اهلي كنسلوا فرحي في اخر دقيقة

لمحة نيوز

كبيرة على الأرض بيتنا، وشمسنا الصغيرة، وقلوبنا التي لم تحتج لشهادة أحد لتعرف طريقها.
الجزء الثالث المفاجأة التي لم يتوقعها أحد
بعد أسبوع بالضبط، قررنا عمر وأنا أن نذهب في رحلة قصيرة لنحتفل ببداية حياتنا. لم نذهب لفندق فاخر، بل ذهبنا لمرسى في العين السخنة، حيث دعاني عمر لزيارة يخت صغير لكنه أنيق ورائع مرسو هناك.
إيه ده يا عمر؟! سألتُ بدهشة وأنا أصعد الدرج معه.
ده مش ملكي.. بس أنا شريك في ورشة تصميم وتنفيذ لوحات جدارية وتحف فنية لمشاريع سياحية كبيرة. هذا اليخت واحد من مشاريعنا الأخيرة، وصاحبه سمح لنا نستخدمه كمكافأة على العمل اللي أنجزته الفريق مؤخراً.
بينما نحن نجلس على سطح اليخت نشاهد الغروب، التفتتُ لجهة الشاطئ، وتجمدت في مكاني. هناك، على رصيف الميناء، كانوا يقفون جميعاً أبويا وأمي وفريدة وزوجها حسين، ومعهم خالاتي وأقاربي. كانوا في طريقهم لزيارة صديق يملك يختاً مجاوراً، وفجأة رأوني جالسة على سطح يخت فاخر، بملابسي الأنيقة، وعمر بجانبي يضع يده على كتفي ويضحك معي.
لم يعرفوا أن اليخت مجرد عمل لعمري.. لقد ظنوا أننا أصبحنا أثرياء فجأة، وأن عمر كان يخفي ثروته عنهم طوال الوقت!
بدأت الهواتف ترن في نفس اللحظة. أغلقتُ هاتفي بهدوء، لكن المشهد لم ينتهِ هناك. في اليوم التالي، بدأت المكالمات تتوالى بشكل چنوني. سجلتُ العدد لاحقاً 417 مكالمة في أسبوع واحد فقط! رسائل دموع ورجاء، اعتذارات طويلة، قصص عن ندمهم وكيف أنهم أحبوني دائماً ولم يقصدوا إيذائي.
أمي كتبت لي يا بنتي سامحيني.. الډم أبداً ما يصبح ميه. كنا نظن إنه مش مناسب لكِ، طلع هو مخبأ لكِ كنزاً! تعالي تعالي، البيت مفتوح لكِ في أي وقت!
فريدة أرسلت لي ندى حبيبتي.. أنا آسفة جداً عن يوم فرحك. كان غلط مني وأنا أعتذر منكِ بكل صدق. نلتقي قريباً؟ عندي كلام كتير أبي أقوله لكِ!
أبويا اتصل مرات عديدة، وفي آخر مكالمة

