جوزي و سفرية كل شهر
المحتويات
أراجع التواريخ والمبالغ.
كانت فيه تحويلات بمبالغ كبيرة، اتعملت على فترات مختلفة، في نفس السنة اللي محمود اشترى فيها الشقة.
واحد من التحويلات كان بتاريخ قريب جدًا من اليوم اللي كنت فيه ببيع جزء من دهبي عشان أساعد كريم في تجهيز بيته.
في اللحظة دي، ماقدرتش أمسك نفسي.
عيطت، وقلت
ده مش بس خدعني. ده خد فلوسي كمان!
كاريمان مدت إيدها ناحيتي، لكني سحبت إيدي.
قلت لها
ماتلمسينيش. أنا مش قادرة أسمع كلمة واحدة زيادة قبل ما أفهم كل حاجة.
هزت راسها بتفهم.
وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أحس إن اللي جاي أصعب بكتير
مدام سعاد، الشقة اللي في بورسعيد مش مجرد بيت ليا وللولاد. محمود كان ناوي يبيعها قريب، وينقل الفلوس لحساب تاني. ومنى عندها سبب يخليها متأكدة إنه بيجهز يختفي.
يختفي؟!
أيوه. منى لقت ورق سفر، ومحمود كان بيسأل عن شغل في دولة تانية. وهو قاللي إنكم هتتطلقوا قريب، وإنه هيبيع كل حاجة ويسافر، وإنك مش هتقدري تعملي له أي حاجة.
حسيت إن الډم انسحب من وشي.
28 سنة جواز، وفي الآخر كان ناوي يمشي ويسيبني حتى من غير ما أفهم أنا ليا إيه وعليا إيه.
قفلت الملف، وحطيته في شنطتي.
وقلت لكاريمان
أنا مش هسامحك على اللي حصل، ومش هطلب منك تسامحيني. لكن لو كلامك حقيقي، يبقى لازم نوقفه قبل ما يضيع حق كل واحد فينا.
هزت راسها وقالت
أنا مستعدة أقول كل اللي أعرفه، وأقدّم أي مستندات عندي. مش عايزة ولادي يكبروا ويعرفوا إن أبوهم بنى حياتهم على فلوس مش من حقه.
قمت من مكاني، وقبل ما أمشي، سألتها
آخر سؤال. إنتِ بتحبيه؟
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
كنت بحبه. لكن لما اكتشفت إنه بيكدب عليكي، وبيكدب عليا، وبيستخدم ولاده عشان يبرر لنفسه كل حاجة، بدأت أفهم إني ماكنتش أعرفه أصلًا.
خرجت من الكافيه وأنا شايلة الملف كأنه حجر تقيل فوق صدري.
لكن المرة دي، ماكنتش راجعة البيت عشان أعيط.
كنت راجعة عشان أواجه الحقيقة كاملة.
وفي نفس الليلة، وصلني تسجيل صوتي من منى، أخت محمود.
التسجيل كان فيه صوته وهو بيقول
محدش هيعرف أنا عملت إيه. سعاد عمرها ما هتراجع الحسابات، وكاريمان هتصدق أي كلام أقوله. أول ما أبيع الشقة، هبقى خلصت من كل حاجة.
وقفت التسجيل، وأنا حاسة إن كل كلمة قالها بتكسر حتة جديدة جوايا.
لكن التسجيل ماكانش هو المفاجأة الأكبر.
لأن منى كانت باعتة معاه رسالة واحدة
يا سعاد، فيه ورقة لازم تشوفيها بنفسك. الورقة دي لو طلعت صحيحة، يبقى محمود كان مخبي عنك سر من قبل ما يتجوزك أصلًا!
يتبع في الجزء الرابع والأخير
الجزء الرابع والأخير يوم ما محمود خسر كل حاجة كان فاكر إنها ملكه!
فضلت طول الليل قاعدة قدام التسجيل، وبسمعه مرة ورا مرة.
