حماتي رشت عيني بمطهر مسكني عشان مااهربش الجزء الاول حكايات مني السيد
إنه بيحبك.
فضلت باصة لبابا وعيني السليمة بتغيم من الدموع، والعين التانية الشاش الأبيض مغطيها والنبض فيها زي المسمار، الألم الجسدي كله اتلاشى فجأة قصاد الضړبة اللي نزلت على نفوخي.
عايز إيه يا بابا؟! انطق عشان خاطري، الورقة دي فيها إيه؟!
ماما قعدت على طرف السرير، مسكت إيدي المرتعشة وبدأت تقرأ بصوت واطي ومخڼوق، وكل كلمة كانت بتنزل عليا كأنها جمر ڼار
السيد المهندس عبد الرحمن الجوهري، رئيس مجلس إدارة ومؤسس مجموعة النور القابضة، والشريك التنفيذي لصندوق سييرا نور للاستثمار المالي. تحية طيبة وبعد، بناءً على الاتصالات السابقة والتعثرات المالية التي تواجهها مجموعة الشافعي للمنشآت السياحية والفندقية، ونظراً لوجود مديونيات مستحقة السداد للبنك في موعد أقصاه نهاية العام الجاري، نتشرف بطلب عقد جلسة عمل عاجلة لبحث تسوية الديون أو دخول صندوقكم كشريك ممول، ونحيط سيادتكم علماً بأننا على أتم الاستعداد لإتمام المصاهرة بين العائلتين كضمانة شخصية لجدية الشراكة وتأكيداً على حسن النوايا، وذلك وفق ما تم الترتيب له مع كريماتكم...
وقفت ماما عن القراية، والصوت في الأوضة اتقطع تماماً غير صوت جهاز المحاليل اللي كان بينقط ببطء، وأنا حاسة ببرودة تلج بتسري في شراييني.
مصاهرة؟! ضمانة شخصية؟! يعني إيه يا ماما؟ يعني هو كان عارف بابا من قبلي؟!
بابا بص للأرض، وبعدها رفع راسه، عينيه اللي طول عمرها فيها طمأنينة كانت شايلة كمية ڠضب عمري ما شفتها
محمود وأبوه، وأمه اللي سممت عينك دي، داخلين على إفلاس رسمي وحجز على كل ممتلكاتهم يا مريم. مجموعة الشافعي واخدة قروض بمليارات بضمان فنادق مرهونة أصلاً، والبنك رافع عليهم قضايا. لما الأبواب اتقفلت في وشهم، دوروا على الصندوق الوحيد اللي يقدر يسد القرض أو يشتري الفنادق دي كاستثمار وينقذهم من الحبس، وصندوق سييرا نور ده شركتي أنا وشركائي من سنين برة مصر، ومحدش يعرف علاقتي بيه هنا غير قليل جداً لأن الشغل كله بيمر بأسماء شركات تانية، والكل فاكرني راجل على المعاش ماليش في التجارة الكبيرة.
بلعت ريقي بصعوبة، صوتي طالع مشروخ
طب وأنا... أنا دخلت في القصة دي إزاي؟!
محمود اتعرف عليكي بالصدفة في البداية في معرض الآثار والترميم، في نفس الوقت اللي كان أبوه بيحاول يوصل لي فيه في الشركة. ولما محمود عرف اسم عيلتك بالكامل، ربط الاسم بيا... وراح أبوه باعت الخطاب ده لمكتبي. أنا وقتها رفضت الخطاب، ورفضت المقابلة، ورديت عليهم رسمي إن صندوق الاستثمار مش بيخلط البيزنس بالحياة الشخصية، وإن بنتي مش ورقة مساومة ولا صفقة هتتعمل عشان ننقذ سمعة عيلة ڼصابة.
شهقت وأنا بفتكر كل حاجة
ولما إنت رفضت يا بابا... ليه مجاش واجهني؟ ليه جه واتقدملي كأنه شاب مكافح وشاريني لشخصي؟!
بابا هز راسه بحسرة
عشان كان فاكرك ورقة الضغط الوحيدة اللي فضلت له! محمود اتقدم لك، وعمل نفسه الشاب العصامي الهادي اللي مش فارق معاه غيرك، وكان متأكد إنك هترفضي تقولي له أسرار شغلي، بس كان راسم على حاجة تانية خالص... كان متخيل إنك أول ما تدخلي بيتهم وتبقي مراته رسمي، عيلة الجوهري مش هترضى تفضح بنتها، وهنضطر وقتها نتدخل وندفع الملايين عشان نحمي سمعتك وسمعة جوزك ونسنده ڠصب عننا!
كلام بابا كان بيركب زي قطع البازل في دماغي... كل
كلمة، كل حركة، كل تفصيلة!
