عزومة حماتي

لمحة نيوز

أصلاً، لأنه كان واثق إنه ماشي يسرق مجهود غيره عيني عينك.
حماتي ضغطت على شفايفها پغضب أعمى.
ستات الزمن ده بقوا قمة في قلة الأدب والعجرفة!
شريف وقف في نص الطرقة واتدخل بكل حزم
لا يا أمي.. مريهان ما غلطتش، وإنتي كمان لازم تعتذري.
لفت وشها ليه پصدمة وذهول
أنا؟! أعتذر على إني قلت إيه؟!
على إنك دايماً بتكذبي وتقولي للناس إن أنا اللي شايل البيت لوحدي، وإن مريهان دي طماعة وقاعدة عالة عليا ومبتعملش حاجة.
وش حماتي جاب ألوان الطيف من الصدمة
أنا كنت بتباهى بيك يا ابني وفرحانة بيك!
بس ده ما كانش حقيقي يا أمي.
يبقى خلاص، رايح تبيع أمك عشان تراضيلك هانم! إذن أكيد هتبطل تبعت لي الأربعة آلاف جنيه بتوعي!
شريف أخد نفس عميق وثابت
أنا مش هقدر أوعدك بمبلغ ثابت ومحدد ما اقدرش أوفيه.. أولويتي الأولى دلوقتي هي بيتي ومراتي.. لو في ظرف ضروري أو محتاجة علاج، كلميني وساعتها نتصرف سوا.
يا نهار أسود ومنيل! دي مراتك سحرت لك بجد وبقت هي اللي مسيطرة وممشياك على مزاجها!
واتجهت نحو الباب وهي بتولول وتزعق.
وقبل ما تفتح الباب وتخرج، شارت عليا بصداعها وقالت
من يوم ما ډخلتي عيلتنا والبيت خرب وبقى چحيم!
بصيت لها بهدوء تام وبدون أي انفعال
لا يا حاجة نعمات.. اللي بيتغير بجد هو إني بطلت أسكت لما حد يحاول يقلل مني ويخدمني بۏجع قلب.
خبطت الباب وراها بكل قوتها وهي ماشية.
شريف قعد على الكنفة وسكت مدة طويلة.
وبعدين قال بهمس
أعتقد أمي مش هتنطق معايا ولا هتكلمني شهور طويلة..
ممكن.. لحد ما تتعود إنك تقدر تحبها وتبرها من غير ما تكون ماشي تحت طوعها في الغلط.
بص لي وابتسم برضا.
عدت شهور.
وتدريجياً، شريف بدأ يتغير في تفاصيل صغيرة ومهمة.
بقى يدفع نصيبه في ميعاده وبكل التزام.
وبقى يجيب طلبات البيت من غير ما يفضل منشن ويمن عليا بكل جنيه.
وبقى يجي معايا دايمًا عند أبويا، ويساعده في إصلاحات البيت والحديقة.
طبعاً مجوازنا ما بقاش جنة ومثالي بنسبة مية في المية.
كانت بتحصل بينا خناقات ونقاشات عادية.
وكانت بتعدي أيام شريف يرجع فيها لعادته القديمة، وكنت أنا أفكرّه باتفاقنا من تاني.
بس الفرق المرة دي، إنه مبقاش يكتفي بمجرد الوعود الكذابة.
كان لازم يثبتها بأفعاله.
وبعد تلات شهور.. حماتي قررت تعمل عزومة لحمة تانية.
والمرة دي، عزمتنا أنا وهو.
شريف بص لي وسألني برأي
تحبي نروح؟
أيوة يا حبيبي.. بس هنروح باللي اتفقنا عليه، ولا زيادة ولا نقص.
رحنا ومعانا صينية سلطة نقال متبلة، عيش طازة، وطبق كبير مليان بصل صغير مشوي.
حماتي بصت لإيدينا باستنكار
أمال فين اللحمة؟
شريف ابتسم بهدوء
اللحمة إنتي
اللي هتعمليها يا أمي.. مش إنتي اللي عزمتينا وقلتي اللحمة عندي؟
