جوزي و سفرية كل شهر

لمحة نيوز

طول 16 سنة وأنا بجهّز لجوزي أكل يكفيه 45 يوم في شغله بعيد عن البيت لحد ما صاحبتي قالتلي جملة قلبت حياتي كلها جوزك بيقعد شهر كامل إجازة بين كل وردية والتانية! ساعتها سكتّ، لكن بالليل اكتشفت إنه شاري شقة في محافظة تانية من ورايا ولما واجهته، تليفونه رن، وسمعت صوت ست بتقوله حبيبي، وصلت عند مامتك؟ وهنا عرفت إن الخېانة اللي كنت شاكّة فيها ما كانتش غير بداية الکاړثة! 
الجزء الأول 16 سنة وأنا عايشة مع راجل معرفش عنه حاجة!
مش هدي ابننا جنيه واحد زيادة! لو عايز يشتري شقة، ينزل يشتغل ليل ونهار!
دي كانت الجملة اللي جوزي قالهالي وهو بيقفل شنطته استعدادًا للسفر، وكأن ابنه اللي بيتكلم عنه ده واحد غريب، مش ابنه اللي شال اسمه واتربّى في بيته!
بصيتله پصدمة وقلتله
يا محمود، هو مش طالب منك فلوس عشان يفسح مراته! ده عايز يشتري شقة صغيرة يعيش فيها هو ومراته وبنته بدل ما يفضل يدفع إيجار طول عمره!
ابني كريم كان متجوز من تلات سنين، وعنده بنت صغيرة اسمها ملك، عندها أربع سنين. وكان هو ومراته بيحوشوا كل قرش يقدروا عليه عشان يشتروا شقة في طنطا، لكن لسه ناقصهم مبلغ كبير عشان يكملوا تمن المقدم.
أنا كنت اديتهم من تحويشة عمري 80 ألف جنيه، وكنت مستعدة أبيع دهبي كمان عشان أشوف ابني مستقر في بيته.
لكن أبو ابني، اللي المفروض يكون أول واحد يقف جنبه، كان رافض يساعده تمامًا!
قلتله وأنا بحاول أسيطر على دموعي
يا محمود، ده ابنك الوحيد! إنت لو مش هتقف جنبه، مين اللي هيقف جنبه؟
بصلي بضيق ورد ببرود
وأنا هعمله إيه يعني؟ الشركة قللت المكافآت، والفلوس اللي ببعتها للبيت بالعافية مكفيانا. مش كل شوية هنطلع فلوس!
اسمي سعاد، عندي 51 سنة، ومتجوزة محمود بقالي 28 سنة.
طول السنين دي كنت فاكرة إني أعرف جوزي كويس، وإن كل اللي بيعمله هو إنه بيتعب عشان يأمّن مستقبلنا.
من 16 سنة، محمود اشتغل في شركة مقاولات بترولية في بورسعيد، وكان بيقول إن طبيعة شغله بتخليه يقعد 45 يوم بعيد عن البيت، وبعدها يرجع يقعد معانا حوالي أسبوعين، وبعدين يسافر تاني.
وأنا؟!
كنت بشيل البيت كله لوحدي.
ربيت كريم، ووقفت جنبه لحد ما اتجوز، وكنت برعى حماتي الله يرحمها وقت مرضها، وفوق كل ده كنت شغالة محاسبة في شركة صغيرة عشان أساعد في مصاريف البيت.
ومحمود كان بيبعتلي 18 ألف جنيه كل شهر، وكل ما أطلب منه حاجة زيادة، يقولي إن ده آخره وإن الشغل بقى صعب.
كنت بصدقه، وأقول لنفسي معلش، الراجل بيشقى بعيد عن بيته عشاننا.
حتى أكله كنت بجهزهوله قبل كل سفرة.
أطبخ له كميات كبيرة، وأقسمها في علب، وأكتب على كل علبة محتوياتها، وأحطها في الشنطة مع الهدوم والأدوية وكل حاجة ممكن يحتاجها.
كنت بعمل ده وأنا مبسوطة، لأني كنت حاسة إني كده بخفف عنه تعب الغربة.
قبل ما يسافر اليوم ده، وقف قدام التلاجة وراجع علب الأكل.
قاللي
حطيتي الكفتة اللي من غير جبنة؟ إنتِ عارفة إن زمايلي مش بيحبوا النوع التاني.
قلتله
أيوه يا محمود، حطيتلك من النوعين، ومعاهم رز ومحشي وفراخ. كل حاجة زي ما بتحب.
هز راسه، وباسني بوسة سريعة على جبيني.
وقبل ما يخرج، قاللي
على فكرة، لازم تدفعي تجديد رخصة العربية. الإيميل وصلني، والباسورد زي ما هو.
وبعدها شال شنطته ومشي.
وقفت أبص على الباب بعد ما قفله، وابتسمت لنفسي بحزن.
ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة هبصله فيها بنفس النظرة، ولا إن الراجل اللي كنت بخاف عليه من الجوع والتعب، كان مخبي عني حياة كاملة!
