جوزي ضربني بالقلم قدام اهله
المحتويات
أسبوع. واليوم أنا جاية أبلغكم بأن الحكم صدر بالفعل. أنا مطلقة منك يا محروس. من شهر ماضي. مفيش رجعة، ومفيش كلام تاني بيننا غير ما القلم يكتبه والعدالة تحكمه.
حماتي حاولت ترفع إيدها تشاور وتصرخ، بس صوتها كان مكتوم، ويدها سقطت ببطء على الغطاء الأبيض لسريرها. عيناها اتسعت وهي تشوف الورق المختوم بختم المحكمة، وعرفت إن الزمن ده انتهى للأبد.
الجزء الثالث الحقيقة تطلع من كل جانب
خرجت من غرفة المستشفى ومشيت بخطوة ثابتة ناحية المصعد، بس محروس جري ورايا ووقف قدامي يمنعني من النزول
تسيبيني في وسط الطريق وأنتِ عارفة إن حياتي كلها اټدمرت؟ ده أنا كنت بعتقد إنك هتفهميني وتسامحيني زي كل مرة!
أنا سامحتك مرات كتير يا محروس. وسامحتك مش عشانك.. عشان بنتي. لكن المسامحة مش معناها إني أتنازل عن حقي، ومش معناها إني أسمحلك تستخف بيا وبكرامتي كل يوم. سحبت يدي من دراعه بكل رفض أنتِ اللي اخترت الطريق ده من أول يوم ضړبتني فيه بالقلم قدام أهلك. أنا مش اللي هدمتك.. أنت هدّمت نفسك بنفسك.
وصلني خبر بعد يومين إن حماتي رفضت تتكلم مع حد، وكل ما يشوف حد يبصله بعيون غاضبة وكأنها بتشوف شباب عمرها اللي ضاع في العناد والغرور. محروس باع ورشته بخسارة كبيرة، وبدأ يبيع أثاث البيت قطعة قطعة عشان يغطي تكاليف العلاج. الناس اللي كانوا بيحيطوا به اختفوا، والجيران اللي كانوا بيحسدوه على صبره عليا بقوا يبتعدوا عنه كل ما شافوه قادم.
ذات يوم كنت في طريقي للعمل، شفتة واقف على رصيف الشارع،
لابس هدوم قديمة، وشكله تغير كتير. لاحظني وناداني بصوت خاڤت
هناء.. بس خمس دقايق، أرجوكي.
وقفت من بعيد، وقلت له
عندك دقايق محدودة. بنتي مستنياي أروح أجيبها من المدرسة.
البيت هيتسحب عليه الإيجار الشهر الجاي.. وأمي مش عارف هاخدها فين. كل اللي طلبته من الناس رفضوني. لقيت نفسي وحيد زي ما قلتلي زمان.. بس ليه قلتلي وأنتِ عارفة إني هخسر كل حاجة؟ ليه ما حذرتنيش؟
حذرتك كتير يا محروس. بس الكلام ما بيدخلش قلب بيكره يسمع الحقيقة. أنا مش سبب خسارتك.. أنت خسړت لأنك خسړت نفسك أولًا. لما خسړت الأمانة، خسړت الثقة. ولما خسړت الناس اللي بيحبوك بصدق، ما بقالكش غير الفلوس.. والفلوس وحدها ما بتعملش بيت ولا عيلة.
تركته ومشيت، ولم ألتفت ورايا. لم أشعر بالشماتة.. فقط شعرت بالأسى على رجل ظن أن السلطة والسيطرة تعني الرجولة، فاكتشف متأخرًا أن الرجولة الحقيقية تكمن في الرحمة والعدالة.
الجزء الرابع الوداع الأخير
اتصلوا بي من المستشفى في ليلة شتاء باردة، وقالوا لي إن حماتي في اللحظات الأخيرة، وتطلب رؤيتي. ترددت طويلًا، لكن قلبي قال لي مهما كان الماضي، المۏت حق، والكلام ما بيفيد بعد الرحيل.
دخلت الغرفة بهدوء. كانت ضعيفة جدًا، وشبهها تغير تمامًا. عيناها كانت تتحركان ببطء حتى رأتني، وحركت إيدها بصعوبة تدعوني أقترب. اقتربت منها ببطء، وقالت بصوت متقطع بالكاد أسمعه
سامحيني.. كنت أظن إن كلمتي هي الحق.. وإن الست لازم تخضع.. عشت عمري كله أخدم زوجي وأعلم ابني القسۏة.. فطلعته عليكِ.. وطلعته عليا أنا كمان.. ما حد خدمني يوم مرضي.. غيرك.. وأنا أذيتك أكتر من أي حد.
دمعة نزلت من عينها، وقالت آخر كلماتها بصوت بالكاد يسمع
كنتِ أحق مني بالسعادة.. سامحيني يا بنتي.. واخدي بالك من نفسك ومن بنتك.. ما تتخليش عن حقيكِ أبدًا.
مسحت دمعة سقطت على خدها، وقلت لها بهدوء
أنا مسامحتكِ. ارتاحي يا حاجة. الحياة قصيرة، وما ينفعش ڼموت وحيدين ومش سامحين حد. سلام عليكي.
ماټت في تلك الليلة. لم أحضر العزاء، لكنني أرسلت كفناً ومصحفاً كما يُطلب في حق المېت. لم أكرهها.. فقط أشفقت عليها، لأنها عاشت عمرها كله في ظن خاطئ، ولم تدرك الحقيقة إلا في اللحظة التي فات الأوان فيها.
محروس بكى طويلًا عند القپر، ولم يكن يبكي فقط على أمه.. بل بكى على حياته كلها التي أضاعها، وعلى الفرص التي أهديت له وأهدرها بيده. وقف بجانبي بعد أن انصرف الناس وقال
كانت آخر كلمة قالتها لي الحق مع هناء. كنت أتمنى أسمعها قبل ما ټموت.. كنت أتمنى أسمعها وأنا لسه أقدر أصلح حاجة.
ما فات ميرجعش يا محروس. لكن الحياة لسه قدامك. تبدأ من جديد أصعب من ما تبدأ صغير، بس ممكن. لو عشت بصدق وأمانة، ربما تعوض السنين اللي راحت. والديون اللي عليك سأعطيك مهلة بشرط تشتغل بجد، وترد القرش قرشًا. مش عشانك.. عشان بنتنا تعرف إن أبوها كان راجل يومًا ما.
نظرة الشكر في عينه كانت أثمن من أي مبلغ، لكنني كنت أعرف أن الطريق طويل، والثقة تُبنى ببطء شديد، وقد تُكسر في لحظة.
الجزء الخامس البيت الذي بني على الصخر
مرت السنوات، واشتغلت في المستشفى، وترقيت لمنصب إداري في قسم التمريض. اشتريت شقة صغيرة بأقساط مريحة، وغرفة نوم بنتي كانت أجمل ما فيها، ملونة ومشرقة، لا مكان فيها للخوف ولا للصوت المرتفع.
بنتي كبرت، وكانت تدرس بتفوق، ومرة سألتني وهي تفتكر أيامًا قديمة
ماما.. ليه بابا كان بيعاملنا
كده؟ وليه جدتي كانت قاسېة معايا؟ هل كنت غلط أنا؟
احتضنتها وقبلت جبينها
أبدًا ما كنتِ غلط. الناس يا حبيبتي بتتعامل معاكِ بناءً على نفسها، مش بناءً على قيمتك. أبوها وجدتك ما عرفوش يعرفوا معنى الحب إلا السيطرة والخۏف، وما ذنبكِ
متابعة القراءة