اتجوز ابن الاكابر

لمحة نيوز

لما "بنت بنوت" تتجوز "ابن الأكابر".. والحما تدوس على كرامة الأم الشقيانة!
​الحاجة "فوزية الهواري" عدلت الغويشة الدهب في إيدها، ونفضت طرف فستانها السواريه الغالي عشان يلمع تحت نجف القاعة في فندق ٥ نجوم في التجمع. القاعة سكتت خالص.. فوزية عارفة إزاي تسيطر على المكان. الفلوس، وسنين المنظرة، والتعود إنها تكون "الكل في الكل" قاموا بالواجب.
​"ليلى" العروسة جسمها اتشد فجأة.. كانت حاسة باللي جاي. طول الفرح وهي شايفة نظرات حماتها اللي زي الرصاص ناحية أمها. شافتها وهي بتوشوش صحباتها وتشاور على البدلة الرمادي المتواضعة اللي لابساها "ستهم"، وشافتها وهي بتلوي بوزها لما "ستهم" كانت بتمسك الشوكة والسكينة وهي مهزوزة شوية.
​"يا ماما أبوس إيدك بلاش،" همس "ياسين" العريس في ودن أمه.
​بس فوزية كانت خلاص مسكت المايك.
​"يا جماعة.. منورين،" بدأت فوزية كلامها. "عايزة أقول كلمتين في حق اختيار ابني."
​القاعة هديت، هدوء ما قبل العاصفة.
​"طبعاً أنا كنت راسمة عروسة تانية خالص لابني. واحدة من مستوانا، من عيلة لها اسم وشنة ورنة،" سكتت ثانية وكملت بابتسامة صفرا: "بس الحب بقى زي ما بيقولوا مبيسألش. هو حبها، بنت بسيطة من عيلة على قد حالها خالص.. وأهو، نصيبنا وهنشيله."
​"ستهم" (أم العروسة) كانت قاعدة في آخر التربيزة، عينيها في طبقها وإيدها محطوطة بهدوء على المفرش الأبيض اللي زي الثلج.
​"المشكلة مش في كدة وبس،" كملت فوزية والشر بيلمع في عينيها، "المشكلة إننا دلوقتي هنشيل العرسان وأهلهم كمان! أصل لما تكون الأم قضت عمرها كله بتغرف أكل لعيال المدارس في (كانتين) مدرسة حكومي،" ضحكت بسخرية، "مفتكرش إننا نقدر نتكلم عن (جهاز) ولا (مهر) يملى العين، مش كدة يا جماعة؟"
​شوية من المعازيم ضحكوا بكسوف، والتانيين بصوا في الأرض. فوزية كانت بتمزج اللحظة.
​"بصوا عليها كدة.. حتى مش عارفة تشتري بدلة شيك تقابل بيها الناس. ماهي ماهية (طباخة) المدارس، زي ما أنتم عارفين، متجيبش رفاهية، لا هنا ولا في أي حتة."
​ليلى قامت فجأة وهي بتعيط وجريت بره القاعة. ياسين جرى وراها، بس فوزية مكنتش شايفة حد قدامها.
​"بس مش مهم،" زودت فوزية، "البنت لقطت اللقطة، ووقعت واقفة. مش هتضطر تدعك حلل لغاية المعاش زي أمها. هتعيش في العز.. على قفانا."
​سكات تقيل نزل على القاعة. صوت كراسي بتتحرك. واحدة من صحبات فوزية حاولت تمسك إيدها عشان تسكت، بس فوزية نفضت إيدها، وسابت المايك على التربيزة وقعدت وهي حاسة بانتصار.
​هنا.. "ستهم" قامت من مكانها بالراحة. من غير استعجال، ومن غير ولا دمعة. طبقت المنديل بتاعها، وحطته جنب طبقها، وبصت لفوزية في عينيها.
​"كتر خيرك على صراحتك يا ست فوزية،" قالتها بصوت واطي بس مسموع في القاعة كلها.
​"أنا دايماً علمت بنتي إن الشغل الحلال مش عيب. أنا بقالي ٣٠ سنة بطلّع أكل لعيال الناس، وعمري ما اتكسفت من ده. الفقر الحقيقي هو فقر القلب يا حاجة.. وده لا دفاتر بنوك بتداريه، ولا دهب بيغطيه."
​فوزية لوت بوزها وجت ترد، بس "ستهم" كملت وهي بتفرد ضهرها وبتاخد خطوة لقدام. صوتها مكنش عالي، بس كان فيه هيبة خلت الناس تتسمّر.
​"يمكن كان الأحسن للكل إني أسكت، إني أبتسم وأبلع الكلام اللي زي السم ده. بس فيه لحظات السكات فيها بيبقى (خيبة وقِلة أصل)."
​القاعة مكنش فيها نَفَس. حتى اللي ضحكوا من شوية، مكنوش بيتحركوا.
​"أيوة، أنا كنت بشتغل في كانتين مدرسة. وفخورة بده. يوم ورا يوم، لسنين طويلة، كنت بتأكد إن فيه طفل مبيتش ببطن فاضية. كنت بعمل ده بكرامتي، وباحترام لنفسي وليهم."
​فوزية ربعت إيدها وهي مخنوقة.
​"بس اللي إنتي متعرفيهوش يا ست هانم،" قالت "ستهم" وهي بتبحلق فيها بقوة، "أنا ليه رحت الشغلانة دي؟ وليه عمري ما مدت إيدي لحد؟"
​لفت وشها للمعازيم وكملت:
​"جوزي كان مسعف في الهلال الأحمر. راجل بسيط بس متربي على الأصول. مات في ليلة غبرة في حادثة وهو بيحاول ينقذ ناس كانت محبوسة في عربية على الطريق السريع. نزل من عربية الإسعاف عشان يسعفهم، وعربية طايشة خبطته ومات في مكانه وهو بيأدي واجبه."
​وشوشة بدأت تملا القاعة. فوزية وشها بدأ يبهت.
​اللي قالته "ستهم" بعد كدة، خلى القاعة كلها تنحني لها.. وعمر ما حد بص للست دي بنفس النظرة القديمة تاني.

الجزء الثاني: "أصول الشقيانين.. وكسرة عين الأكابر"
​القاعة بقت زي المقبرة، مفيش غير صوت مراوح التكييف وصوت "ستهم" الثابت اللي كان بيقطع السكات زي السكينة الحامية في الزبدة. فوزية بدأت تفرك في إيدها، واللمعة اللي في عينيها انطفت.
​ستهم كملت وهي بتبص في عيون المعازيم واحد واحد:
​"جوزي مات بطل، مات وهو بيجيب نَفَس لغيره. وأنا من يومها حلفت إني ما كسرش عيني لحد، ولا أخلي بنتي تمد إيدها. اشتغلت في المدارس، وغرفت لآلاف العيال، وعرقي ده هو اللي طلّع (دكتورة ليلى) اللي ابنك حفا وراها عشان ترضى بيه. بنتي اللي إنتي بتقولي إنها لقطت اللقطة، هي اللي كانت بتذاكر على ضوء شمعة لما كانت الكهرباء بتقطع، وهي اللي كانت بتلبس الجزمة سنتين ورا بعض عشان توفر لي تمن كشف أبوها اللي كان بيخلص على العلاج."
​فوزية حاولت تقاطعها وصوتها بيترعش:
​"خلاص يا ست إنتي.. مش وقت مواجع، إحنا في فرح!"

تم نسخ الرابط