بعد اسبوعين بس ولادتي القيصرية

لمحة نيوز

بعد أسبوعين بس من ولادتي القيصرية، كنت قاعدة برضع ابني المولود الجديد في بيت حمايا وحماتي، لما حماتي قربت من ورايا وبمقص المطبخ قصت شعري اللي قعدت سنين أطوله . لكن حمايا دخل في اللحظة دي، وشاف اللي عملته، وطلع حاجة خلّت وشها يِجيب ألوان والدم يهرب من عروقها.
كان نور العصر هادي ونازل على صالة بيت حمايا. كنت قاعدة على طرف الكنبة والبيبي بين إيديا، وكل عضلة في بطني تحت ضلوعي كانت لسة بتصرخ من وجع القيصرية اللي عملتها من أسبوعين.
إيدي التانية راحت من غير ما أحس لخصلات شعري الطويل اللي واصل لحد وسطي، ودي كانت الميزة الوحيدة اللي واخدها من أمي الله يرحمها وشبهها فيها.
جوزي طارق كان بايس دماغي الساعة خمسة الصبح قبل ما يسافر في رحلة شغل هتقعد تلات أيام.
سألني وهو قلقان أنتي متأكدة إنك هتبقي كويسة هنا يا حبيبتي؟
قلتله هبقى كويسة، متقلقش.
وقف شوية على الباب ومتردد وقال أمي ساعات بتبقى... يعني حاولي متاخديش كلامها على أعصابك، ماشي؟
ابتسمت وقلتله أنا عمري ما بزعل منها.
وده طبعاً كان كدب، بس من نوع الكدب اللي بيعدي المراكب السايرة وبيحافظ على بيوتنا هادية.
حماتي كريمة دخلت الصالة بعد ما طارق مشى بحوالي ساعة. بصتلي وبصت لطرف شعري اللي كان مفرود على الكنبة، وبوزت شفايفها بضيق وقالت عش الغراب ده مالي المكان تاني!
وطبعاً ده كان تجني وكدب.
رديت عليها بصوت واطي ومكسور أنا آسفة يا طنط، هلمه وأضفره أول ما البيبي يخلص رضاعة.
نَفخت بضيق، وحركت كباية المية بتاعتي حوالي ٣ سم لشمالها من غير أي سبب مفهوم، ومشيت.
في الوقت ده، افتكرت إنها مجرد كلمة سمجة من كلماتها المستفزة المعتادة، مكنتش أعرف إن الظهرية دي هتغير كل حاجة.
في اللحظة دي دخل حمايا عم رأفت، وبص لمراته نظرة طويلة من غير ما يتكلم، وبعدها خرج الجنينة.
أنا لاحظت الموضوع ده فيه على مدار السنة اللي فاتت؛ كل ما كريمة صوتها يعلى وتتحول، عم رأفت كان بيشوف أي حتة تانية يهرب فيها ويسيب المكان.
ابني بدأ يتحرك في حضني، ويدور بياكل في صوابعه، جعان تاني. حركته براحة وبحرص شديد عشان الجرح. شعري نزل القدام على كتفي، فلميته بإيدي وحطيته براحة على مسند الكنبة ورايا عشان ميتعلقش في غطا البيبي.
الولد بدأ يرضع، وأنا أخدت أصغر تنهيدة ارتياح حسيتها طول اليوم.
وفجأة من ورايا، في الطرقة، سمعت خطوات حماتي كريمة.. خطوات بطيئة، منتظمة، وبتقرب.
لو كنت أعرف إيه اللي هيحصل، عمر ما كنت هديها ظهري أبداً.
مألتفتش ورايا أبص مين.
وفجأة سمعت صوت قص تششش قبل حتى ما عقلي يستوعب الصوت.
حسيت ببرودة المعدن وعضّة مقص حامية ورا رقبتي مباشرة. وبعدها حسيت بخفة غريبة، كأن فيه ستارة تقيلة كانت على ضهري واتشالت فجأة.
مفهمتش إيه اللي بيحصل غير لما شفت خصلة تخينة من شعري نازلة من على كتفي ووقعت فوق غطا ابني.. كانت غامقة وواضحة جداً فوق القماش الأصفر الفاتح.
بصيت للشعر وأنا مبرقة من الصدمة.
وسمعت صوت قصة تانية.. وحتة تانية وقعت.. وبعدها حتة كمان.
ابني كان لسة بيرضع، بوقه الصغير بيتحرك، وعينيه نص مقفولة، ومش حاسس بحاجة خالص.
على ما فقت من صدمتي وقدرت أتحرك، كانت كريمة خلاص قصت نص شعري.
صرخت بوجع وعياط أنتي بتعملي إيه؟!
المقص مكنش بيوقف ورايا.. شغال بسرعة وقسوة، قصات صغيرة وفيها شماتة.
قالت كريمة بصوت كله فرحة ومرح مستفز بس كدة! كدة أحسن بكتير.
لفت من ورا الكنبة ووقفت قدامي، وكانت ماسكة ديل الحصان اللي قصته من شعري ورافعاه لفوق كأنها صياد ماسك سمكة اصطادها!