سعاد عمرها ما هتراجع الحسابات
الجملة دي كانت بتوجعني أكتر من اعترافه بالخېانة.
لأنها كانت معناها إنه مش بس كدّاب، ده كمان كان شايفني ست مغفلة، يقدر ياخد من تعبها وفلوسها وسنين عمرها، وهو مطمن إنها عمرها ما هتكتشف حاجة.
تاني يوم الصبح، اتصلت بمنّى.
ردت عليا بصوت مرهق
ألو، مدام سعاد؟
قلت لها
أنا عايزة أشوف الورقة اللي قولتي عليها.
قالت
هبعتلك العنوان. بس لازم نتقابل بعيد عن محمود، لأنه لو عرف إني بتعاون معاكي، مش هيسيبني في حالي.
بعد ساعتين، كنت قاعدة في مكتبها، قدامي ملف كبير فيه مستندات وصور تحويلات وإيصالات قديمة.
منى كانت ست في أوائل الخمسينات، وملامحها فيها حزن واضح.
قالتلي
أنا عارفة إن أخويا ظلمك، وعارفة إن اعتذاري مش هيصلح اللي حصل. بس أنا مش هقدر أفضّل ساكتة بعد ما عرفت إنه ناوي يهرب ويسيب كل الناس اللي خدعهم يواجهوا المصېبة لوحدهم.
سألتها
إيه الورقة اللي كنتِ بتتكلمي عنها؟
طلعت من الملف صورة عقد قديم، وحطته قدامي.
كان عقد شراء أرض في ضواحي بورسعيد، بتاريخ من حوالي 17 سنة.
يعني قبل ما محمود يشتغل في الشركة البترولية بسنة تقريبًا.
قلت باستغراب
إيه علاقة الأرض دي بالموضوع؟
منى أشارت لاسم المشتري.
كان اسم محمود.
لكن لما بصيت على المبلغ المدفوع، حسيت إن فيه حاجة مش منطقية.
المبلغ كان أكبر بكتير من كل اللي محمود كان بيقولي إنه بيحوشه وقتها.
قلت
هو جاب الفلوس دي منين؟
منى ردت
الأرض دي كانت جزء من ميراث أبويا. محمود اشترى نصيبي ونصيب أختنا الصغيرة، وقال إنه هيدفع لنا على أقساط، لكنه دفع جزء بسيط، وبعدها فضل يأجل لحد ما خلصنا أمل إننا ناخد باقي فلوسنا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
وبعد سنين، الأرض اتباعت بمبلغ كبير. محمود كان المفروض يسلّمنا نصيبنا من المكسب، لكنه قال إن الأرض خسړت وإنه اضطر يبيعها بخسارة. أنا صدقته وقتها، لأني كنت بعيدة عنه ومش فاهمة في العقارات.
بصيت للعقد تاني.
يعني هو كان بيخبي فلوس عنكم من سنين؟
أيوه. ولما أمنا ماټت، كان فيه حساب بنكي ومبلغ من بيع أرض تانية. محمود اتولى متابعة جزء من الإجراءات بحجة إنه أفهم واحد في الحسابات، لكنه بدأ يسحب مبالغ من غير ما يرجع لنا. ولما واجهناه، قال إن الفلوس اتصرفت على علاج أمنا وديون قديمة.
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
محمود ماكانش بيخبي عني بس شقة وست وطفلين.
كان عنده تاريخ طويل من الأسرار المالية، وكل مرة كان بيلاقي حد يصدقه، كان بيستغل ثقته.
سألت منى
طب إيه علاقة ده بيا أنا؟
طلعت ورقة تانية من الملف، وقالت
لأن محمود استخدم جزء من الفلوس اللي كانت في الحساب المشترك بينك وبينه، عشان يكمل ثمن الشقة. وفيه تحويلات تانية خرجت من حساب ميراث أمنا، ومحدش عارف راحت فين بالضبط.
مسكت الورق، وبدأت أراجع التواريخ.
