ليله سقوط القناع كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
الحقيقة المرة في قاعة المحكمة الجزء المعدل
وهو بيقدم أوراق الطلاق، مدحت ماكنش متخيل أبدًا إن الحقيقة كلها هتتفرش قدام القاضي وتكشف المستور عن الشقة والعربية.
رزع مدحت كوباية القهوة الساقعة على التربيزة، وضغط على زرار مكنة القهوة بعصبية. قدامه خمس دقايق بس ولازم ينزل. شقتهم القديمة بقت بالنسبة له زي صندوق ضيق، كل ركن فيها بيفكره ب 20 سنة جواز.. الجواز اللي قرر ينهيه من تلات شهور بكلمة واحدة.
افتكرت الأوراق؟
صوت إلهام جه من الطرقة. ما بقتش مراته، بقت مجرد إلهام.
مانسيتش.. مش عيل صغير أنا، رد مدحت وهو بيشرب القهوة المرة.
دخلت إلهام المطبخ. كانت خاسة، والهالات السوداء تحت عينيها مخلياها كأنها كبرت عشر سنين في التلات شهور دول. مدحت بص للناحية تانية، كأنه هربان من مواجهة وشها.
ماكانش له لزوم تيجي، كنت هبعتلك حاجتك لحد عندك، قالتها وهي بتفتح الثلاجة وبترص العلب بإيد بتترعش.
كنت معدي من المنطقة، وبالمرة آخد المفاتيح.
للدرجة دي مستعجل تخلص مني؟
مدحت هز كتافه ببرود
يا إلهام بلاش نبدأ تاني، إحنا بينا اتفاق.
بينا اتفاق؟ رزعت باب الثلاجة وكملت بضحكة وجع طبعاً.. ما أنت طول عمرك اللي بتقرر لوحدك، وعليّا أنا التنفيذ.. 20 سنة على الحال ده.
بص مدحت في ساعته، مش عايز يتأخر
بقولك إيه، مش وقته، المحامي طلب نكون هناك بدري.
محاميك أنت، إلهام ابتسمت ابتسامة مكسورة وسخرت أنا ماعنديش فلوس لمحامين وأنت عارف كدة كويس.
مدحت نفخ بضيق
ما كنتِ خدتي من فلوسنا اللي في البنك.
فلوسنا؟ ضحكت إلهام ضحكة غريبة أول مرة يسمعها هو إحنا كان بينا حاجة مشتركة؟ أنت عمرك ما سيبت في إيدي فيزا ولا قرش أشيله للزمن.
إلهام، بس بقى! قام مدحت فجأة أهو ده اللي خلاني أمشي وأسيب البيت، العيشة بقت لا تطاق.
لا تطاق.. ردت بصوت واطي ودلوقتي حياتي بقت هي اللي جنة.. قاعدة في أوضة وصالة وأنا في الخمسين من عمري.
ما أنا عرضت عليكي أدفعلك إيجار مكان أحسن.
ولحد إمتى؟ لحد ما سها الهانم تطلب منك توقف الدفع؟
مدحت كان لسه هيرد، بس تليفونه رن.. منبه الميعاد.
لازم نمشي.
وصلوا المحكمة في صمت قاتل. مدحت كان سايق العربية الفولكس بتاعتهم، اللي كان طبيعي إنها تفضل معاه، ما هو اللي دفع تمنها.. أو ده اللي كان فاكره.
ابنك طارق هييجي؟ سأل مدحت عشان يكسر الصمت.
لأ.. قال مش قادر يشوف بيت أبوه وأمه وهو بيتهد.
كان المفروض ييجي يساندنا.
يساند مين فينا بالظبط؟
مدحت ما ردش. من يوم ما عرفوا ابنهم بالطلاق وهو مابينطقش معاه كلمة.
دخلوا المحكمة.. طرقات واسعة وصوت خطوات مكتوم وريحة أوراق ومكاتب. قدام القاعة كان المحامي مستني، راجل رفيع بنضارة وماسك ملف تقيل.
مدحت بيه! كله تمام، المحامي
سلم عليه بحماس وهي دي المدام؟
إلهام.. مراتي، رد مدحت بلجلجة.
من غير محامي؟ المحامي استغرب.
أيوه، ردت إلهام بمنتهى الثبات.
المحامي هز كتافه وبص لمدحت
كده أحسن لينا بكتير..
مدحت شاف إلهام بتترعش، سحب المحامي بعيد
خلينا نخلص بسرعة، مش عايز مشاكل.
قعدت إلهام على كنبة خشب في الطرقة، ومدحت كان بيراقبها بطرف عينه.. كانت لامة نفسها ومنكسرة وهي بتلعب في إيد الشنطة. حس بوجع خفيف في قلبه.. هل ده ذنب؟ لأ، ده توتر بس.
المحامي همس لمدحت
بص يا سيدي، الموضوع بسيط. الشقة اتمسحت في الجواز بس بفلوسك أنت، والعربية باسمك، والفلوس اللي في البنك تتقسم بالنص ودي نكسبها في ثواني.
تمام، هي أصلاً مش هتعارض.
لكن لما ندهوا عليهم، مدحت اتفاجئ بزحمة قدام الباب. شاف حماه راجل وقور وساند على عكازه وحماته، وأخو إلهام ومراته. كلهم بصوله نظرة باردة من غير حتى سلام.
إيه ده يا إلهام؟ شدها من دراعها أهلك جايين ليه؟
جايين لوحدهم.. أصل أنا ليا أهل بيخافوا عليا، قالتها ودخلت القاعة.
مدحت حس إن في حاجة غلط.. غلط قوي.
سيادة القاضي بدأ الجلسة بنبرة حازمة، ومدحت واقف مفرود الظهر، واثق إن كل حاجة ماشية زي ما رتب لها.. لحد ما وصلنا لتقسيم الممتلكات.
بناءً على طلب المدعي، هو بيطالب بالشقة والعربية الفولكس، القاضي بص في الورق إيه ردك يا مدام إلهام؟
محامي مدحت قام وقف
يا سيادة القاضي، الشقة والعربية من مال موكلي الخاص، والزوجة ما ساهمتش بمليم، كانت ممرضة ومرتبها يدوبك.
مدحت بص لإلهام، كانت قاعدة وضامة شفايفها بقوة.
مدام إلهام، أنتي موافقة على الكلام ده؟ سأل القاضي.
إلهام وقفت، وبصتها اتغيرت تماماً.. بقت حادة وزي السيف
لأ يا سيادة القاضي، مش موافقة.
مدحت اتخشب في مكانه.
اتفضلي قولي أسبابك، القاضي ساب القلم وركز معاها.