بنت الدليفري

لمحة نيوز

منك تتهمي حد، ولا أطلب منك تصدقي كلامي. أنا عايز نعرف الحقيقة من المستندات.
مريم فتحت ملفها.
موافقه. بس عندي شروط.
المستشار القانوني رفع عينيه باهتمام، بينما فؤاد قال
اتفضلي.
أولًا، أي مستندات هراجعها تكون من خلال إجراءات رسمية، وكل نسخة أطلع عليها يكون معروف مصدرها. ثانيًا، محدش يتواصل معايا بخصوص القضية خارج القنوات الرسمية. ثالثًا، مش عايزة اسمي يتستخدم في أي بيان أو كلام إعلامي قبل ما التحقيق يخلص.
رئيس المراجعة الداخلية ابتسم باحترام.
دي طلبات منطقية.
فؤاد وافق من غير تردد.
اتفقنا.
ثم سألها
إنتِ عندك نسخة من التقرير الأصلي؟
عندي ملاحظات كتبتها وقت المراجعة، ونسخة من الجزء اللي كان مسموح لي أحتفظ بيه ضمن أوراق عملي. لكن ماعنديش مستندات داخلية مسروقة، ولا دخلت على أي نظام بعد ما سبت الشركة.
المستشار القانوني دوّن كلامها.
مهم جدًا إننا نثبت مصدر كل مستند.
مريم أخرجت دفترًا قديمًا، وقدمت بعض الصفحات اللي فيها ملاحظاتها المكتوبة بخط إيدها، مع تواريخ المراجعة وأرقام المعاملات.
رئيس المراجعة بدأ يقارنها بالسجلات المتاحة.
بعد نصف ساعة، رفع رأسه وقال
فيه تطابق مبدئي بين بعض الأرقام اللي هنا وبين التحويلات اللي ظهرت في النظام المالي.
فؤاد بص له بحدة.
يعني كلامها صحيح؟
الرجل رد بحذر
يعني إن فيه مؤشرات تستحق التحقيق. ما نقدرش نحدد المسؤولية قبل مراجعة المستندات كاملة.
مريم هزت راسها.
وده بالظبط اللي كنت بقوله من البداية.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، دخل موظف من قسم تكنولوجيا المعلومات ومعاه تقرير مطبوع.
همس في أذن رئيس المراجعة الداخلية.
الرجل قرأ التقرير، وملامحه اتغيرت.
فؤاد لاحظ.
فيه إيه؟
الموظف اتردد، ثم قال
إحنا راجعنا سجل الوصول للملفات القديمة. وفيه محاولة حديثة لحذف مجموعة من المستندات المتعلقة بشركة الرواد من الأرشيف الإلكتروني.
سكت الجميع.
وبعدين سأل فؤاد
إمتى حصل ده؟
امبارح بالليل، بعد الساعة تسعة.
فؤاد بص ناحية شريف، اللي ماكانش حاضر الاجتماع، ثم رجع للموظف.
والحذف تم؟
لأ يا فندم. نظام الحماية احتفظ بنسخة احتياطية، وتم تسجيل محاولة الحذف.
مريم اتكلمت لأول مرة من بداية الخبر.
يبقى لازم نراجع سجل الصلاحيات، ونعرف الحساب اللي حاول يحذف الملفات، وهل كان فيه حد استخدم حساب شخص تاني.
رئيس المراجعة أومأ.
ده اللي هنعمله.
أما فؤاد، فكان بيفكر في سؤال واحد
مين اللي كان مستعد يمسح أدلة من شركته بعد كل السنين دي، لمجرد إن بنت كانت بتوصل الغدا دخلت مكتبه وطلبت منه يقرأ ورقة؟!
الفصل الرابع لما الفقير رفض يبيع كرامته
مرّت أيام، والتحقيق الداخلي بدأ يكشف عن تفاصيل جديدة.
مريم كانت بتروح مقر الشركة كل يومين، تساعد فريق المراجعة في فهم طريقة تسجيل المعاملات القديمة، وتوضح لهم الملاحظات اللي كانت كتبتها من سنتين.
لكنها ما سابتش شغل الدليفري.
كانت تخلص مراجعتها، وترجع تلبس جاكيت التوصيل، وتكمل طلباتها.
وفي يوم، فؤاد شافها خارجة من المبنى وهي بتراجع عنوان عميل على موبايلها.
نزل من مكتبه بنفسه، ووقف جنبها.
إنتِ لسه بتشتغلي في التوصيل؟
مريم رفعت عينيها.
أيوه يا فندم.
مع إنك بتساعدينا في مراجعة ملفات مالية بملايين؟
أنا بساعد في التحقيق، وده شيء مختلف. لكن لحد دلوقتي، أنا مش موظفة عند حضرتك، وعندي التزامات لازم أوفي بيها.