واحد من التحويلات كان بتاريخ اليوم اللي محمود قاللي فيه إنه مش قادر يساعد كريم عشان الشركة قللت المكافآت.
والتحويل التاني كان في نفس الشهر اللي طلب مني فيه أبيع جزء من دهبي عشان نصلح العربية!
وقتها، افتكرت إني بعت الدهب وأنا بعيط، لأنه كان هدية من أمي الله يرحمها، لكن محمود أقنعني إننا مضطرين.
طلع هو في نفس الفترة بيحوّل فلوس لحياته التانية!
ماقدرتش أتكلم.
منى قربت مني وقالت
سعاد، أنا مش هطلب منك تسامحيه. بس لازم تتحركي بسرعة، لأنه فعلًا بيجهز يبيع الشقة.
قلت لها
مش هتحرك من غير محامي. كل ورقة هتتراجع، وكل مبلغ هنعرف راح فين. أنا مش عايزة أنتقم منه بالكلام، أنا عايزة أحافظ على حقي.
لأول مرة، حسيت إن في حد من عيلة محمود مستعد يقول الحقيقة، حتى لو الحقيقة هتفضح أخوه.
خرجت من
عند منى، وروحت مباشرة لمكتب أستاذ شريف.
قعدنا ساعات نراجع الأوراق، ونقارن التحويلات بكشوف الحساب اللي كانت عندي.
المحامي أكدلي إن المستندات دي محتاجة مراجعة دقيقة، وإن أي مطالبة بحقوق مالية لازم تتبني على إثباتات واضحة، مش مجرد اټهامات.
بدأنا الإجراءات المناسبة، وطلبنا اتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لحماية الحقوق محل الڼزاع، خصوصًا بعد ما ظهرت مؤشرات إن محمود ممكن يتصرف في بعض الأموال والممتلكات.
وفي نفس الوقت، كريم بدأ يراجع معايا كل اللي فاكره عن فلوس أبوه، والمبالغ اللي كان بيحولها للبيت، والمرات اللي طلب مني فيها أبيع دهب أو أسحب من تحويشتي.
كل ما نفتكر موقف، كانت الحقيقة بتبان بشكل أقسى.
لكن رغم كل ده، كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيبني
إزاي محمود قدر يعيش معايا 28 سنة، ويصحى كل يوم يبص في وشي، وهو عارف إنه بيخدعني؟
بعد يومين، رجع البيت متأخر.
دخل وهو بيتكلم في التليفون، وأول ما شافني قفل المكالمة بسرعة.
قال
إنتِ لسه صاحيه؟
رديت بهدوء
أيوه. مستنياك.
قعد على الكنبة، وخلع حذاءه، وبعدين قال
أنا تعبان يا سعاد. لو سمحتي، بلاش مشاكل.
قلتله
أنا مش هعمل مشاكل. أنا بس عايزة أعرف إمتى كنت ناوي تقولي إنك هتبيع الشقة وتسافر؟
اتجمد مكانه.
وبعدين رفع عينيه ليا وقال
مين قالك الكلام ده؟
قلت
مش مهم مين قال. المهم إنك كنت ناوي تعمل كده فعلًا؟
بدأ يتكلم بسرعة
بصي يا سعاد، أنا كنت بمر بأزمة، وكان لازم أتصرف. أنا مش ناوي أسيبك من غير فلوس، ولا كنت هسيبك محتاجة حاجة.
ضحكت بمرارة.
زي ما سبت ابنك محتاج؟ زي ما خليتني أبيع دهبي وأنا فاكرة إننا بنصلح العربية؟ ولا زي ما خليتني أجهزلك أكل 45 يوم، وإنت كنت بتقضي نص إجازتك في بيت تاني؟
محمود قام من مكانه.
إنتِ مش فاهمة الظروف اللي كنت فيها!
