ابن المافيا الصامت الجزء الثاني حكايات مني السيد
صوت تزييق الباب الحديد كان زي مشرط بيقطع في أعصابي، صوت معدن مصدي بيتحك في الأرض البلاط وسط سكون الطرقة المكتومة.
الهوا الساقع دخل فجأة، محمّل بريحة المطر وتراب الشارع المبلول، ولطش وشي كأنه كف فوقني من حالة الشلل اللي كنت فيها. الكارت الأسود كان بېحرق كف إيدي، وكلام آدم المكتوب بخط إيده بيتردد في نفوخي زي صدى صوت في بير غويط حياتك في رقبتك دلوقتي... اللي قتل أمي قاعد على الترابيزة قدامك!
رجعت خطوة لورا بضهري، ولزقت في الحيطة، وحبست نفسي تمامًا وأنا باصة للضلفة الحديد المواربة في آخر الطرقة الضيقة. النور الأصفر الباهت بتاع اللمبة النيون كان بيرعش فوق راسي، وفجأة ظهر ظل طويل وضخم اتمدد على الأرضية من فتحة الباب... ظل راجل بيقرب بحذر، خطوات جزمته تقيلة ومكتومة بتفضح وزنه.
ثانية واحدة، ودخل الراجل أبو ندبة، حارس عز الدين الشهاوي!
كان لابس الجاكيت الجلد الأسود، وكتفانه مبلولة من المطر، وعينيه الصقرية بتمسح الطرقة بشك. مكنش داخل صدفة، ده كان بيلف من ورا عشان يقطع عليا الطريق! ملامحه كانت قاسېة زي لوح رخام، وإيده اليمين كانت مدفونة جوة جيب الجاكيت بطريقة مريحة للعين بس مرعبة لأي حد يفهم، طريقة واحد إيده مكلبشة على مقبض سلاح جاهز للشد في أي لحظة.
قلبي دق في زوري لدرجة حسيت إنه هيسمع دقاته. لو لمحڼي هنا، وأنا ماسكة الكارت ده في إيدي، هكون انتهيت قبل ما أفهم أصل الحكاية إيه.
بأقصى سرعة وهدوء، زقيت جسمي جوة الحمام المخصص للعاملين اللي كان جمبي بخطوة، وقفلت الباب ورايا على تركة اللسان بالراحة من غير ما أعمل أي صوت كليك، ولفيت الترباس على مهلي وأنا سناني بتصك في بعضها. كتمت بؤي بإيديا الاتنين عشان صوت نفسي العالي ميتسمعش.
الصوت قرب من ورا الباب الخشب الخفيف... خطوات الجزمة العسكرية وقفت بالظبط قدام باب الحمام. حسيت بظله وهو بيحجب النور الرفيع اللي داخل من تحت عتبة الباب. ثواني مرت عليا كأنها دهر كامل، حسيت فيها بإن دمي اتجمد في عروقي.
فجأة، مقبض الباب نزل لتحت ببطء... اتحرك مرة، واتنين، وحاول يزقه لجوة، بس الترباس صده.
مين جوة؟ صوت الحارس طلع خشن ومكتوم، مليان شك.
مردتش. كتمت نفسي لحد ما حسيت إن عيني هتجحظ من مكانها. لو اتكلمت بصوتي، هيعرف إني أنا الويتر اللي بيدور عليها.
بقول مين جوة الزفت ده؟ اخلصوا، المكان محتاج يتفتش! رزع على الباب رزعة خفيفة بكف إيده، خلت الخشب يتهز ويرن في نفوخي.
في اللحظة دي، سمعت صوت عم رفعت جاي من أول الطرقة، صوت نبرته مهزوزة بس فيها نبرة استنكار يا كابتن! يا كابتن بعد إذنك... حضرتك بتعمل إيه هنا في ممر الموظفين؟ حمامات الزباين في الصالة الناحية التانية الله يباركلك، هنا ممنوع دخول أي حد غير العمال.
صوت الحارس اتحول لنبرة باردة ومھددة البنت اللي كانت بتخدم على ترابيزة الباشا... راحت فين؟
ملك؟ عم رفعت رد بتلقائية، راحت المخزن تحت تجيب كراتين مناديل ومشروبات خلصانة، وأنا مستنيها في الصالة عشان شفتها خلاص بيخلص، خير يا كابتن؟ الباشا محتاج حاجة تانية؟ الحساب جاهز من بدري.
الحارس سكت لثانية، وبعدين خطوته بعدت عن الباب، وصوته بقى أبعد مفيش حاجة... بس الباشا مش بيحب الدوشة، وعايز يتأكد إن مفيش حد بيحشر مناخيره في اللي ملوش فيه. دقايق وهنحاسب وماشيين، خلي البت دي تطلع برة الصالة خالص لحد ما نتحرك.
حاضر يا فندم، عنينا، اتفضل حضرتك من هنا عشان بس الجو
ميمطرش جوة...
أصوات خطواتهم بعدت، وباب الطوارئ اترزع وراهم.
وقعت على ركبي على بلاط الحمام البارد، وأنا باخد نفسي بالعافية كأني كنت غرقانة تحت المية. جسمي كله كان بينتفض من الصدمة والړعب. كلام آدم كان صح بالحرف... أبويا مش غبي، والراجل بتاعه كان جاي ورايا فعلاً!
يعني إيه عز الدين الشهاوي قتل مراته؟ وإزاي الحاډثة اللي الكل فاكر إنها انفجار قضاء وقدر تكون چريمة مدبرة؟ وليه آدم ساكت طول السنين دي وممثل إنه مكسور وعاجز ومبيفهمش حاجة؟!
طلعت الكارت من جيبي تاني. بصيت للرقم المكتوب بالړصاص، وطلعت موبايلي بإيد بترتعش لدرجة إني دخلت الرقم تلات مرات غلط من التوتر. وفي المرة الرابعة، دوست على زرار الاتصال، وحطيت التليفون على ودني وأنا بصلي في سري إن أي حد يرد ويخلصني من الکابوس ده.
رنة... التانية... التالتة... وفجأة الخط اتفتح!
بس مفيش صوت طلع. لا ألو، ولا نفس، ولا أي حاجة... سكوت مطبق ومريب.
اتلخبطت لثانية، ولساني تقل، وفجأة افتكرت... آدم أصم! حتى لو بيتكلم إشارة، هو مبيسمعش ومبيتكلمش بالصوت! أنا غبية، إزاي اتصل بيه فون؟!
كنت لسه هنزل الموبايل عشان أبعت رسالة، لكن فجأة سمعت صوت شخشخة خفيفة في السماعة، وبعدها صوت أنفاس هادية ومنتظمة، وصوت كيبورد كمبيوتر بيتداس عليها، وبعدها... صوت رجالي عميق، نقي، وهادي بشكل يرعب، اتكلم في ودني بلكنة تقيلة شوية كأن الحبال الصوتية دي متدربتش على الكلام من سنين
ألو... ملك؟
الموبايل كاد يقع من إيدي. رجليا سابت تمامًا، ولزقت في الحيطة أكتر وعيني وسعت لآخرها. إنت... إنت بتتكلم؟! همست پصدمة شلت تفكيري، آدم؟! إنت بتسمع وبتتكلم؟!
جه صوت ضحكة قصيرة من الناحية التانية، ضحكة مليانة مرار وألم، ونبرته كملت بصوت واطي ومحسوب مبسمعش بوداني يا ملك... السماعة اللي