النهج كان واكل رجلي
مرة رجع زعلان.
قلت له مالك؟
قال واحد زعقلي في المدرسة.
قعدت جنبه وقلت عملتي إيه؟
قال سكت.
بصيت له شوية، وبعدين قلت السكات مش دايمًا غلط بس لازم تبقى عارفة إمتى تتكلمي.
بص لي وسأل زيك؟
ابتسمت أيوه زيي.
في نفس الفترة، علاقتي بعصام بقت واضحة أكتر.
بقينا بنتعامل بحدود، من غير شد وجذب.
بقى فيه احترام مش حب، لكن هدوء.
وفي مرة، وهو بيسلم حمادة، قال أنا شايفك اتغيرتي.
قلت وأنا كمان.
سكت شوية وقال يمكن لو كنا كده من الأول
قاطعته بهدوء يمكن بس إحنا دلوقتي في مكان تاني.
هز راسه ومشي.
وأنا حسيت براحة
إني مش محتاجة أكمل جملة.
أبويا بدأ يتحسن شوية، بس بقى أهدى.
بقى يقعد مع حمادة يحكيله حكايات، وأنا أسمعهم من بعيد.
وفي يوم، سمعته بيقول له أمك دي جدعة.
وقفت ورا الباب وابتسمت.
بدأت أفكر أوسع شغلي، أعمل حاجة باسمي.
مش بس شغل كيان.
اشتغلت على الموضوع شهور، تعب وسهر وتفكير.
وفي الآخر، قدرت أفتح مشروع صغير.
يوم الافتتاح، ما كانش فيه زحمة كبيرة بس كان فيه إحساس كبير.
أمي واقفة جنبي، وأبويا قاعد يراقب، وحمادة بيجري في المكان.
بصيت حواليا وقلت في سري أنا عملت ده.
بعد فترة، بدأت ألاحظ حاجة.
إني بقيت أضحك من قلبي تاني.
مش ضحك مجاملة ضحك حقيقي.
بقيت أستمتع بالحاجات الصغيرة
قعدة في البلكونة، صوت المطر، ضحكة حمادة.
وفي ليلة هادية
كنت قاعدة لوحدي، ماسكة فنجان شاي.
بصيت لنفسي في المراية القريبة.
ما شفتش البنت اللي كانت ماشية بتعرج في الشارع
شفت واحدة تانية.
واحدة وقعت بس قامت.
اتكسرت بس اتصلحت بإيديها.
خافت بس كملت.
حمادة دخل عليا وقال ماما، تعالي.
قمت معاه، وهو ماسك إيدي.
سألني فجأة إنتي مبسوطة؟
بصيت له، وبعدين بصيت لنفسي جوايا
وقلت أيوه مبسوطة.
ولأول مرة، كنت بقولها وأنا متأكدة.
وكملت حياتي
مش كاملة، بس كفاية.
مش سهلة، بس مفهومة.
وكل يوم كنت بثبت لنفسي حاجة واحدة
إن النجاة مش صدفة
النجاة قرار.
السنين كملت تمشي وحمادة بقى طفل أكبر، عنده فضول وحركة وملاحة، بيسأل كل حاجة، وده كان بيرجعلي ذكريات طفولتي اللي ضاعت في المشاكل. كنت أسمعه وأضحك من قلبي، وبقت الأيام بتعدي بسرعة، وكل يوم جديد كان درس جديد.
الشغل بقى مسؤولية أكبر، لكن حسيت بإحساس قوي إحساس إن ده كله بإيدي. أنا اللي بقرّر، أنا اللي أخطط، وأنا اللي أتحمّل نتيجة كل حاجة. في يوم، جاءلي زبون كبير، وكان واضح إنه مش مقتنع بأي حاجة. حسيت قلبي يدق، بس تذكرت كل المرات اللي واجهت فيها الصعاب من قبل. خدته بالهدوء، وضحكت بطريقة بسيطة والنتيجة كانت مذهلة، الزبون ساب وهو راضي. حسيت بالفخر ده شعور جديد بالنسبة لي.
أبويا كان دايمًا جنبي. ساعات كنت أشوفه قاعد ساكت، وكنت أحس إن عيونه بتراقبني، مش للتأنيب، لكن للتأكد إني واقفة على رجلي. في يوم، بعد ما خلصت شغل وكنت مرهقة، لقيته جاي يقعد مع حمادة يلعب. بس بدل ما ينفعل زي الأول، كان ساكت وبيضحك بهدوء حسيت إن كل التعب اللي عديت بيه ما راحش على الفاضي.
حمادة بدأ يفهم حاجات أكبر. يوم، رجع من المدرسة زعلان، وكان فيه موقف مع زميله. جلست معاه بهدوء، وبدأت أشرحه إزاي يتصرف. ما كانش كلام عن خوف أو غضب كان كلام عن اختيار الطريق الصح. ابتسم لي وقال زيك يا ماما. حسيت داخلي يفرح مش لأنه قال الكلام، لكن لأنه فهم معنى الوقوف على قدرك.
روحية ما ظهرتش كتير بعد كده، بس لما ظهرت كانت حاسسني إن الأمور اتغيرت. في يوم، شفتها واقفة قدام العمارة، وقالت كلمة بسيطة أنا آسفة. ومشيت. ما كانتش محادثة كبيرة بس بالنسبة لي، كانت علامة على إني اتعديت كل اللي كان ممكن يوقفني.
حياتي اليومية بقيت هادية، بس مش مملة. أيام الشغل، والبيت، وحمادة، وأوقات الهدوء لنفسي كل حاجة بقيت لها معنى. وفي الليل، بعد ما حمادة ينام، كنت أقعد أفكر وأفتكر كل اللي عدّيت. كنت بحس إن كل خطوة، حتى اللي كانت مؤلمة، علمتني أعيش بطريقة مختلفة.
وفي يوم، وقفت على البلكونة، ببص للشمس وهي بتغيب، وحسيت بالسلام لأول مرة من زمان. شعرت إن رغم كل التعب والخوف اللي عدّيت أنا نجحت. مش المثالية لكن نجحت. نجحت إني حافظت على نفسي، على حمادة، وعلى قلبي. وكل يوم كان فرصة جديدة أبني فيها حياتي على الأسس اللي أنا عايزاها، من غير خوف، من غير ضغط، بس بإرادة صافية.