شعري اللي كان لحد وسطي.. شعر أمي.. متعلق في قبضتها!
بصتلي وهي بتضحك وقالت أنتي بقا ليكي جوز دلوقتي يا هناء، ملوش لزمة الشعر الطويل المسهوك ده عشان تلفتي بيه نظر رجالة تانية.. مش البنات اللي زيك بيستعملوه عشان كدة برضه؟
الدموع كانت بتنزل على خدودي ومكنتش قادرة حتى أمسحها؛ لأن إيديا الاتنين كانوا شايلين ابني. فتحت بوقي عشان أتكلم بس مفيش صوت طلع. كنت حاسة بالأطراف المشرشرة والمقصوصة لباكي شعري وهي بتخبط في فكي ورقبتي.. إحساس غريب ومرعب.
كنت حاسة إني عاجزة، ومربوطة في مكاني عشان ابني بيرضع ومقدرش أتحرك. مكنتش متخيلة إن فيه حد هينصفني بعد دقايق معدودة.
قالت كريمة وهي بترمى ديل الحصان الشعر المقصوص على ترابيزة الصالون كأنه تحفة أنتي هتشكريني في يوم من الأيام، لما تبطلي تمثلي وتعيشي في دور مش دورك.
في اللحظة دي باب البيت الوراني اتفتح.
دخل عم رأفت من الجنينة، وكان لسة لابس جوانتي الزرع وفي طين على دراعه.
وقف أول ما دخل الصالة.
بصلي، وشاف وشي المليان دموع، والبيبي اللي بيرضع في حضني، والشعر المتطور على الغطا وعلى الأرض.
بعدها بص لمراته، وحواجبة اتقفلت لما شاف المقص في إيدها.
سألها بصوت واطي وبيترعش من الغضب كريمة.. أنتي عملتي إيه؟
ردت ببرود أوه، جرى إيه يا رأفت اهدى! أنا بحمي عيلتنا. البنت دي اتجوزت ابنك عشان فلوسه وكلنا عارفين كدة، أنا بس اتأكدت إنها مش هتعرف تستخدم ألاعيبها دي مع حد تاني.
عم رأفت قلع جوانتي الزرع وحطه على الترابيزة اللي جنبه.. براحة جداً، واحدة واحدة. كل حركة منه كانت هادية وموزونة بشكل مرعب.
أنا افتكرت إنه كالعادة هيطنش ويهرب من المواجهة زي ما بيعمل دايماً، بس اللي حصل إن عم رأفت كان بيجهز لها حساب عسير.
سألني وهو مش باصصلي هناء.. الولد كويس؟
هزيت راسي وأنا برتعش بمعنى آه.
قالى تمام، خليكي مكانك ورضعيه، متقوميش خالص.
زعقت كريمة وقالت رأفت! جرى لك إيه في إيه؟ ده شوية شعر وهيطلع تاني! أنا عملت فيها ثواب وعملت لها خدمة.
لفت رأسه ليها وبصلها أخيراً.. وفي اللحظة دي، كفة الميزان اتقلبت تماماً.
رد عليها وكرر كلامها خدمة؟ أنتي تقصي شعر مرات ابنك وهي بترضع حفيدنا وتقولي خدمة؟! هي طلبت منك تعملي كدة؟
ضحكة كريمة هديت شوية وقالت باهتزاز أوه، متبقاش درامي كدة يا رأفت. روح اغسل إيدك وأنا هعمل شاي وننسى النكش الصغير ده.
لكن عم رأفت متحركش ناحية المطبخ. بدال كدة، مد إيده في الجيب الجواني لجاكتته.
واللي طلعه من جيبه غير مجرى الكلام كله!
طلع ورقة مطوية.
وقال بصوت جهوري كريمة.. اقعدي.
صوتها اتمط وبقى رفيع ومذعور وقالت مش هقعد! رأفت.. إيه الورقة دي؟
مردش على سؤالها، وبصلي أنا.. ولأول مرة من يوم ما دخلت العيلة دي، أشوف في عينيه نظرة تانية خالص. عرفت ساعتها إنه كان مراقب كل حاجة، وكان مستني اللحظة المناسبة عشان يضرب ضربته.
قالى بحنان هناء.. أنا آسف إني اتأخرت عليكي كل ده.
بعدها التفت لمراته، فرد الورقة وحطها على ترابيزة الصالون جنب ديل الحصان المقصوص.. كأنه بيحط حرزين أو دليلين جريمة جنب بعض.
كريمة بصت للورقة، وعينيها اتسعت وهي بتقرأ الكلام، وفجأة نفَسها اتقطع!
همست برعب رأفت... أنت أكيد مش بتتكلم جد!
قالها أنا بتكلم جد جداً. أنا طلبت من المحامي بتاعي يجهز ورق الطلاق ده من فترة.. والنهاردة كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير.
الصالون بقى حتة من المقبرة.. مفيش صوت.
عينيها راحت له بزعل وزعيق أنت مجنون؟ كل ده عشان دي؟!
 

تم نسخ الرابط