عزومة حماتي

لمحة نيوز

كنسلت سفرية صغيرة كنت طلعاها مع أبويا عشان ظروفنا المادية وحجة إحنا لازم نحوش. وجوزي كان قاعد بيدي الفلوس لست معندهاش أي حجة، دي عندها شقة ملك، ومعاش، وحتى قطعة أرض مصايف!
وبعدها بساعة، ظهر شريف قدام بوابة بيت أبويا. كان نازل وماسك كيسين سوبرماركت كبار مليانين على آخرهم. كان باين إنه نزل اشترى جبن، لانشون، خضار، حاجات ساقعة، ونسكافيه بكرشته وفيزا الشغل بتاعته. كان فاكر إنه هيقدر يجي، يحط الأكل ده كله على الترابيزة، ويجبرني أعتذر له.
فتحت البوابة.
أنا جيت، وجيبت أكل يكفي الكل قالها بثقة قولي لأبوكي بقى إننا لازم نقعد ونتكلم.
بصيت له بجدية وثبات.
مش هتدخل هنا عشان تهني تاني يا شريف.
يا مريهان، بلاش مبالغة وأڤورة.
امشي من هنا يا شريف.
ورحت زاقّة البوابة الحديدية التقيلة وقافلاها في وشه.
بس بعدها بثواني، أبويا جه عندي، حط إيده على كتفي، وقال لي جملة غيرت تماماً كل اللي كنت بفكر أعمله في جوازي المنيل ده..
الجزء الثالث
يا بنتي، ماتخلطش بين إنك تضع حدود وبين إنك تقفل البيبان في وش الناس كله قالها أبويا وهو باصص على البوابة اللي وراها شريف لسه واقف يستنى. لو عايزة تنهي جوازك، اعملي كدة عشان مفيش حب ولا احترام أصلاً. لكن لو لسه عايزة تعرفي إذا كان الراجل ده ممكن يتصلح ويتغير، لازم تسمعيه الأول.
فضلت باصة لعم سيد مستغربة.
يا بابا، ده بقاله سنين بيستغلني.
أنا عارف يا مريهان، وشايف ده كل مرة بتيجي هنا شايلة هم الفلوس. بس أنا ما أقدرش أخد القرار ده عنك.
وبعدين كمل كلامه وقال
حاجة واحدة بس.. في بيتي أنا، مافيش مخلوق يقدر يقلل من أدبك تاني.
الكلام ده طمّن قلبي بطريقة مكنستش حسيتها من زمان جداً.
رجعت فتحت البوابة تاني.
شريف كان لسه واقف برة، وماسك أكياس السوبرماركت في إيده. قميصه كان مكرمش ووشه متبهدل ومشطشط.
خلاص النوبة خلصت وبطلتِ بتمثلي العند؟ سألني بتريقة.
كنت خلاص هقفل البوابة في وشه تاني.
بس أبويا ظهر ورايا على طول.
أهلاً يا شريف. اتفضل ادخل، بس هنا مافيش حد بيعلي صوته على بنتي.
جوزي وطى راسه في الأرض.
يا عم سيد، أنا كل الحكاية كنت عايز أصلح الأمور.
طب إذن، ابدأ كلامك بأدب وباحترام.
دخلنا جوه الجنينة.
ريحة اللحمة وهي بتتشوي على الفحم كانت مالية المكان كله. أبويا كان مجهز ترابيزة بسيطة عليها عيش بلدي طازة، طماطم مقطعة، جرجير، وبصل مشوي.
شريف حط الأكياس جنب الكرسي.
أنا اشتريت الحاجات دي عشان نتشارك فيها كلنا قالها وهو بيحاول يبتسم تمنها جه حوالي ألفين جنيه.
بصيت له ببرود.
عايزني أقف أصفق لك؟
يا مريهان، لو سمحتِ.
لما أنا بصرف ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين جنيه في لحمة، بتقول دي فلوس البيت والاتنين. ولما إنت بتشتري أكل بألفين جنيه، بتفطّننا كويس أوي إنهم خرجوا من جيبك إنت!
ما ردش.
أبويا حط تلات كوبايات مية ساقعة على الترابيزة.
اقعدوا. واضح إن في كلام كتير قوي متخزن بينكم من زمان وما اتقالش.
شريف قعد مكانه.
وأنا فضلت واقفه مكاني.
أول حاجة عاوز أعرفها قلت بصوت ثابت من إمتى وبتدي أمك أربعة آلاف جنيه كل شهر؟
جوزي حط إيده على شعره بتوتر.
من حوالي عشر شهور
كدة.
حست بۏجع شديد في بطني.
عشر شهور.
يعني حوالي أربعين ألف جنيه!
في الوقت اللي كنت أنا بفتش فيه في كل عرض وسوبرماركت عشان مصاريف البيت تكفينا، كان هو بيدّي المبلغ ده كله من ورايا وبدون ما ينطق حرف واحد!
ليه خبيت عليّ؟
عشان كنت عارف إنك هتتعصبي وتعملي مشكلة.
لا يا شريف، اللي كان هيعصبني بجد هو كدبك عليّ! لو أمك محتاجة مساعدة بجد، كنا قعدنا واتكلمنا مع بعض.