قلتله
طب فهمني. أنا سامعاك.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا اتجوزت كاريمان بعد ما لقيت نفسي متعلق بيها. والولاد جم، وماقدرتش أسيبهم. كنت بصرف عليهم، وفي نفس الوقت كنت بصرف عليكي وعلى كريم. الدنيا ضغطت عليا، وكنت بحاول أوازن بين البيتين.
بصيتله وقلت
إنت ماكنتش بتحاول توازن بين بيتين. إنت كنت بتخلي كل بيت يصدق إنه الوحيد، وبتخلي كل واحد فينا يدفع تمن كدبك.
حاول يقرب مني.
يا سعاد، إحنا عشرة عمر. 28 سنة مش شوية. معقول هتهدي كل ده عشان غلطات حصلت؟
رجعت خطوة لورا.
الغلط بيحصل مرة، يا محمود. إنما إنت بنيت حياة كاملة على الكدب. كنت بتكذب عليا، وبتكذب على كاريمان، وبتكذب على أختك، وبتاخد فلوس من حسابات الناس، وبعدين تقول إنك بتحاول توازن!
نزل راسه، ولأول مرة ما لقيش رد.
لكن فجأة رفع عينيه وقال
طب إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ فلوس؟ هديكي اللي إنتِ عايزاه. بس بلاش محاكم وفضايح. أنا راجل معروف في شغلي، ولو الموضوع اتفتح، سمعتي هتضيع.
سألته
وسمعتي أنا؟ وكرامتي؟ وسنين عمري اللي ضاعت وأنا مصدقاك؟ دي ماكانتش مهمة عندك؟
ما ردش.
دخلت أوضتي، وطلعت شنطة صغيرة كنت مجهزاها.
بصلي پصدمة.
إنتِ رايحة فين؟
قلت
عند ابني كام يوم. محتاجة أفكر بعيد عنك.
صړخ
إنتِ مش هتخرجي من البيت بالطريقة دي!
بصيتله بثبات.
أنا مش محتاجة إذنك عشان أخرج من مكان مش حاسة فيه بالأمان النفسي. وبالنسبة لباقي حقوقي، المحامي هيتعامل معاك.
خرجت من البيت، ولأول مرة ما التفتّش ورايا.
كنت عارفة إن القرار ده مش سهل، وإن الأيام الجاية هتبقى مليانة إجراءات ومواجهات، لكني كنت مستعدة.
لأني أخيرًا بطلت أخاف من خسارة راجل كنت فاكرة إنه سندي، واكتشفت إنه كان أكتر شخص بيستنزفني.
لكن محمود ماكانش ناوي يستسلم بسهولة.
بعد أقل من أسبوع، كريم اتصل بيا وهو متعصب.
يا ماما، بابا كلمني، وبيقولي إنك بتدمري حياته، وإنك عايزة تاخدي منه كل حاجة!
قلتله
وإنت رديت عليه قلتله إيه؟
قال
قلتله إنك طول عمرك بتقفي جنبه، وإنه لو كان عنده ذرة ضمير، كان قال الحقيقة من زمان. بس يا ماما، هو طلب يقابلنا إحنا الاتنين، وقال إن عنده كلام مهم.
فكرت شوية، وبعدها وافقت، بشرط إن المقابلة تكون في مكان عام، وإن المحامي يكون عارف باللي بيحصل.
اتفقنا نتقابل في مكتب أستاذ شريف بعد يومين.
دخل محمود المكتب، وشكله كان مختلف عن كل مرة شفته فيها.
كان مرهق، وعينيه حمرا، وشعره مش مترتب.
قعد قدامنا، وبص لكريم.
أنا عارف إني غلطت في حقكم.
كريم رد ببرود
غلطت؟ دي كلمة قليلة أوي على اللي عملته.
محمود كمل
أنا مش هقدر أرجع الزمن، لكن ممكن أصلح جزء من اللي حصل. أنا مستعد أبيع الشقة، وأرجع لسعاد كل الفلوس اللي
متابعة القراءة