بعد تلات أسابيع، حصلت حاجة صغيرة جدًا لكنها كشفتلي إن 28 سنة جواز ممكن يتحولوا في لحظة لكذبة كبيرة.
كنت قاعدة قدام اللابتوب، وفتحت إيميل محمود عشان أنزّل إيصال تجديد رخصة العربية.
وبين الرسائل، لفت نظري إيميل عنوانه متعلق بضريبة عقارية.
في الأول افتكرته إعلان أو رسالة ملهاش أهمية، لكن لما فتحته، حسيت إن إيدي اتجمدت فوق الماوس.
الإيميل كان فيه إشعار بسداد الضريبة العقارية لشقة مساحتها 84 متر في بورسعيد.
فتحت التفاصيل، وبدأت أقرا ببطء.
اسم المالك محمود عبدالسلام.
تاريخ شراء الشقة أبريل السنة اللي فاتت.
رجعت قريت الاسم تاني.
وبعدين التاريخ.
وبعدين الاسم مرة تالتة.
محمود جوزي اشترى شقة كاملة من ورايا، وأنا معرفش عنها أي حاجة!
إزاي؟ ومنين جاب فلوسها؟ وليه عمره ما قاللي؟
والأهم من ده كله ليه بيقول لابنه إنه مش معاه فلوس يساعده، وفي نفس الوقت بيشتري شقة من ورا مراته؟
مسكت التليفون واتصلت بيه.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لحد ما رد أخيرًا بصوت متضايق
نعم يا سعاد؟ أنا في الشغل!
حاولت أتكلم بهدوء رغم إن قلبي كان بيدق پعنف.
يا محمود، إنت اشتريت شقة في بورسعيد؟
سكت.
سكتة طويلة وغريبة، خلتني أحس إن السؤال جه على چرح كان بيحاول يخبيه.
وبعدين قال
آه، شقة صغيرة كده. استثمار للمستقبل، وكنت عايز أعملك مفاجأة.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما أحس.
مفاجأة؟! وإنت من إمتى بتشتري شقق من غير ما تقول لمراتك؟
اتنهد بعصبية ورد
يا سعاد، أنا حاطط فيها تحويشة عمري. وبعدين إنتِ مالك مكبرة الموضوع ليه؟ دي فلوسي وأنا حر فيها!
حسيت كأن حد صب عليا مية ساقعة.
وفلوس ابنك اللي طلب منك تساعده بيها؟ دي مش فلوسك برضه؟ ليه قلتله إنك مش قادر؟
صوته علي فجأة
أنا في الشغل! لما أرجع نبقى نتكلم. مش ناقصة صداع!
وقفل السكة في وشي.
فضلت ماسكة التليفون، وببص قدامي من غير ما أشوف حاجة.
الشقة دي ما كانتش مجرد عقار.
كانت أول دليل حقيقي إن في حاجات كتير بتحصل في حياة جوزي وأنا آخر واحدة تعرفها.
وفي الليلة دي، لأول مرة من 28 سنة، ماعرفتش أنام جنبه وهو بعيد عني.
بدأت أفتكر مواقف كنت بعدّيها عادي.
مرة لقيت توكة شعر أطفال وسط هدومه، ولما سألته عنها قاللي إنها بتاعة بنت زميله.
ومرة رجع من السفر، وسألني فجأة إزاي أشرح لطفل صغير جدول الضړب والقسمة، مع إنه عمره ما كان مهتم بالتفاصيل دي.
وفي عيد ميلادي الخمسين، غاب عني وقال إن الشركة رفضت تأذنله ينزل من موقع العمل.
وقتها عيطت طول الليل، وهو حتى ماكلفش نفسه يتصل بيا غير بعد يومين.
كنت ببرر كل حاجة، وأقول لنفسي إنه مضغوط وإن الشغل واخده مننا.
لكن دلوقتي، كل ذكرى كانت بترجعلي بشكل مختلف.
تاني يوم، اتصلت بصاحبتي المقرّبة، نادية، وطلبت منها نتقابل في كافيه بعيد عن البيت.
أول ما شافت وشي، سألتني
مالك يا سعاد؟ إنتِ شكلك مخضۏضة!
حكيتلها عن الشقة، وعن المكالمة اللي حصلت بيني وبين محمود.
كنت متوقعة إنها تستغرب معايا، أو تقوللي إن أكيد فيه تفسير.
لكن اللي حصل كان أغرب بكتير.
نادية سكتت، وفضلت تقلب المعلقة في فنجان القهوة من غير ما تشرب.
وبعدين رفعت عينيها ليا وقالت بصوت واطي
سعاد، فيه حاجة أنا بقالي تقريبًا سنة نفسي أقولها لك، بس كنت خاېفة أكون بظلمك أو أهد بيتك.
حسيت بقلبي بيهبط.
حاجة إيه يا نادية؟ اتكلمي!
مسحت دموعها وقالت
جوزي شاف محمود من حوالي سنة في مول في بورسعيد. كان واقف مع ست أصغر منك بكتير، ومعاهم طفلين.
حاولت أضحك،
لكن صوتي خرج مهزوز.
