ليلة رجوع الوحش
عاشرته ٦ شهور وهو ميت.. وفي الآخر "لُبع" وطلع قدامي في المدافن!
(الجزء الأول)
أول مرة أشوف جوزي بعد جنازته الكبيرة، كان واقف على بعد كام خطوة من "تربته"، حي يرزق، لابس بالطو أسود طويل، والمطر نازل على وشه وكأن السما نفسها كانت بتداري عليه وتعمله عذر.
ما صرختش.
ولا جريت.
أنا بس فضلت مبحلقة في الرخامة اللي محفور عليها اسمه، وفي لحظة واحدة قلبي وجعني وجعة خلتني أحس إن الحزن والحب والغل كلهم هيخلصوا عليا في وقت واحد.
أصل أنا بقالي ٦ شهور، باجي المدافن دي كل يوم حد.
بقالي ٦ شهور، بربع في الطين وأوشوش الراجل اللي فاكراه مات، وأعتذر له.. وهو لسه بيتنفس وعايش حياته!
بقالي ٦ شهور، بعيط على "كذبة".
المدافن كانت في آخر "القاهرة"، حتة قديمة فيها ريحة الموت والهيبة، والسور الحديد والرخام الغالي بتاع العائلات الكبيرة. المطر خلى الممرات طينة وزحلقة، والورد اللي كنت جايباه دبلان في الفازات الإزاز. المكان كله ريحته تراب مبلول وبخور وورد ميت.. ريحة حزينة بقت محفورة في مناخيري وفي جلدي.
ركبي غرزت في النجيل المبلول قدام شاهد القبر:
المعلم "زينهم المنشاوي"
فقيد الشباب
١٩٩٣ - ٢٠٢٥
صوابعي كانت بتترعش وأنا بلمس الحروف المحفورة.
٦ شهور.
٦ شهور من يوم ما قالوا إنه راح فيها في انفجار مخازن المينا عند النيل.
٦ شهور من يوم ما الجرايد والمواقع نشرت صور النار وهي واكلة السما.
٦ شهور من يوم ما رجالته سلموني "شهادة الوفاة"، وظرف مقفول من المحامي بتاعه، وقعدوا يعزوني بصوت واطي ومكسور، كأنهم خايفين لو علوا صوتهم أنا "أتفتفت" من الحزن.
وكان عندهم حق.. أنا فعلاً اتفتفتت.
"أنا آسفة"، همست والدموع نازلة تسيح مع المطر على وشي. "آسفة إني ما عرفتش أمنع اللي حصل.. آسفة إني ما كنتش معاك.. وآسفة إني لسه عايشة وإنت مش موجود."
فجأة، الهوا شد، وجاب معاه ريحة خلت قلبي "يدق" دقة غريبة.
ريحة جلد، وسجاير غالية، وريحة "برفان" تقيل.. ريحة "العنبر والعود" اللي زينهم كان دايماً بيسيبها في كل ركن في شقتنا "الدوبلكس" بعد ما بيمشي.
نفسي انقطع.
قلت لنفسي: "ده خيال.. الحزن بيعمل أكتر من كده.. الحزن ده حرامي بيلبس لبس الأموات".
وطيت راسي وغمضت عيني، بس الذاكرة هجمت عليا زي السكين الحامي.
أنا قابلت "زينهم المنشاوي" في أسود ليلة في حياتي.
وقتها كان عندي ٢٤ سنة، بشتغل ورديتين في مطعم "جراند" في وسط البلد.. مناديل قماش، وكاسات كريستال، وزباين بيدفعوا في إزازة المية أكتر من اللي بقبضه في أسبوعين. كنت عايشة في أوضة وصالة فوق "مكوجي" في السيدة زينب.. السخان بيشحر كأنه بيموت، والقفل بتاع الباب مبيجمعش، وماكنش حيلي غير ٥٠ جنيه في المحفظة وقسط القرض بتاع الجامعة اللي ماشي ورايا زي خيالي.
ليلتها كنت هبطانة وجعانة، وعلى آخر تكة من العياط بسبب زبون قليل الأدب.
وفجأة، وأنا بلف بسرعة ناحية الصالة الـ (VIP)، رحت لابسة فيه "لبسة" واحدة!
صينية الكاسات مالت.. قلبي وقف.
العصير طار في الجو..
بس قبل ما المصيبة تحصل، إيد كبيرة سندت الصينية، والإيد التانية مسكت كوعي بسرعة رهيبة.
"على مهلك يا ست البنات"، قالها بصوت هادي.
الصوت ده..
رخيم، وناعم، وفيه رنة خطر تخوف.
رفعت عيني وبصيت في وش "حلو" لدرجة تغيظ. شعر أسود متظبط بالمللي.. مناخير حادة.. وبق مرسوم. وعينين لونها زي القهوة السادة في نص الليل. كان لابس بدلة "شيك" متفصلة عليه بالواحدة، وبصلي بصه مش كأنني "غلطة" عملتها، لأ.. كان بيبصلي كأني "لغز" وهو ناوي يحله.
"أنا آسفة"، قلتها بتهتهة. "أنا بجد آسفة جداً، ما خدتش بالي وأنا ماشية."
بص للصينية، وبعدين بصلي تاني، وطرف بقه اترفع في ضحكة خفيفة:
"ما يجراش حاجة.. إحنا الاتنين ما بناخدش بالنا."
وراه، كان فيه اتنين لابسين سوت أسود، وحاطين سماعات في ودانهم.. شكلهم من اللي "بيكسروا العضم" عشان ياكلوا عيش.
لمحتهم، بس ما كنتش لسه فاهمة هما مين.
"إنتي كويسة؟" سألني بجدية.
"آه.. تمام."
"متأكدة؟"
الجزء الثاني: "رجوع البعبع.. والحساب يجمع!"
فضلت واقفة مكاني، المطر عمال ينقر على راسي وبردي زاد، بس المرة دي مش من الجو.. البرد كان طالع من جوايا. ريحة العنبر والعود كانت بتزيد، كأنها بتخنقني.
رفعت راسي براحة، ولفيت.. كان هو.
واقف ورايا زي الجبل، السواد اللي لابسه مخليه حتة من الضلمة اللي حوالينا. وشه اللي كنت بشوفه في أحلامي كل ليلة، قدامي دلوقتي حقيقة. ملامحه كانت أهدى، وأبرد، وكأن الـ ٦ شهور اللي فاتوا دول كانوا "فسحة" بالنسبة له، مش هروب من الموت.
"زينهم؟"
الكلمة طلعت مني مخنوقة، كأنها طالعة من تحت الأنقاض.
خطى خطوة واحدة ناحيتي، والمية تحت جزمه "الجلد" الغالية عملت صوت خروشة وجع قلبي. مد إيده ومسح دمعة كانت نازلة على خدي بصابعه الكبير، نفس اللمسة اللي كانت بتخليني أنسى الدنيا.. بس المرة دي خلتني "أكش".
"وحشتيني يا ليلى،" قالها بصوته الرخيم اللي كان بيترعش فيه حتة حنية كدابة. "كنت عارف إنك هتيجي النهاردة.. إنتي مابتفوتيش ولا حد."
دمي غلي في عروقي. زقيت إيده عن وشي وصرخت فيه بصوت مرعوش من القهر:
"وحشتك؟! إنت واقف قدام تربتك يا زينهم! إنت دفنتني معاك ٦ شهور! كنت فين؟ وليه؟ والناس اللي ماتت في المخازن دي كانت إيه؟"