فؤاد سكت لحظة، ثم قال
أنا عايز أعرض عليكي وظيفة في المجموعة. منصب مناسب لخبرتك، ومرتب محترم.
مريم ما ردتش بسرعة.
كانت دي فرصة لو جات لها من سنتين، كانت ممكن تغيّر حياتها كلها.
لكنها دلوقتي ماكانتش عايزة تقبل لمجرد إن الرجل بقى شايف قيمتها بعد ما اكتشف إنها مفيدة له.
قالت
أنا بشكرك، لكن مش هقدر أوافق دلوقتي.
فؤاد اتفاجئ.
ليه؟ المرتب مش مناسب؟
الموضوع مش مرتب يا فندم. أنا محتاجة أعرف إن الشركة مستعدة تحاسب أي حد غلط، حتى لو كان من أقرب
الناس لحضرتك. ومحتاجة أعرف إن الوظيفة هتكون مبنية على خبرتي، مش على إن حضرتك حاسس بالذنب بسبب اللي حصل امبارح.
فؤاد بص لها طويلًا.
وبعدين قال
إنتِ عندك حق.
كانت الإجابة غير متوقعة حتى بالنسبة لمريم.
أضاف فؤاد
أنا مش هطلب منك تقبلي أي حاجة دلوقتي. خلينا نخلص التحقيق الأول، وبعدها لو حبيتي نتكلم في فرصة عمل، يبقى الكلام رسمي وواضح.
مريم ابتسمت ابتسامة بسيطة.
ده أفضل.
وقبل ما تمشي، فؤاد قال لها
وفي حاجة تانية. أنا سألت عن ظروفك، وعرفت إنك كنتِ بتشتغلي في مجال التحليل المالي قبل ما تسيبيه.
ملامح مريم اتشدت.
أنا ما طلبتش من حد يبحث في حياتي الشخصية.
فؤاد رد بسرعة
معاكي حق. أنا سألت عن تاريخك المهني عشان أفهم إزاي موظفة بخبرتك وصلت للمرحلة دي. لكن ماكانش من حقي أتدخل في ظروفك الخاصة.
مريم هدت شوية، وقالت
أنا مش محتاجة حد يشفق عليّ. كل اللي محتاجاه فرصة عادلة.
فؤاد هز راسه.
وده حقك.
في اللحظة دي، وصل إشعار على موبايل مريم.
كان من مشرف التوصيل.
مريم، فيه عميل اشتكى إنك اتأخرتي في طلبه. لازم تيجي المكتب بكرة عشان نراجع الموضوع.
مريم تنهدت.
فؤاد لاحظ تعبير وشها.
فيه مشكلة؟
مجرد شكوى عميل.
ممكن أساعدك؟
مريم ابتسمت، لكن المرة دي كانت ابتسامتها فيها شيء من الحزم.
لأ يا فندم. أنا هحلها بنفسي. مش كل مشكلة في حياتي محتاجة ملياردير يتدخل فيها.
فؤاد ضحك لأول مرة ضحكة حقيقية.
واضح إنك مش هتسيبيني أنسى اللي حصل بسهولة.
مريم ردت
أنا مش هدفي أخليك تفتكر الإهانة. هدفي إنك ما تكررش نفس الغلطة مع حد تاني.
وبعدها ركبت موتوسيكلها ومشيت.
فؤاد فضل واقف مكانه، يتابعها وهي بتبعد.
ولأول مرة، بدأ يفهم إن احترام الناس مش معناه إنك تكتشف إنهم أذكى مما توقعت.
الاحترام الحقيقي إنك ما تفترضش أصلًا إنك أعلى من أي حد.
لكن التحقيق كان لسه في بدايته.
وفي نفس الليلة، وصل لرئيس المراجعة الداخلية تقرير جديد كشف عن اسم الحساب اللي حاول يحذف المستندات.
وكان الحساب مسجلًا باسم موظف في الإدارة المالية.
موظف اسمه شريف.
الفصل الخامس السر اللي كشفه شريف بنفسه
تاني يوم الصبح، فؤاد طلب اجتماع طارئ مع الإدارة القانونية والمراجعة الداخلية.
شريف دخل المكتب وهو بيحاول يبان طبيعي، لكن أول ما شاف الوجوه الجادة حوالي الطاولة، فهم إن الموضوع خرج من إيده.
فؤاد أشار له يقعد.
إحنا راجعنا سجل النظام الإلكتروني، ولقينا محاولة لحذف مستندات من الأرشيف.
شريف رد بسرعة
أنا ماعرفش حاجة عن الموضوع ده.