يمكن قرايبه يا نادية، يمكن ولاد حد من زمايله!
نادية هزت راسها، ودموعها نزلت.
أنا قلت لنفسي نفس الكلام. والله قلت يمكن أكون فاهمة غلط. بس جوزي حكى لي اللي حصل بعدها، وأنا من ساعتها مش عارفة أبصلك إزاي من غير ما أحس إني مخبية عنك مصېبة.
مسكت إيدها وقلت
حصل إيه؟!
بصتلي وقالت الجملة اللي حسيت بعدها إن الدنيا كلها وقفت.
الولد الصغير جري على محمود، حضنه من وسطه، وقاله قدام الناس كلها يا بابا، هاتلي آيس كريم تاني!
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يا بابا؟!
فضلت أردد الكلمة في سري، وأنا بحاول ألاقي أي تفسير ينقذني من الحقيقة اللي بدأت تظهر قدامي.
لكن نادية مسكت إيدي بقوة وقالت
يا سعاد، استني دي مش كل الحكاية. جوزي اكتشف حاجة تانية، ولو عرفتيها هتفهمي ليه محمود كان بيختفي كل الفترة دي، وليه الشقة دي بالذات كانت مهمة بالنسبة له!
يتبع في الجزء التاني 
الجزء التاني اكتشفت إن جوزي كان عايش حياتين!
بصيت لنادية وأنا مش قادرة أبلع ريقي.
يعني إيه مش كل الحكاية؟ هو عنده عيال من الست دي فعلًا؟
نادية أخدت نفس طويل وقالت
أيوه يا سعاد. جوزي لما شافه، محمود أخده على جنب وطلب منه مايتكلمش. وقاله إن الموضوع معقد، وإنه هيحل كل حاجة في وقتها، وإنك مالكيش ذنب في اللي بيحصل.
ضحكت بمرارة، وقلت
يعني هو عارف إنه بيخدعني، وكمان بيقرر بالنيابة عن الناس مين يستاهل يعرف الحقيقة ومين لأ!
نادية فضلت تعتذر، وأنا كنت حاسة إني مخڼوقة من كل حاجة.
لكن فجأة افتكرت حاجة.
قلت لها
استني، إنتِ قولتي إن جوزك شغال في نفس مجال محمود. هو مش المفروض نظام الشغل عندهم 28 يوم شغل و يوم إجازة؟
نادية بصتلي باستغراب.
أيوه، ده النظام المعتاد عندهم. ليه؟
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
محمود طول 16 سنة كان بيقولي إنه بيشتغل 45 يوم، وبعدها بيرجع يقعد معانا أسبوعين تقريبًا.
يعني في كل مرة كان بيرجع فيها البيت، كان بيكون عنده إجازة أطول من اللي بيقضيهالي!
أين كانت باقي أيام إجازته؟
الإجابة بقت واضحة قدامي بشكل مرعب.
كان بيقضيها في بورسعيد، مع الست التانية وعياله، بينما أنا قاعدة في طنطا بحضّر له الأكل، وأرتب هدومه، وأعد الأيام لحد ما يرجع!
ستاشر سنة وأنا بحسب الأيام اللي بيغيبها عليا، وماخطرش على بالي أسأل نفسي هو بيعمل إيه في الأيام اللي مش بيكون فيها في الشغل.
رجعت البيت وأنا مش حاسة برجلي.
وأول ما دخلت، لقيت صورة كريم وهو صغير على الكومود، فضلت أبص عليها وأعيط.
افتكرت أيام ما كنت بصحى بالليل عشان أذاكر له، وأفضل مستنياه لما يتأخر من المدرسة، وأشتغل ساعات إضافية عشان أوفر مصاريفه.
وافتكرت محمود لما كان يقولي إنه نفسه يشوف ابنه مستقر، وإنه بيشتغل كل ده عشان مستقبله.
طلع بيبني مستقبل تاني بعيد عننا تمامًا.
تاني يوم، طلبت من كريم ييجي يقعد معايا.
لما حكيتله كل حاجة، فضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال بصوت مكسور
يعني يا ماما، بابا عنده عيال تانيين؟
هزيت راسي وأنا بعيط.
كريم حط إيده على وشه وقال
طب ليه عمل فينا كده؟ أنا لما طلبت منه يساعدني في الشقة، قالي إني كبرت ولازم أشيل مسؤولية نفسي! أنا مكنتش بطلب منه يصرف عليا، كنت بطلب منه يقف جنبي مرة واحدة بس!
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
لأن ابني كان شايف نفسه قليل في عين أبوه، مع إن أبوه كان بيصرف على بيت تاني وبيجهزه بكل اللي يقدر عليه.
في اللحظة دي، أخدت قرار إني مش هفضل قاعدة مستنية محمود يرجع عشان يكدب عليا من جديد.
اتكلمت مع محامية صاحبتي عرّفتني عليها، وبدأنا نراجع أوراق جوازنا وممتلكاتنا.
عرفت منها إن موضوع الشقة وحقوقي فيها محتاج

تم نسخ الرابط