
قال
دي كانت جزمتك وإنتِ صغيرة. أمك كاثرين اشترت لنفسها جزمة حمرا، وجابتلك واحدة شبهها.
مارجريت ابتسمت وسط دموعها.
في آخر ليلة شفناكي فيها، كنتِ لابسة الجزمة، لكنك قلعتِيها وجريتي حافية في الأوضة. كنتِ بتقولي إن الستات الكبار بيلبسوا الكعب الأحمر، لكن البنات الصغيرة بتجري أسرع من غيره.
طلعت مني شهقة بكاء.
افتكرت الجملة.
افتكرت ضحكة أمي كاثرين، رغم إن ملامحها لسه مش واضحة بالكامل في ذاكرتي.
افتكرت ملمس العشب تحت رجلي، وصوت مارجريت وهي بتضحك وبتحاول تمسكني.
لكن فجأة، الذكريات اختفت زي ما ظهرت.
فضلت قاعدة على الأرض وأنا حاسة إن عقلي مش قادر يستوعب كل ده.
ريتشارد قعد جنبنا، وقال
لما المحققين وصلوا ليكي أخيرًا، ما كنتش عارف أتصرف إزاي. مراتي بتنسى حاجات كتير، وكنت خاېف تشوفك ومتعرفكيش، أو تفتكرك حد تاني.
بص لمارجريت، وبعدها كمل
كنت عايز أرجّع لها آخر ليلة شافتك فيها. نفس الألوان، نفس الجزمة، نفس الأوضة، ونفس الأغنية. كنت بتمنى إن ذاكرتها تفتح ولو باب صغير.
سألته
طب ليه الساعة اتناشر بالذات؟
بص للساعة، وكانت العقارب عدّت منتصف الليل بثمان دقايق.
قال
لأن الساعة اتناشر بالليل، في نفس
اليوم من كل سنة، مراتي بتفتكر المكالمة اللي بلغتنا بمۏت كاثرين واختفاء بنتها. من خمسة وأربعين سنة، وهي بتسهر في الليلة دي، مستنية حد يقول لها إن بنتها وحفيدتها بخير.
بصيت لمارجريت.
كانت ماسكة الأرنب البني القديم وبتملّس على فروه الباهت.
همست
طول السنين دي كلها، كنتِ مستنياني؟
هزت راسها.
كل يوم يا إيمي. حتى في الأيام اللي كنت بنسى فيها اسمي، عمري ما نسيت إن عندي حفيدة ضاعت مني.
الجملة دي كسرت آخر حاجة كانت متماسكة جوايا.
حضنتها تاني، وفضلت أعيط.
لأول مرة في حياتي، فهمت إن فيه ۏجع ممكن يعيش جوه الإنسان سنين طويلة، من غير ما يختفي، حتى لو الذاكرة نفسها بدأت ټخونه.
لكن لسه كان فيه سؤال مهم.
إزاي ريتشارد قدر يوصل ليا بعد كل السنين دي؟
الجزء التالت الحقيقة اللي اتخبّت عني طول عمري
ريتشارد قام وراح للمكتب الصغير الموجود في الأوضة، ورجع بظرف كبير مليان ورق وصور قديمة.
حطه قدامي وقال
من سنة تقريبًا، قررت إني أبدأ البحث من جديد. كنت كبرت، ومراتي حالتها بتتغير، وكنت خاېف أموت قبل ما أعرف حفيدتي راحت فين.
فتح الظرف وطلع صور قديمة وتقارير ومستندات.
كان فيه صورة لطفلة صغيرة، شعرها بني فاتح، وعينيها واسعتين.
أول ما شفت الصورة، حسّيت بشيء غريب.
الطفلة كانت شبهي.
مش شبه بسيط، لأ، كانت نفس شكل عينيّ تقريبًا، ونفس الابتسامة اللي أمي كانت بتقول إنها ورثتها مني.
ريتشارد قال
المحقق اللي استعنت بيه لقى سجلات قديمة لمستشفى استقبل طفلة بعد الحاډث بفترة قصيرة. الطفلة ما كانتش قادرة تقول اسمها بالكامل، وكانت معاها تعليقة دهب صغيرة.
مسكت الورق بإيد مرتعشة.
ومستشفى إيه؟
قال اسم المستشفى، وشرح إن سجلات الحاډث وقتها كانت ناقصة، وإن في معلومات اتسجلت بشكل غير دقيق، وده صعّب الوصول لهوية الطفلة.
كمل
بعد فترة، ظهرت أوراق بتوضح إن أسرة كارتر تبنّت طفلة بالمواصفات دي. اسمك كان إيميلي كارتر، وسنك كان مناسب، والتعليقة كانت نفس التعليقة اللي بنتي اشترتها لحفيدتها.
بصيت للورق، وبعدها سألته
يعني طول الوقت ده، كنتوا بتدوروا عليّا؟
رد
أنا ما بطلتش. لكن مع مرور السنين، كل خيط كان بيوصل لطريق مسدود. فيه شهود ماتوا، وفيه سجلات ضاعت، وفيه ناس ما كانتش فاكرة تفاصيل الحاډث.
سكت لحظة، وبعدها قال
لما وصلت للمعلومة الأخيرة، كنت خاېف أصدقها. كنت خاېف أفرح وبعدين أكتشف إن دي مش إنتِ.
