ليلة رجوع الوحش
ضحك ضحكة مكتومة، مفيش فيها أي ندم:
"اللعبة كانت كبيرة يا ليلى، أكبر من إني أشرحها لك في المطر والمدافن. كان لازم أموت عشان أعرف أعيش.. وعشان إنتي تعيشي."
"أعيش؟" ضحكت بوجع وأنا بشاور على القبر. "أنا كنت بموت كل يوم وأنا بكلم الرخام ده! أنا بعت دهبي وشقتي عشان أسدد ديونك اللي مابتخلصش لرجاليك! أنا كنت ببات جعانة عشان أصون اسمك اللي طلع (فانكوش)!"
زينهم قرب أكتر، لدرجة إني شميت ريحة السجاير في نفسه، وبص في عيني بصه خلت ركبي تخبط في بعضها:
"عارف.. وعارف إنك كنتي (أصيلة). وعشان كده أنا رجعت. الحرب خلصت يا ليلى، والمنشاوي رجع يلم ملكه تاني.. وإنتي أول حاجة في الملك ده."
في اللحظة دي، شفت وراه "عربية سوداء" فامييه وقفت على أول الممر، ونزل منها نفس الحرس اللي كانوا معاه في المطعم زمان.. "الشناوي" و"جعفر". بصوا لي باحترام مبالغ فيه وكأن مفيش حاجة حصلت.
"يلا بينا،" قالها زينهم وهو بيمسك كوعي بنفس القوة اللي مسكني بيها أول مرة في المطعم. "المكان ده مابقاش يليق بيكي."
بصيت للقبر، وبعدين بصيت له.. كنت عايزة أضربه، عايزة أقتله بجد المرة دي، بس جوايا حتة كانت لسه "خايفة" منه.. وحتة تانية كانت "عايزة" تعرف الحكاية.
"مش همشي معاك يا زينهم،" قلتها وأنا بحاول أسحب إيدي. "إنت بالنسبة لي مت، والجنازة خلصت من زمان."
ميل على ودني وهمس بكلام خلى جسمي كله يتنفض:
"لو مشيتي دلوقتي، هتفضلي طول عمرك (أرملة) المعلم اللي مات مديون.. لكن لو جيتي معايا، هتبقي (هاتم) المنصورة اللي الكل بيعمل لها ألف حساب. اختاري يا ليلى.. الموت اللي وراكي، ولا الحياة اللي في إيدي؟"
الجزء الثالث: "اللعبة الكبيرة.. والوزّة اللي باعت المنشاوي"
ليلى ركبت العربية وهي حاسة إنها ماشية في كابوس، بس الفضول كان بياكلها. زينهم كان قاعد جنبها ببرود يحرق الدم، بيولع سيجارة وبيبص من الشباك على شوارع القاهرة اللي وحشته.
ليلى انفجرت فيه:
"انطق يا زينهم.. مين اللي كان في المخزن؟ ومين اللي موتك في الورق؟"
زينهم نفخ دخان سيجارته وهدى صوته خالص:
"اللي كان في المخزن ده (شوقي العفش).. دراعي اليمين اللي خانني وباعني لولاد (أبو إسماعيل). شوقي كان فاكر إنه لما يخلص عليا هياخد مكاني في السوق، وماكنش يعرف إن عيني عليه من زمان."
ليلى شهقت:
"شوقي؟ ده كان بياكل معانا عيش وملح! ده هو اللي جاب لي شهادة وفاتك وكان بيعيط كأنه فقد أبوه!"
زينهم ضحك ضحكة استهزاء:
"دي كانت الحتة اللي ناقصة في الفيلم يا ليلى. كان لازم أموت عشان شوقي يظهر على حقيقته، وعشان يفتكر إن الساحة فضيت له. أنا اللي فجرت المخزن وهو جواه بعد ما عرفت إنه كان بيسرب أخبار نقلية (البضاعة الكبيرة) للحكومة وللمنافسين."