حماتي فتحت بوقها ومصعوقة مش عارفة ترد تقول إيه.
الست خالة روزا، اللي كانت قاعدة جنب الشواية، ضحكت بصوت عالي
كويس والله إن المرة دي مفيش أسرار ولا عضم فراخ متلج في الكولمان!
الكل ضحك بصوت عالي.
حتى شريف ضحك من قلبه.
وأنا كمان ابتسمت.
مش لأني كنت عايزة أشمت في حد، بل لأني أخيراً بطلت أحس بالكسوف والخجل وأنا بدافع عن حقي وكرامتي.
في اليوم ده، حماتي ما حضنتنيش ولا اعتذرت لي..
بس في نفس الوقت، مبقاتش تفتح بوقها تاني وتقول إني قاعدة عالة على ابنها.
ولما إحدى الجارات سألت مين اللي عمل طبق السلطة والملحوسة اللذيذة دي، شريف قالها بكل فخر واعتزاز
مراتي يا خالتو.. دي شاطرة جداً في بيتها وفي شغلها وتنسيقها.
الجملة ممكن تبان عادية وبسيطة لأي حد..
بس بالنسبة لي، كانت تسوى الدنيا وما فيها.
لأني قعدت سنين طويلة أتمنى أسمع جوزي بيعترف بتعبي ومجهودي قدام أهله وناسه.
والمرة دي، عملها لوحده من غير ما أطلبها منه.
لحد النهاردة، لسه بفتكر قصة الخمس كيلو لحمة اللي كانت هتهد جوازنا وتدمره خالص.
في ناس ممكن تقول إني بالغت أوي لما غيرت محتوى الكولمان.
وناس تانية هتقول إني كنت لازم أسبه وأمشي من نفس اللحظة.
وأنا كل اللي أعرفه، إن نقاش سخيف وظاهره تافه، قدر يكشف لي عن مشكلة ضخمة كانت مدفونة ومستخبية سنين.
الموضوع مكنش تمنه 3750 جنيه.
ولا كان رقب وعضم الفراخ.
ولا حتى الأربعة آلاف جنيه بتوع حماتي.
الحقيقة المرة كانت إني اكتشفت إن جوزي اتعلم يثمن ويقدر اللي بيدفعه هو لوحده، ويعتبر أي مجهود وتعب مالي مني هو مجرد فرض وواجب مفروغ منه.
وده كان خط أحمر مينفعش أعديه.
أبويا قال لي كلمة في اليوم ده لسه محفورة في عقلي
يا بنتي، إياكِ في يوم تكسفي من مشاركة اللي في إيدك.. بس في نفس الوقت، ما تخليش حد يخلط بين طيبتك وحقك في إنك تحافظي على كرامتك وتمنعي حد يسرق تعبك.
وكان عنده حق تماماً.
لأن المشكلة الحقيقية مكنتش أبداً في إن شريف عايز ياخد لحمة لأمه..
المشكلة الحقيقية كانت إنه كان مستعد يخلي أبويا من غير اللحمة اللي اتفقنا عليها، ويقلل من شأن شغلي وتبييض وش قدام أهله بفلوس أنا شقيانة فيها.
ولما فهم الفرق ده كويس، قصتنا اتغيرت واتصلحت.
أحياناً، عشان عيلتك أو شريك حياتك يتعلموا يحترموك بجد، إنت مش محتاج تزعق وتعلى بصوتك.. يكفي بس إنك تبطل تسمح للناس التانية إنهم يحددوا تمن وقيمة تعبك وشقاك.
ولو لسه في حد شايف إني بالغت عشان شوية لحمة، أحب أسأله سؤال واحد بس
إنت كنت هتفعل إيه لو شريك حياتك خد حاجة إنت دافع تمنها من عرق جبينك، وراح بيها عزومة إنت أصلاً مش معزومة فيها، وبعدها قالك بكل برود تقبلي تاكلي البقايا والفضلات؟
النهاية

تم نسخ الرابط