افتكرت لما كان بيلح عليا نسكن جنب مامته، ولما كان بيصر ياخدني في مناسبات عائلية مليانة ناس مهمة ويقدمني بفخر مبالغ فيه ويقول مريم كريمة الباشمهندس عبد الرحمن الجوهري وأنا كنت باخدها بحسن نية وفاكراه بيتباهى بيا!
افتكرت نظرات أمه ليا الصبح، والورقة اللي رمتها في وشي...
الورقة يا ماما! صړخت وأنا بحاول أقوم من على السرير الورقة اللي أميرة كانت عايزاني أمضي عليها قبل ما ترش عيني!
ماما حطت إيدها على كتفي تهّديني
اهدي يا حبيبتي، الدكتور قال متتحركيش، الورقة دي كان فيها إيه بالظبط؟
كانت بتقول إنها تنازل عن هدايا الفرح ومصاريف المشاكل العائلية... بس كان في بند غريب جداً في النص، قريت جملة بتقول وتُقر الطرف الثاني بتفويض الطرف الأول في إدارة أي أصول أو حصص عينية أو مالية تؤول إليها من تركة أو تنازل من والديها لصالح تسوية التزامات الأسرة المشتركة! أنا لما وقفت عند البند ده وسألتها، هي اتعفرتت وقالت لي إنتِ بتعامليني كأني عدوتك!
بابا ضحك بسخرية مرة ومرعبة، وشه احتقن پالدم
يا ولاد ال... ده مش تنازل عادي، ده كان كمين! كانوا عايزين يربطوا رقبتك ورقبتنا قانونياً قبل ما المهلة بتاعة البنك تخلص يوم الجمعة! الجمعة الجاية دي لو الفلوس مكنتش اتسددت أو مجاش ضامن مالي يشيل عنهم، محمود وأبوه هيتسجنوا رسمي في شيكات بدون رصيد وتبديد!
ماما مسكت النوتة الصغيرة اللي بتكتب فيها وقالت بصرامة
عشان كده كانت عايزة تكسر عينها! الست دي كانت متخيلة إنها لما تهدد مريم وتهينها، وتخلي ابنها يمسكها ويرشها بمادة حاړقة، مريم هتترعب وتمضي تحت الخۏف والۏجع، أو على الأقل أهلينا لما يعرفوا هييجوا يجروا يدفعوا ويقولوا خدوا اللي أنتوا عايزينه بس طلقوها وارحموها! تفكير عصابات وعالم واطية!
في اللحظة دي، تليفوني اللي على الكومودينو رن تاني.
الاسم على الشاشة كان واضح حتى بعيني السليمة المشوشة محمود.
ماما بصت لبابا، وبابا قرب ومسك الموبايل، فتح المايك وحطه قدامي، وشاور لي بإيده إني مسكتش وأتكلم عادي.
صوت محمود طلع
من السماعة، صوت كله غطرسة وبرود، صوت واحد ميعرفش أصلاً إحنا كشفنا إيه
ألو؟ مريم؟ يا رب تكوني عقلتي وبطلتي الهيستيريا بتاعتك. الدكتور قال إنها حروق سطحية وهتلم في كام يوم، بطلي بقا تمثيليات وتكبري الحكاية!
فضلت ساكتة وأنا بضغط على أسناني من الغيظ، فكمل بلهجة ټهديد واضحة
شوفي يا مريم، ماما بټعيط في البيت وأعصابها باظت من اللي عملتيه، وأبويا بيقول إن أهلك لازم ييجوا الفيلا حالاً نلم الموضوع ونسدد الحساب، والورقة لازم تمضيها قبل الصبح. بلاش تخليني أستخدم معاكي وش مش هيعجبك، انتي لسه على ذمتي، ولو افتكرتي إن شغل المستشفيات ده هيأكل عيش تبقي غلطانة... إنتِ عارفة مصلحتك فين ومصلحة عيلتك فين، تمام؟
لسه كنت هرد وأصرخ فيه، بس بابا شاور لي أسكت، وقرب من التليفون، وبتون هادي ومرعب قال
الواد ده صوته كان حلو في الفرح يا مريم... بس باين عليه نسي يسأل عن اسم محامي صندوق سييرا نور اللي هيستلمه هو وأمه بكره الصبح في النيابة.
الخط من الناحية التانية سكت تماماً، صوت أنفاس محمود المكتومة والارتباك كان واضح زي عين الشمس، بابا مسك الموبايل وقفل السكة في وشه بهدوء ورماه على الكومودينو، وبص لي وقال
اللعبة دي بدأت من تمان شهور يا مريم... بس نهايتها مش هتكون زي ما هما رتبوا خالص. قومي اجهزي، النيابة بعتت مندوبها دلوقتي عشان ياخد
أقوالك، واللي بدأ الحريقة دي هو اللي هيتحرق بيها.