استغاثة طفلة

لمحة نيوز

للأبد.
أبوها كان متهمًا بالتورط في محاولة إيذائهما.
والبنت اللي كانت لسه بتسأل عنه، ما كانتش تعرف إزاي تفهم اللي حصل.
الفصل السابع الزيارة اللي كسرت قلب الظابط
بعد مرور فترة من العلاج، بدأت حالة الأم والبنت تتحسن، رغم إن التعافي كان محتاج وقت ومتابعة.
آدم، الظابط اللي وصل البيت في أول يوم، ما قدرش يخرج القضية من باله.
كان بيتابع المستجدات، وكل ما يفتكر وش الطفلة وهي بتفتح الباب حافية وبتحاول تمنع نفسها من العياط، كان يحس إن الموقف ده عمره ما هينساه.
بعد فترة، قرر يزور البنت في المستشفى.
دخل الأوضة بهدوء، وكانت هي قاعدة على السرير، بترسم في كراسة صغيرة.
لما شافته، رفعت راسها، وبعد لحظة ابتسمت ابتسامة خفيفة.
إنت الظابط اللي جه بيتنا!
آدم ابتسم.
أيوه يا بطلة. عاملة إيه النهارده؟
أحسن شوية.
الحمد لله. ومامتك أخبارها إيه؟
هي كمان أحسن.
آدم سحب كرسي وقعد جنبها، وسألها عن الرسمة اللي بترسمها.
كانت رسمة بسيطة لبيت، وشمس، وطفلة واقفة جنب ست كبيرة شوية.
سألها
دي إنتِ ومامتك؟
هزّت راسها.
أيوه. أنا عايزة لما نخرج من هنا نرجع نعيش مع بعض ونبقى كويسين.
آدم ابتسم، لكنه لاحظ إنها سكتت فجأة.
فضلت تبص للرسمة، وبعدها سألت
ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا يا حبيبتي.
البنت رفعت عينيها ليه.
هو بابا هييجي يشوفني؟
آدم حس إنه مش عارف يختار كلماته.
كان عارف إن فيه إجراءات قانونية بتحصل، وإنه ما ينفعش يوعدها بحاجة مش بإيده.
فقال بهدوء
أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وإنك وحشِك إنك تفهمي اللي حصل. بس دلوقتي أهم حاجة إنك تبقي بأمان، وإنك ومامتك تاخدوا الوقت اللي محتاجينه عشان تتعافوا.
البنت فضلت ساكتة.
وبعدين قالت
أنا كنت بحبه أوي.
آدم ما ردش فورًا.
كملت هي، وصوتها بدأ يرتعش
كنت لما أخاف أجري عليه. ولما أقع، هو اللي كان بيشيلني. ولما كنت بزعل، كنت بقوله كل حاجة.
دموعها بدأت تنزل.
طب ليه يعمل فينا كده؟ إحنا عملنا له إيه؟
آدم حس إن الكلام وقف في حلقه.
كان شاف قضايا كتير خلال سنين شغله، وسمع تبريرات وحجج من ناس ارتكبت أفعالًا بشعة.
لكن مفيش أي تفسير يقدر يخلّي طفلة صغيرة تفهم ليه الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد ممكن يتحول إلى مصدر خۏفها.
قرب منها وقال
إنتِ ومامتك ما عملتوش حاجة تستاهل اللي حصل. أبدًا. واللي حصل مش ذنبك، ومش مسؤوليتك.
البنت مسحت دموعها بكمّها.
بس أنا كنت فاكرة إن بابا بيحبني.
آدم ردّ بصوت هادي
إنتِ تستاهلي الحب والأمان يا حبيبتي. وتستاهلي حد يحميكي، مش يخوّفك.
وبعدين سكت لحظة، وأضاف
وإنتِ لما طلبتي المساعدة، عملتي حاجة شجاعة جدًا. إنتِ ساعدتي نفسك، وساعدتي مامتك كمان.
البنت بصت له، وكأنها بتحاول تستوعب كلامه.
وبعد لحظة، مدت إيدها الصغيرة ومسكت إيده.
آدم ضغط على إيدها برفق، وحاول يخفي دموعه.
لما خرج من الأوضة، وقف في الممر شوية، وأخد نفسًا طويلًا.
كان طول عمره فاكر إن أصعب جزء في شغله هو التعامل مع الأدلة والجرايم.
لكن في اللحظة دي، فهم إن أصعب شيء أحيانًا هو إنك تقف قدام طفل بريء، يسألك سؤالًا مفيش إجابة تقدر تخفف وجعه.
الفصل الثامن النهاية اللي ما كانتش في حسبان الأب
مع تقدم التحقيق، استمرت الجهات المختصة في جمع الأدلة وفحصها، واتخذت الإجراءات القضائية اللازمة بحق الأب وصديقه.
أما الأم والبنت، فبدأتا رحلة طويلة لاستعادة حياتهما.
ما كانش التعافي مجرد علاج جسدي.
