بنت الدليفري

لمحة نيوز

واحدة عندها خبرة في التحليل المالي اضطرت تسيب مجالها وتشتغل في توصيل الطلبات؟
الإجابة كانت وراها حكاية محدش في المكتب يعرفها.
الفصل التاني الحكاية اللي محدش كان يعرفها عن مريم
خرجت مريم من ناطحة السحاب، وركبت الموتوسيكل الكهربائي الصغير اللي كانت بتستخدمه في توصيل الطلبات.
كان الجو حر، والشوارع زحمة، وموبايلها بيهتز كل شوية بإشعارات الطلبات الجديدة.
بصت على الشاشة، ولقت رسالة من المشرف بتاعها
مريم، إنتِ اتأخرتي في الطلب اللي فات. العميل اشتكى، وعايز أعرف سبب التأخير.
تنهدت، وكتبت له إنها وصلت في معادها، لكن الأمن عطّلها في المبنى.
وبعدها حطت الموبايل في مكانه، وبدأت تتحرك.
بالنسبة لأي حد شافها خارجة من مكتب الملياردير، كان ممكن يتخيل إنها رايحة تبدأ حياة جديدة في شركة كبيرة، أو إنها هتستغل الفرصة عشان تحصل على وظيفة أحسن.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من سنتين، كانت مريم واحدة من أنجح الموظفات في شركة استشارات مالية معروفة. كانت عندها قدرة غريبة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة اللي غيرها بيعديها من غير ما يركز.
كانت تقدر تبص على عشرات الصفحات من الأرقام، وتكتشف إن فيه معاملة واحدة مش ماشية مع الباقي.
مديرها القديم كان بيقول لها دايمًا
إنتِ عندك عين محاسب شاطر، وعقل محقق جنائي! لو فضلتي بنفس المستوى ده، هتبقي من أهم الناس في المجال.
وكانت مريم بتحلم تكمل دراستها، وتحصل على شهادات مهنية أعلى، وتفتح مكتب استشارات خاص بيها في يوم من الأيام.
لكن الحياة أحيانًا بتاخد مننا حاجات من غير ما تستأذن.
والدها توفى فجأة بعد أزمة صحية، وساب وراه ديون متراكمة نتيجة مشروع صغير فشل فيه.
وفي نفس الفترة، اكتشفت مريم إن والدتها محتاجة علاج مستمر ومتابعة طبية، وإن مصاريف البيت أكبر بكتير من مرتبها.
حاولت توازن بين شغلها ومسؤولياتها، لكنها بدأت تتعرض لضغط شديد.
وبعدها حصلت المشكلة اللي غيّرت حياتها.
كانت مريم ضمن فريق مراجعة حسابات شركة تابعة لمجموعة المنشاوي. خلال شغلها، لاحظت إن فيه مبالغ بتخرج من الشركة تحت بند خدمات استشارية، وبتروح لشركة وسيطة اسمها الرواد للخدمات التجارية.
في البداية، افتكرت إن الموضوع مجرد خطأ إداري.
لكن لما راجعت الفواتير، اكتشفت إن بعض الخدمات المكتوبة فيها مالهاش أي مستندات تثبت إنها اتنفذت فعلًا.
والأغرب إن التحويلات كانت بتتكرر بمبالغ قريبة من بعضها، وكل مرة كانت بتتسجل بطريقة مختلفة عشان يصعب تتبعها.
مريم جمعت ملاحظاتها، وكتبت تقريرًا مفصلًا، وقدّمته لمدير فريق المراجعة.
بعدها بأيام، اتطلب منها اجتماع مع شريف، المدير المالي لمجموعة المنشاوي.
كان الاجتماع غريبًا من البداية.
شريف ما سألهاش عن تفاصيل الأرقام، ولا طلب منها تشرح طريقة المراجعة.
كل اللي قاله كان
إنتِ متأكدة إنك عايزة تكملي في الموضوع ده؟
ردت مريم بثقة
طبعًا. دي وظيفتي، ولازم أوصل للحقيقة.
ابتسم شريف ابتسامة باردة.
الحقيقة مش دايمًا بتكون بالشكل اللي إنتِ متخيلاه. ساعات فيه اتفاقات إدارية مش كل الموظفين بيكونوا على علم بيها.
مريم ردت
لو فيه اتفاق رسمي، ممكن أشوف مستنداته وأراجعها. لكن الأرقام دي مش متوافقة مع الفواتير.
ساعتها، اتغيرت ملامحه.