قال بصوت مهزوز يا بنتي.. أنا اللي غلطان. تفضلِ علينا بزيارة.. مش عايزين غيركِ أنتِ وعمر.
الجزء الرابع اللقاء الذي كشف الوجوه الحقيقية
بعد شهر، قررتُ أن أذهب لزيارتهم. ليس لأنني سامحتهم تماماً، بل لأنني أردت أن أوضح لهم الحقيقة مرة وللأبد. ذهبتُ لبيت أهلي، وعندما فتحت لي أمي الباب، استقبلتني بابتسامة لم أرها في حياتي، واحتضنتني بقوة كأنها خائڤة أن أختفي.
جلسوا حولي بترقب، وأخيراً تكلم حسين زوج فريدة
يا سلام يا ندى.. ماشاء الله عليكي. اليخت ده كان مذهل! من متى عمر يعمل أعمال بهذا الحجم؟ كنتوا مخبيين علينا الخير كله!
ابتسمتُ بهدوء وقلت
عمر يعمل بجد واجتهاد، نعم. لكن اليخت ليس ملكاً لنا. كان مجرد هدية استخدام لمدة يوم واحد كجائزة على عمله الممتاز في المشروع. نحن ما زلنا نعيش في شقتنا الصغيرة الأربعين متراً، ونعيش من عملنا بأيدينا بكل كرامة.
ساد صمت ثقيل في الغرفة. تغيرت ملامحهم بسرعة مذهلة. أمي تراجعت بخطوة، فريدة عبست، وأبويا انحنى قليلاً وكأنه فقد اهتمامه فجأة.
يعني إيه؟! سألت فريدة بصوت حاد يعني مفيش ثروة؟ هو لسه مجرد رسام بسيط؟!
هو رسام وفنان ناجح ومحترم أجبتُ بثبات وليس مجرد شيء. والثروة التي أتحدث عنها ليست في اليخوت ولا الفلوس.. الثروة هي أنني وجدتُ شخصاً يقدرني، يحترمني، ويجعلني أشعر بالأمان كل يوم. وهذا شيء لم أجده هنا أبداً.
أبويا رفع رأسه وقال بحدة لمحاولة إخفاء خيبة أمله
يعني كل ده كان خدعة؟ جيتي تضحكي علينا؟ كنا قلقانين عليكِ وندمانين، وطلعتي بتلعبينا؟
أنا لم ألعب بكم أبداً قمتُ واقفة، وقلت بصوت واضح أنتم من لعب بمشاعري طوال حياتي. فضلتم حفلاً مادياً على فرح ابنتكم. ولم تتصلوا بي إلا حين ظننتم أنني أصبحت غنية. والآن بعد أن عرفتم الحقيقة.. أنا لا أحتاج لندمكم ولا لاعتذاراتكم. أحتاج فقط أن تحترموا حياتي وتبتعدوا عنها.
خرجتُ من البيت وأغلقتُ الباب خلفي. لم أشعر بالخۏف ولا بالحزن.. شعرتُ بالحرية لأول مرة في حياتي بالكامل.
الجزء الخامس الحب يُبنى باليدين لا بالمال
عدتُ لعمر، وكان ينتظرني أمام الباب بابتسامته الهادئة وكوب الشاي الذي أعرفه جيداً. لم أسأله إن كان سيبقى معي الآن بعد أن عرف الجميع أننا لسنا أثرياء.. لأنني كنت أعرف الإجابة مسبقاً.
مرت السنين ببطء وجمال. لم نصبح مليونيرات، لكننا كنا نملك ما لا يملكه الأغنياء السلام والرضا. افتتحنا معاً معرضاً صغيراً لأعمالنا، في حي شعبي بسيط، على جدرانه لوحاتي ولوحاته. بدأ الناس يعرفوننا ويقدرون فننا الحقيقي. عملنا بجد، نكسب رزقنا بعرق جبيننا، ونعيش ببساطة وسعادة لا تُقارن.
من حين لآخر، يصلني اتصال من أمي أو فريدة، أجيب بلباقة وأوضح حدودنا الجديدة. لم أقطع صلة الرحم تماماً، لكنني وضعت مسافة آمنة تحميني وتحمي أسرتي الصغيرة. تعلمت
أن المسافة ليست كرهاً.. بل حفاظاً على النفس.
ذات يوم، جاء كريم صاحب المكان الذي أقمنا فيه فرحنا لزيارتنا في المعرض. تجول بين اللوحات، ثم وقف أمام لوحة رسمتها لنا أنا وعمر على الشاطئ، وقال بابتسامة فخورة
قلت لكِ يوم فرحك إنكِ ملكة.. واليوم أرى مملكتكِ تتكبر يوماً بعد يوم بيديكِ ومع من تحبين. هذا هو الفخر الحقيقي.
الجزء السادس أغلى هدية في العالم
بعد ثلاث سنوات، في ذكرى زواجنا الثالثة، استيقظتُ ووجدتُ على طاولة المطبخ علبة صغيرة. فتحتها بفضول.. لم تكن دبلة ولا مجوهرات، بل كانت مفتاحاً صغيراً ورسمة بخط عمر بيتنا الجديد.
نظرتُ إليه متسائلة، فقال وهو يحتضنني
اشتريتُ قطعة أرض صغيرة على مشارف المدينة.. وبنيتا بيتنا معاً، حجراً بحجر، ولوحة بلوحة. ليس كبيراً، لكنه بيتنا.. لا أحد يملك مفاتيحه غيرنا.
ذهبنا لرؤيته في ذلك اليوم. بيت صغير، بسيط، بجدران بيضاء ونوافذ كبيرة تطل على حقول خضراء. وفي الحديقة الأمامية، علقتُ لوحة صغيرة كتبت عليها هنا لا يوجد كراسي فارغة.. فكل مكان مملوء بالحب.
وقفتُ أتأمل المكان، وأدركت أنني لم أعد أبحث عن قبول أحد. لقد وجدتُ قبول نفسي أولاً، وهذا كان أغلى هدية في العالم 
تمت القصة بحمد الله

تم نسخ الرابط