كان لازم الأم تساعد بنتها تفهم إن اللي حصل مش غلطتها، وإنها مش مطالبة تحمي أسرار الكبار أو تتحمل نتائج قراراتهم.
وكان لازم هي كمان تتعامل مع الصدمة اللي سبّبها اكتشاف إن حياتها وحياة بنتها كانتا في خطړ.
في الأيام الأولى، كانت
البنت بتصحى من النوم وهي خاېفة.
أحيانًا كانت تنادي على أمها أكثر من مرة، لمجرد إنها تتأكد إنها موجودة جنبها.
وأحيانًا كانت تسألها إذا كان ممكن حد يدخل البيت ويأذيهم تاني.
الأم كانت تضمها وتقول
إحنا هنا مع بعض يا حبيبتي، وهنطلب المساعدة من الناس اللي نثق فيهم لو احتجنا.
ومع الوقت، بدأت البنت تستعيد جزءًا من إحساسها بالأمان.
رجعت ترسم، وتتكلم عن المدرسة، وتحكي عن الحاجات الصغيرة اللي بتحبها.
لكن التجربة فضلت جزءًا من ذاكرتها، وتجربة بالشكل ده كانت محتاجة دعمًا نفسيًا مناسبًا، بجانب الرعاية الطبية.
أما آدم، ففضل فاكر المكالمة اللي بدأت كل شيء.
في يوم من الأيام، وهو بيتكلم مع زملائه عن أصعب المواقف اللي مرّوا بيها في شغلهم، جاب سيرة القضية.
قال لهم
أنا شوفت جرائم كتير، وشوفت ناس تعمل حاجات صعب تتصدق. لكن اللي مش قادر أنساه هو صوت البنت وهي بتقول لي إنها خاېفة، وبعدها تسألني إذا كان بابا هيزعل منها.
سكت لحظة، وبعدين كمل
الطفلة دي كانت فاكرة إنها بتعمل مشكلة لما طلبت المساعدة. كانت خاېفة تتعاقب عشان قالت إنها تعبانة. وده لوحده يخلّيك تفكر قد إيه الأطفال محتاجين يعرفوا إن صوتهم مهم، وإن من حقهم يطلبوا النجدة لما يحسوا إنهم في خطړ.
كانت دي أهم حاجة خرج بيها من القضية.
إن الطفل مش مطلوب منه يفهم دوافع الكبار، ولا يكتشف أسرارهم، ولا يواجه خطرًا أكبر من قدرته.
كل اللي مطلوب منه إنه يعرف إن من حقه يكون آمنًا، وإن طلب المساعدة مش خېانة لأي حد.
وبالنسبة للأم، كانت بداية حياة جديدة تمامًا.
حياة لازم تبني فيها الأمان من جديد، وتحمي بنتها من آثار التجربة، وتفهم إن الثقة مش معناها تجاهل الخطړ، وإن الحب الحقيقي ما ينفعش يكون سببًا في الأڈى.
أما البنت، فكانت بطلة الحكاية من غير ما تقصد.
ما كانش معاها دليل، ولا كانت فاهمة معنى التحقيقات، ولا عرفت إن مكالمة قصيرة ممكن تكشف خطة معقدة.
كان معاها تليفون، وصوت ضعيف، وشجاعة أكبر من سنها.
وفي اللحظة اللي كانت فيها خاېفة ومش قادرة تمشي، اختارت إنها تتكلم بدل ما تفضل ساكتة.
وده كان الفارق بين نهاية مأساوية، وفرصة حقيقية ليها ولمامتها إنهم ينجوا ويبدأوا من جديد.
وفي النهاية، الحقيقة اللي كشفتها القضية كانت موجعة مش كل خطړ بييجي من شخص غريب، ومش كل شخص المفروض يحميك بيكون فعلًا أهل للثقة.
لكن فيه حقيقة تانية أهم
حتى لو كنت صغير، وحتى لو كنت خاېف، وحتى لو الشخص اللي بيأذيك هو أقرب الناس ليك، فده مش معناه إنك لازم تسكت.
طلب المساعدة مش عيب، ومش ذنب، ومش خېانة.
أحيانًا، مكالمة واحدة، بصوت طفل بيرتعش من الخۏف، بتكون كفاية عشان تنقذ حياة إنسان، وتكشف حقيقة كان ممكن تفضل مستخبية لولا شجاعة اللحظة دي.
والسؤال اللي هيفضل مع كل شخص قرأ الحكاية إزاي طفلة عندها تمان سنين قدرت تطلب النجدة رغم خۏفها، بينما الشخص اللي كان المفروض يكون مصدر أمانها هو اللي انتهى بيه الأمر متهمًا بتعريض حياتها وحياة أمها للخطړ؟
يمكن مفيش إجابة سهلة عن السؤال ده.
لكن فيه درس ما ينفعش ننساه أبدًا الأطفال يستحقوا الأمان، وصوتهم لازم يتسمع، وأي علامة خطړ لازم تتاخد بجدية قبل ما يكون الوقت فات.

تم نسخ الرابط