وقال لها بوضوح
أنا بنصحك تنسي الموضوع ده.
لكنها رفضت.
وبعدها بأسبوع، اتفاجئت باستدعائها لاجتماع داخلي، واتقال لها إن فيه أخطاء في مراجعتها، وإنها خالفت إجراءات العمل.
طلبت تشوف الأدلة، لكن كل مرة كانت بتطلب فيها مستندات، كانت تلاقي ردودًا متناقضة.
وفي النهاية، اتوقف التعامل مع شركتها في الملف، واتشالت من الفريق.
ما اكتفوش بكده.
بعد فترة، انتشرت ملاحظات سلبية عن أدائها المهني بين بعض الشركات اللي كانت بتتقدم لها. ماكانش عندها دليل يثبت مين اللي نشرها، لكنها بدأت تلاحظ إن مقابلات العمل بتخلص فجأة بعد ما أصحاب الشركات يتواصلوا مع جهات عملها السابقة.
حاولت تقاوم.
قدمت في شركات تانية، واشتغلت لفترة قصيرة بعقود مؤقتة، لكن الفرص كانت بتقل.
وفي نفس الوقت، كانت والدتها محتاجة مصاريف العلاج، والإيجار متراكم، والديون اللي سابها والدها ما اختفتش.
لما صاحبتها نصحتها تشتغل في توصيل الطلبات مؤقتًا، مريم ما رفضتش.
قالت لنفسها إن أي شغل شريف أفضل من إنها تمد إيدها لحد.
وهكذا، بدأت تلف الشوارع كل يوم، وتوصل الأكل للناس، وتستحمل نظرات البعض وتعليقاتهم.
كانت بتشوف ناس بتعاملها باحترام، وناس بتكلمها كأنها مش إنسانة.
لكنها ما كانتش بترد.
لأنها كانت بتفتكر نصيحة والدها
يا بنتي، قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه، لكن في الحاجة اللي مستعد يعملها لما محدش بيبص له.
والنهارده، وهي بتفتكر الكلام ده، مريم ما كانتش تعرف إن اللقاء اللي حصل بينها وبين فؤاد المنشاوي هيكون بداية تغيير كبير في حياتها.
في نفس الوقت، داخل المكتب، كان فؤاد قاعد قدام شريف.
التقرير مفتوح بينهم، وعلى شاشة الكمبيوتر ظهرت بعض التحويلات اللي مريم أشارت إليها.
فؤاد كان بيقلب الصفحات بسرعة، وكل ما يقرأ سطرًا، ملامحه كانت بتزداد صرامة.
إنت قلت لي وقتها إن المشكلة مجرد أخطاء محاسبية بسيطة.
شريف حاول يحافظ على هدوئه.
وده اللي كان واضح من المعلومات المتاحة وقتها يا فندم.
طب ليه التقرير مش موجود في الأرشيف؟
ممكن يكون اتنقل مع ملفات تانية.
ومين اللي نقله؟
شريف سكت.
فؤاد رفع عينيه.
أنا بسألك!
مش فاكر بالتحديد.
فؤاد قفل الملف پعنف.
إنت مش فاكر تقرير مالي مهم اختفى من أرشيف شركتي، ومش فاكر مين كان مسؤول عنه، ومش فاكر ليه موظفة اتشالت من الملف بعد ما قدمت ملاحظات؟!
شريف بدأ يفقد تماسكه.
يا فندم، إحنا لازم نكون منطقيين. البنت دي ممكن تكون بتحاول ټنتقم بسبب اللي حصل لها زمان.
فؤاد رد بسرعة
ممكن. وعشان كده مش هاعتمد
على كلامها لوحده. لكن برضه مش هاعتمد على كلامك لوحده.
ثم ضغط على زر الاتصال الداخلي.
عايز رئيس المراجعة الداخلية في مكتبي حالًا. وعايز كل سجلات التحويلات المتعلقة بشركة الرواد خلال آخر خمس سنين.
شريف اتوتر.
خمس سنين؟! ده هيحتاج وقت طويل.
فؤاد بص له نظرة حادة.
يبقى ابدأوا من دلوقتي.
وبعدها أضاف
ولحد ما المراجعة تخلص، مش عايز أي حد يغيّر أو ينقل أي مستند متعلق بالموضوع ده.
شريف هز راسه، لكنه كان بيفكر في حاجة تانية تمامًا.
كان لازم يتصرف بسرعة.
لأنه ماكانش خاېف من التقرير القديم بس، لكنه كان خاېف من حاجة أخطر بكتير التحويلات الجديدة اللي مريم اكتشفتها.