فضل يحرك الكوبايه بين إيديه بتوتر عصبى.
قالت لي إنها محتاجة تعمل شوية تصليحات في البيت..
زي إيه؟
السقف، الدهان، شوية حاجات في الجنينة..
وبعد عشر شهور كاملة، لسه لحد دلوقتي محتاجة الأربعة آلاف جنيه؟!
شريف ما ردش بكلمة.
افتكرت ساعتها الصور اللي حماتي كانت منزلاها على صفحتها قريب.
التراس بتاع بيتها المتجدد والموضة.
العفش الجديد بتاع الجنينة.
النافورة الديكور اللي قعدت تتباهى بيها أسابيع.
أنا معنديش أي مانع إن أي ست ترفّه عن نفسها وتصرف براحتها، بس اللي وجعني بجد هو إن البهرجة دي كانت معمولة بفلوسنا وبحرماني أنا من أبسط حقوقي واحتياجاتي.
عارف أنا بدفع كام في إيجار الشقة كل شهر؟ سألته.
زي تسع آلاف جنيه.
تسعة آلاف وميتين. ده غير ألف وتسعمائة فواتير، وحوالي ستة آلاف جنيه مصاريف البيت والطلبات. يعني إحنا محتاجين سبعتاشر ألف ومېت جنيه كل شهر، ده غير الظروف والطارئ!
شريف فضل قاعد وساكت تماماً.
وطيب، إنت شاركت بكام في الشهور اللي فاتت دي كلها؟
أنا كنت بجيب حاجات للبيت.
زي إيه؟
بنزين عربيتي، وشوية خروج وعشوات برة..
بنزين عربيتك اللي بتفسح بيها نفسك، والعشوات اللي بتعزمني عليها عشان بعد كدة تمنها يطلع في عيني!
صوتي كان بيترعش من كتر القهر.
يا شريف، أنا عمر ما كان طماعي أطلب منك تصرف عليّ ولا تشيلني. أنا كل اللي كنت عوزاه إننا نشيل المسؤولية مع بعض بجد وبأمانة.
أبويا قام ببطء من مكانه.
هروح أطمن على اللحمة على الفحم قالها بهدوء.
وقبل ما يبعد، بص لجوزي نظرة حادة
لما الراجل بيكون معاه فلوس عشان يتباهى بيها قدام الناس، بس مش قادر يوفي بالتزامات بيته، المشكلة مبتبقاش أبداً في هو بيقبض كام، المشكلة في هو شايف إيه هو المهم في حياته!
ولأول مرة، شريف ما حاولش يدافع عن نفسه.
فضل باصص في إيديه وفاتح بوقه ساكت.
وبعدين سأل بصوت واطي
وتفتكري المفروض أعمل إيه دلوقتي؟
السؤال ده فاجئني جداً.
طول التمان سنين اللي فاتوا، كنت دايماً أنا اللي بستنى هو يفهم لوحده، وكنت في الآخر ببلع السکينة وأعديها عشانه.
لو تعب، كنت أنزل أعمل الشغل بداله.
لو عنده أزمة في فلوسه، كنت أدفع الإيجار من مرتبي.
لو أمه أهانتني أو چرحتني، كنت أبلعها وأسكت عشان ما نعملش مشاكل.
وكل تنازل كنت بعمله، كان بيفسره على إنه تصريح رسمي يخليه يطلب مني أكتر وأكتر.
عايزك تبطل تعاملني كإن شغلي ده مجرد هواية أتسلى بيها رديت عليه بجدية وعايزك تفهم كويس إن أمك مالهاش أي حق تقلل مني أو تهني، وفي نفس الوقت بتستفيد بكل بجاحة من تعبي وشقايا.
شريف فتح بوقه عشان يرد، بس تليفونه رن بصوت عالي.
اسم أمه ظهر على الشاشة.
ما ردش.
التليفون رن تاني وتالت.
رد عليها قلت له بحسم.
بلاش دلوقتي.
رد عليها يا شريف، خلاص، جه الوقت اللي نتكلم فيه بوضوح والكل يسمع.
فتح الإسبيكر قدامنا كلنا.
ألو يا أمي؟
صوت حماتي طلع زعيق ونازل ترتيل
إنت فين لحد دلوقتي؟! الهانم مراتك دي عملت فيا ڤضيحة قدام الناس كلها وبقت مسخرة
الحارة! والست لطيفة الجارة عمالة تقول لكل الناس إن ابني حتى ما بيقدرش يشتري لحمة بيته العدلة!
شريف غمض عينيه بقوة.
يا أمي، اهدي لو سمحتِ.
مش ههدى أبداً! أنا عايزة مريهان دي تيجي هنا حالاَ تبوس على إيدي وتعتذر لي! وإياك يا ابن بطني تفكر تبطل تبعت لي الأربعة آلاف جنيه بتوع كل شهر عشان خيبتك وسكوتك عن الهانم دي!
حست بنغزة قهر شديدة جوه صدري.
أبويا طول عمره ما طلبش جنيه واحد من شريف.
بالعكس!
ده لما شريف قعد من الشغل تلات شهور كاملة، عم سيد هو اللي سلفنا اثناشر
تم نسخ الرابط