ليلى بصت له برعب:
"يعني إنت قتلت شوقي ولبسته اسمك؟"
زينهم دور وشه ليها وعينيه بقت زي الصقر:
"أنا كنت بحمي نفسي وبحميكي. لو كنت فضلت عايش وقتها، كان (أبو إسماعيل) هيدبحك عشان يكسرني. كان لازم أختفي من على الخريطة خالص.. أروح (دبي) بهوية تانية، وأصفي حساباتي هناك، وأرجع وأنا (الوحش) اللي مفيش حد يقدر يرفع عينه فيه."
وفجأة.. العربية وقفت قدام فيلا كبيرة في التجمع، مش الشقة القديمة بتاعتهم.
"السر مش بس في موتي يا ليلى،" كمل زينهم وهو بيفتح باب العربية. "السر إن (أبو إسماعيل) نفسه هو اللي ممول جوازنا من الأول.. كان فاكر إنه زارعك في حياتي عشان تبقي عينه عليا، بس هو ماكنش يعرف إنك (نقية) بجد وما لكيش في القذارة دي."
ليلى الدنيا لفت بيها:
"أبو إسماعيل؟ ده اللي كان بيساعد بابا في مصاريف علاجه؟ إنت بتقول إيه؟"
زينهم مسك إيدها وضغط عليها:
"بقول إن الكل كان بيلعب بيكي، إلا أنا. أنا اللي حمتك من غير ما تعرفي، وأنا اللي رجعت دلوقتي عشان أخلص القديم والجديد. و(أبو إسماعيل) النهاردة.. هو اللي هيلبس الطرحة مكانك."
الجزء الرابع: "حضن التعب.. والمشوار اللي لسه في أوله"
ليلى ماقدرتش تمسك نفسها أكتر من كده، الرجلين شالتها والقلب غلب العقل. في ثانية، كانت بدأت تعيط بآهات مكتومة، عياط ٦ شهور من الوحدة، والخوف، والديون، والقهرة.
زينهم وهو بيهمسم:
"خلاص يا ليلى.. كفاية عياط. وحش المنشاوي رجع، ومفيش كلب هيقدر يقرب منك تاني."
ليلى رفعت وشها وهي بتمسح دموعها بكف إيدها:
"بس إنت خوفتني يا زينهم.. إنت خلتني أصدق إنك تراب. كنت بتفرج على صورتك كل ليلة وأنا بسألك: سيبتني لمين؟"
زينهم مسك وشها بين إيديه وبص لها بتركيز:
"سيبتك لربك، وعارف إنك ست بميت راجل. بس دلوقتي اللعب بقى على المكشوف. أبو إسماعيل فاكر إنك لسه (العروسة الخشب) اللي بيحركها، وما يعرفش إنك بقيتي (حرم المنشاوي) بجد."
دخلوا الفيلا، والمكان كان فخم لدرجة تخض، خدم وحشم وحراسة في كل حتة. زينهم شاور لـ "جعفر" وقال بصوت حازم:
"جهزلي الرجالة.. وكلملي (المحامي) يخلص ورق الشحنة الجديدة. وعايز (أبو إسماعيل) يوصله خبر إن "الشبح" رجع يطالب بحقه في السوق."
ليلى بصت له بخوف:
"ناوي على إيه يا زينهم؟ إحنا لسه راجعين من الموت!"
زينهم ضحك ضحكة تخوف وهو بيقلع البالطو:
"ناوي أرجّع كل مليم اتسرق منك وإنتي أرملة. ناوي أخلي اللي ضحك عليكي بكلمتين يندم إنه اتولد. النهاردة بالليل فيه (قعدة كبار)، وإنتي هتكوني قاعدة جنبي.. عشان الكل يعرف إن اللي مات ده كان (الخاين)، أما (المنشاوي) فـ عمره ما بيموت."
ليلى حست إنها داخلة في سكة سد، بس وجود زينهم جنبها كان بيديها قوة غريبة. بصت لنفسها في المراية الكبيرة اللي في الصالة، شافت واحدة تانية غير ليلى الغلبانة اللي كانت بتمسح طاولات المطعم.. شافت "ست المعلم".
زينهم قرب منها وهمس في ودنها:
"اطلعي ارتاحي، وغيري لبسك ده. عايزك تلبسي أغلى حاجة عندك.. الليلة دي ليلة (الحساب)، وأنا مابحبش حد يغلط في الجمع."