ولو التحقيق وصل للأسماء الموجودة في المستندات، مش هيكون فيه حد قادر يحميه.
الفصل التالت محاولة إسكات الحقيقة
في اليوم التالي، مريم كانت بتستعد تخرج لشغلها، لما موبايلها رن برقم غير مسجل.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت رجل بيتكلم بنبرة رسمية.
أستاذة مريم؟ أنا بتصل بحضرتك من مكتب الأستاذ فؤاد المنشاوي. هو عايز يقابلك النهارده بخصوص الموضوع اللي اتكلمتوا فيه امبارح.
مريم سكتت لحظة.
أنا قلت كل اللي عندي.
هو محتاج يسألك عن بعض التفاصيل المتعلقة بالتقرير القديم، وممكن تكون فيه فرصة لتوضيح بعض الأمور اللي حصلت في الماضي.
مريم بصت لوالدتها، اللي كانت قاعدة في الصالة بتراجع مواعيد أدويتها.
وبعدين ردت
أنا موافقة أقابله، لكن عايزة أوضح حاجة من البداية. أنا مش راجعة أشتغل عند حد لمجرد إنهم افتكروا فجأة إن عندي خبرة. ولو فيه تحقيق، لازم يكون رسمي وواضح.
الرجل رد
هننقل كلام حضرتك للأستاذ فؤاد.
بعد ما قفلت، والدتها سألتها
مين يا مريم؟
ناس من الشركة اللي كنت بشتغل على حساباتها زمان.
والدتها بصت لها بقلق.
هو الموضوع القديم رجع تاني؟
مريم حاولت تطمنها.
لسه ما نعرفش يا ماما. بس المرة دي، مش هسمح لحد يلبسني غلطة ماعملتهاش.
والدتها مسكت إيدها.
أنا مش خاېفة عليكي من الفقر يا بنتي. أنا خاېفة إن الناس تتعب قلبك لحد ما تنسي إنتِ مين.
مريم ابتسمت رغم القلق.
اطمني. أنا لسه فاكرة.
لكن في اللحظة دي، ماكانتش تعرف إن فيه حد بالفعل بدأ يحاول يضغط عليها.
بعد أقل من ساعة، وصلتها رسالة من رقم مجهول
خليكي في شغلك أحسن لك. اللي فات انتهى، ومش من مصلحتك تفتحيه تاني.
مريم قرأت الرسالة مرتين.
وبدل ما تمسحها، احتفظت بيها.
وبعدها بعتت صورة منها لصاحبتها القديمة ندى، اللي كانت شغالة في مجال المحاسبة ولسه على تواصل معاها.
كتبت لها
فاكرة لما قلتلك إن فيه حاجة غلط في الملف القديم؟ الموضوع رجع تاني، وفيه حد بيحاول يخوفني.
ندى ردت بسرعة
ما تروحيش أي مقابلة لوحدك من غير ما تحتفظي بكل المراسلات. وأي مستندات عندك، ما تسلميهاش لحد من غير إثبات رسمي.
مريم وافقتها، وقررت إنها هتتعامل مع الموضوع بعقل، مش بانفعال.
في اليوم نفسه، راحت إلى مقر مجموعة المنشاوي، لكن المرة دي دخلت من البوابة الرئيسية بصفتها ضيفة مسجلة، مش مندوبة توصيل.
كانت لابسة بدلة بسيطة أنيقة، وحاملة ملفها.
ولما دخلت مكتب فؤاد، لقت ثلاثة أشخاص قاعدين معاه رئيس المراجعة الداخلية، المستشار القانوني للشركة، وشخص من إدارة الموارد البشرية.
فؤاد قام من مكانه.
أهلًا يا أستاذة مريم. اتفضلي.
المرة دي، ما قالش يا بنت الدليفري، ولا بص على هدومها.
أشار للكرسي، واستناها تقعد قبل ما يبدأ الكلام.
أنا عايز أعتذر عن الطريقة اللي اتعاملت بيها معاكي امبارح.
مريم بصت له بهدوء.
أنا بقدّر الاعتذار يا فندم، لكن اللي حصل مش مجرد سوء تفاهم. حضرتك حكمت عليّ من شغلي وهدومي، وقلت كلام مهين من غير ما تعرفني.
فؤاد هز راسه.
عندك حق. ومش هحاول أبرر اللي قلته.
وبعدين كمل
لكن أنا محتاج مساعدتك في فهم التقرير القديم. مش بطلب
تم نسخ الرابط