رئيس المراجعة الداخلية فتح التقرير قدامه.
المحاولة تمت باستخدام حسابك الوظيفي.
شريف اتلخبط.
ده مستحيل! ممكن حد يكون استخدم الحساب من غير علمي.
المستشار القانوني تدخل
عشان كده بنراجع سجل الدخول والأجهزة المستخدمة. لحد دلوقتي، ما بنوجهش اتهام نهائي لأي شخص.
فؤاد كان ساكت، بيراقب شريف.
وبعدين سأله
إنت قلت لي من سنتين إن مريم أخطأت في المراجعة. هل عندك دليل على كلامك؟
شريف اتردد.
التقييم كان موجود وقتها.
فين؟
في ملفات الموارد البشرية.
رئيس المراجعة رد
راجعنا الملف. فيه مذكرة بتتهم مريم بالإهمال، لكن من غير مستندات تفصيلية تثبت الأخطاء المذكورة.
فؤاد حط إيده على المكتب.
يعني موظفة قدمت تقريرًا عن معاملات مشپوهة، وبعدها اتشالت من الملف، واتكتب عنها تقييم سلبي من غير أدلة كافية، والتقرير نفسه اختفى، ودلوقتي فيه محاولة لحذف النسخ الاحتياطية. إنت عايزني أصدق إن كل ده مجرد مصادفات؟
شريف رفع صوته
أنا كنت بحمي الشركة! البنت دي كانت هتعمل أزمة كبيرة، وإحنا كنا محتاجين نمنع الشائعات.
مريم، اللي كانت موجودة كشاهد فني في الاجتماع، رفعت رأسها.
تحمي الشركة من إيه؟ من اكتشاف مخالفات مالية؟ ولا من إن حد يسأل مين المستفيد منها؟
شريف بص لها پغضب.
إنتِ السبب في كل اللي بيحصل ده! لو كنتِ سكتّي من سنتين، ماكنّاش وصلنا للمرحلة دي!
مريم ردت بثبات
أنا قدمت ملاحظات مهنية، واتبعت إجراءات العمل. لو كانت الأرقام سليمة، كان ممكن تردوا على التقرير بالمستندات، بدل ما تتهموني وتنهوا عملي.
فؤاد رفع إيده عشان يمنع الجدال.
كفاية. من اللحظة دي، التحقيق هيتحول لجهة مستقلة، وكل السجلات هتتراجع بمعرفة مختصين من خارج المجموعة. محدش هيتحكم في الأدلة، ومحدش هيتعاقب لمجرد الشك.
وبعدين بص لشريف.
ولحد ما نعرف الحقيقة، صلاحياتك على الملفات المالية هتتوقف مؤقتًا، وفق الإجراءات القانونية والإدارية.
شريف قام من مكانه بعصبية.
إنت بتصدق بنت كانت بتوصل لك الأكل، وبتشك في مدير مالي خدمك أكتر من عشرين سنة؟!
فؤاد رد بهدوء غير معتاد
أنا مش بصدق حد عشان منصبه، ولا بكذّب حد عشان شغله. أنا هصدق الأدلة.
خرج شريف من الاجتماع غاضبًا.
لكن قبل ما الباب يتقفل، الټفت ناحية مريم وقال بصوت منخفض
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ الموضوع لسه ما خلصش.
مريم ما ردتش.
لكنها فهمت إن الرجل مش هيستسلم بسهولة.
الفصل السادس المواجهة الأخيرة
بعد أسابيع من التحقيق، بدأت الحقيقة تظهر بالتدريج.
المراجعون المستقلون اكتشفوا إن فيه تحويلات مالية اتنفذت من خلال الشركة الوسيطة على مدار فترة طويلة، وإن بعض الفواتير ماكانش ليها مستندات كافية تثبت الخدمات المذكورة فيها.
كما ظهرت رسائل داخلية بتوضح إن ملاحظات مريم القديمة وصلت بالفعل إلى الإدارة المالية، وإن بعض المسؤولين طلبوا تأجيل مراجعتها بدلًا من الرد عليها بشكل رسمي.
أما محاولة حذف الملفات، فقد كشفت مراجعة السجلات إنها تمت باستخدام حساب شريف، لكن المحققين ما اكتفوش بالاسم المسجل؛ راجعوا الأجهزة، وسجلات الدخول، والمراسلات المرتبطة بالمعاملات.
وبعد مراجعة مطولة، ظهرت أدلة تدعم الاشتباه في تورط شريف في تمرير بعض المعاملات المخالفة ومحاولة إخفاء آثارها.
الملف اتحول للجهات المختصة، والشركة بدأت الإجراءات القانونية اللازمة.
فؤاد كان يقدر يحاول يحمي
تم نسخ الرابط