ابن المافيا الصامت الجزء الثاني حكايات مني السيد
المحتويات
في ودني متوصلة ببرنامج ذكاء اصطناعي على تليفوني بيحول صوتك لكلام مكتوب على الشاشة قدامي في جزء من الثانية... بس صوتي؟ أيوة، بعرف أتكلم. اتعلمت أتكلم في السر من تسع سنين، ومحدش في الكون ده يعرف... حتى الراجل اللي مفروض يكون أبويا.
إنت... إنت مين بجد؟ وعايز مني إيه؟ دموعي نزلت من كتر الضغط والخۏف، أنا مليش دعوة بيكوا! أنا مجرد ويتر شغالة باليومية عشان أصرف على نفسي وأمي، أنا رديت عليك بالإشارة عشان افتكرتك زي يوسف أخويا... مش عشان أدخل في حرب عصابات!
صوت آدم بقى أهدى، ونبرته فيها حنية غريبة وجدية في نفس الوقت عارف يا ملك... وعارف يوسف الله يرحمه. وعارف إنك من يوم ۏفاته وإنتِ عايشة في قوقعتك، متوقعة إن الناس كلهم شبه بعض في القسۏة. صدقيني، مكنتش عايز أجرك في الدايرة دي، بس لما رفعتي إيدك وكلمتيني بالطريقة دي في وسط المطعم، والكل باصص... أبويا مش هيسيبك. عز الدين الشهاوي مبيثقش في الصدف، وبالنسبة له، بنت بتعرف لغة إشارة وبتتواصل مع ابنه اللي حابسه عن العالم، معناها إن في حد باعتها عشان تلعب في دماغه أو تاخد منه معلومات!
طب والحل إيه؟! الراجل بتاعه كان هيكسر عليا باب الحمام من ثانية واحدة!
اسمعيني كويس ومن غير ما تقاطعيني عشان وقتنا بيخلص، آدم اتكلم بحزم، أبويا دفع الحساب وقايمين دلوقتي. هيركبوا العربية المرسيدس السودا، وأنا هركب معاهم ورا عشان ميشكش في حاجة. الحارس اللي اسمه صابر هيفضل واقف برة المطعم يراقب الباب الرئيسي ومستنيكي تطلعي بعد ما المطعم يقفل عشان يلف وراكي ويعرف بيتك، وساعتها مش هيسيبوكي غير وإنتِ تحت الأرض عشان يضمنوا سكوتك.
يالهوي... يا نهار أسود... أعمل إيه؟!
اهدي!
متضيعيش تركيزك في اللطم، اسمعي اللي هقوله ونفذيه بالحرف. صابر مركز مع الباب الرئيسي، وباب الطوارئ اللي دخل منه متراقب بكاميرا المحل بس هو ساب الباب موارب عشان يرجع منه. في الشارع اللي ورا المطعم، بعد تالت عمارة على إيدك اليمين، في عربية فيات قديمة لونها كحلي، نمرتها متغطية بتراب. المفتاح بتاعها مربوط بسلك تحت الرفرف اللي ورا العجلة الشمال. هتركبيها، وهتمشي في اتجاه كوبري 6 أكتوبر، ومش هتروحي بيتك في شبرا أبدًا... فاهمة؟ أوعي تروحي بيتك!
أروح فين؟! مفهمتش حاجة! إنت بتورطني في إيه؟!
العربية فيها شنطة فيها تليفون متأمن وفلوس تكفيكي شهور، وفيها فلاشة عليها الملفات اللي هتدمر إمبراطورية عز الدين الشهاوي وتوديه حبل المشنقة على اللي عمله في أمي وفي ناس تانية كتير. أنا محتاج الفلاشة دي توصل للصحافة والنيابة في نفس اللحظة اللي هكون فيها برة قبضته... وإنتِ الوحيدة اللي الصدفة خلتني أأمنلك، لأنك الوحيدة اللي بصيتي في عيني وشوفتيني بني آدم، مش وريث عاجز!
طب وإنت؟ هتعمل إيه معاه؟ ده بيقولوا عليه شيطان!
صوت أنفاسه بقى أعمق، وقال بنبرة باردة كالتلج أنا بقالي أربعتاشر سنة عايش مع الشيطان في نفس البيت... مستني الليلة دي بالذات. متقلقيش عليا، القفص اللي حبسني فيه أنا اللي هقفله عليه النهاردة... اتحركي يا ملك، قدامك تلات دقايق قبل ما يكتشفوا إنك مش في المخزن!
الخط قطع.
شاشة الموبايل طفت، وسابتني في ضلمة الحمام تايهة ومړعوپة، وصوت ضربات قلبي بيهز ضلوعي. مكنش في وقت للتفكير، مكنش في رفاهية إني أقعد أعيط أو أندم على اللحظة اللي اتطوعت فيها وكلمته. الحياة رميتني فجأة في نص بحر غريق، والنجاة الوحيدة إني أعوم حتى لو مش عارفة الشط فين.
مسحت دموعي بطرف كمي بسرعة. قلعت المريلة بتاعة اليونيفورم وركنتها في زاوية الحمام، وسحبت الجاكيت بتاعي والشنطة من ورا الباب.
فتحت الترباس بنعومة، ووربت الباب ببطء شديد. الطرقة كانت فاضية، ونور المطبخ البعيد كان مبين إن الصالة بدأت تهدى وصوت المزيكا الخفيفة وقف، والعمال بدأوا يقلبوا الكراسي فوق الترابيزات عشان يقفلوا. ده معناه إن عز الدين ورجالته خرجوا فعلاً!
اتحركت على طراطيف صوابعي ناحية باب الطوارئ في آخر الممر.
فتحت الضلفة الحديد حتة صغيرة، وبصيت برة... الحارة الخلفية كانت ضيقة وضلمة، والمطر كان نازل بغزارة بيعمل برك مية في الأرض المتكسرة. مفيش حد واقف. الشارع ساكت، وصوت مزاريب المطر هو الوحيد اللي مالي الجو.
أخدت نفس عميق، وفتحت الباب وخرجت، ورزعته ورايا بخفة، وجريت!
المية الساقعة ڠرقت جزمتي وهدومي في ثواني، ورجليا كانت بتغوص في الطين، بس الأدرينالين اللي كان بيجري في عروقي خلاني مش حاسة بالسقعة ولا بالتعب. عديت أول عمارة... التانية... وعيني بتدور پجنون على اليمين وسط العربيات المركونة تحت البلكونات.
وهناك، تحت عمود نور قديم كشافه بيرعش ومطفي نصه، كانت العربية الفيات الكحلي واقفة. قديمة، ومتربة، وشكلها ميركبش ربع مليم مقارنة بعربيات الزمالك الفارهة، بس في اللحظة دي كانت بالنسبة لي طوق نجاة.
نزلت على ركبي في الطين جمب العجلة الشمال اللي ورا، ومديت إيدي المرتعشة تحت الرفرف المعدني المصدي. صوابعي خبطت في سلك رفيع، شديته بقوة، فوقع المفتاح في إيدي برنة خفيفة.
قومت بسرعة، فتحت باب العربية اللي زيق بصوت واطي، ودخلت وقفلت الباب ورايا على طول.
ريحة العربية كانت ريحة بنزين قديم وجلد مشقق. مسحت وشي المبلول بكفي، وبصيت على الكرسي اللي جمبي... كانت فيه شنطة ضهر سودة ومتقفلة بسوستة. فتحت السوستة بإيد بتترعش، ولقيت جواها
زي ما قال
متابعة القراءة