سألته
طب ليه ما اتصلتش بيا من الأول وقلتلي الحقيقة؟
نزل عينيه.
لأني كنت جبان يا إيميلي. كنت خاېف ترفضي تقابليني. وخاېف إن مارجريت تتعلق بيكي، وبعدها نكتشف إننا غلطانين. فكرت إن لو شافتك في نفس اللبس، وسمعت نفس الأغنية، يمكن تتعرف عليكي قبل ما نطلب منها تصدق أي ورق.
بصيتله بعتاب.
بس إنت خوفتني. أنا افتكرت إنك عايز تأذيني.
هز راسه بحزن.
عارف. وده ذنب مش هقدر أبرره. كان المفروض أكون صريح معاكي من البداية. أنا كنت مستعد أدفع الفلوس، لكن ما فكرتش كفاية في الخۏف اللي ممكن أسببهولك.
لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر، حسّيت إن ڠضبي بدأ يهدأ شوية.
مش معنى كده إني سامحته، لكني فهمت إن الخۏف ساعات بيخلّي الناس تتصرف غلط، حتى لو كانت نيتهم مش الأڈى.
سألته
والفلوس؟
رد فورًا
الخمسين ألف دولار ليكي، زي ما اتفقنا. مش مقابل أي حاجة حصلت هنا. دي فلوس وعدتك بيها، وهتكون من حقك سواء قررتي تكملي علاقتك بينا أو لأ.
بصيت لمارجريت، وبعدها قلت
أنا مش عايزة الفلوس تكون تمن لحاجة. أنا وافقت عشان أمي محتاجة علاج، ومش هقبل إن حد يفكر إني بعت نفسي أو كرامتي.
ريتشارد هز راسه باحترام.
ولا أنا عايزك تحسي بكده. إنتِ ما عملتيش حاجة غلط. وأنا آسف إني حطيتك في الموقف ده.
سكتنا شوية.
وبعدين مارجريت شدت إيدي برفق وقالت
إيمي، أمك اللي ربتك كويسة؟
السؤال فاجأني.
دموعي رجعت تنزل.
أيوه. أمي ست طيبة جدًا. هي دلوقتي في المستشفى، وأنا كنت خاېفة عليها ومش عارفة هقدر أدفع مصاريف علاجها إزاي.
مارجريت بصت لريتشارد.
لازم نساعدها.
ريتشارد أومأ.
هنساعدها، لو إيمي موافقة. لكن قبل أي حاجة، لازم نعمل تحليل يثبت الحقيقة، عشان محدش يفضل عنده شك.
وافقت.
مش لأنني كنت محتاجة إثبات عشان أصدق اللي حسّيته، لكن لأن خمسين سنة تقريبًا من الغياب ما ينفعش تتعوض بالذكريات وحدها.
قعدت معاهم لحد الفجر.
مارجريت كانت ساعات تبصلي وتعرفني، وساعات تسألني أنا مين.
وفي كل مرة كانت تنسى، كنت بحس بۏجع صغير في قلبي.
لكن لما كنت أمسك إيديها وأدندن نفس التهويدة، كانت تهدى، وتبتسم، وتقول
إيمي الصغيرة.
قبل ما أمشي، ريتشارد وصلني لحد باب القصر.
وقف قدامي وقال
أنا عارف إنك محتاجة وقت. مش هطلب منك تنسي اللي حصل، ولا هضغط عليكي عشان تقبلينا في حياتك. كل اللي بطلبه إنك تدي لنفسك فرصة تعرف الحقيقة كاملة.
بصيتله وقلت
أنا هروح أشوف أمي. وبعدها هفكر في كل اللي حصل.
هز راسه.
ده حقك.
ركبت عربيتي، لكني قبل ما أتحرك، بصيت للقصر من الشباك.
لأول مرة، ما شفتوش كمكان مخيف.
شفت بيتًا عاش فيه اتنين من الناس سنين طويلة وهما مستنيين بنت صغيرة ترجع.
ومع ذلك، كنت لسه خاېفة من مواجهة أمي.
لأن لو كل الكلام ده حقيقي، يبقى فيه جزء كبير من حياتي كنت ما أعرفوش.
ولما وصلت المستشفى، كنت حاسة إن قلبي هيتوقف من كتر التفكير.
دخلت أوضة أمي، ولقيتها صاحية، قاعدة على السرير، وبتبص من الشباك.
أول ما شافتني، ابتسمت.
اتأخرتي ليه يا إيمي؟ كنت مستنياكي.
قربت منها، وقعدت جنبها، وطلعت الصورة القديمة من شنطتي.
حطيتها على البطانية قدامها.
في البداية، بصت للصورة من غير ما تتكلم.
وبعد ثواني، وشها اتغير.
إيديها بدأت ترتعش، والدموع لمعت في عينيها.
همست
يا إلهي إنتِ لقيتيهم.
حسّيت إن قلبي وقع.
ماما إنتِ كنتِ عارفة؟
غطت وشها بإيديها وبدأت ټعيط.
يا بنتي، اسمعيني أرجوكي اسمعيني للآخر.
كنت مش عارفة أعيط ولا أصرخ.
إنتِ عارفة إن ليا عيلة تانية؟ وعارفة إنهم بيدوروا عليّا؟ ليه ما قولتيليش؟
أمي مسكت إيدي بكل
متابعة القراءة