هدية حماتي كتاب الطبخ الجزء الاول حكايات مني السيد
الجزء الأول
أهو يا حبيبتي، أتمنى على الأقل تعرفي تستخدمي ده!
حطّت حماتي كتاب طبخ قدامي، وابتسمت ابتسامة سخيفة، وسط حوالي تلاتين شخص متجمعين حوالين الترابيزة.
كنا عاملين غدا بمناسبة خطوبتي على ابنها، في فيلا فخمة في التجمع الخامس. المكان كان متزيّن بالورد الأبيض، والسفرة مليانة أكل، والجارسونات بيتحركوا بين الضيوف، وكل حاجة كانت بتقول إننا عيلة راقية ومفيش زيّنا اتنين.
فتحت الهدية.
الطبخ للمبتدئين.. خطوة بخطوة.
وأول ما فتحت الصفحة الأولى، لقيت حماتي كاتبة بإيدها
عشان ابني مايفضلش طول عمره ياكل أكل بايت بعد ما يتجوزك.
أختين جوزي المستقبلي انفجروا في الضحك.
أما أنا، فبصيت للكتاب في هدوء، وقفلتُه تاني.
خطيبي، كريم، حط الشوكة من إيده وقال بضيق
ماما!
ردت بكل برود
مالك يا حبيبي؟ دي هدية مفيدة أهي!
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة وقلت
متشكرة يا طنط نادية.
ابتسامتها اتهزت للحظة.
هي كانت مستنية إني أتعصب، أو أحرجها قدام الناس، أو حتى أرد عليها بكلمة تضايقها.
لكن اللي هي ماكنتش تعرفه، إني بقالي شهرين مستنية أشوف هي ممكن توصل لإيه، لما تفتكر إن اللي قدامها مالهاش قيمة في نظرها.
كل حاجة بدأت من أول يوم كريم عرّفني فيه على أهله رسمي.
ساعتها حماتي سألتني
إنتِ شغالة إيه يا مريم؟
رديت بكل بساطة
دكتورة في مستشفى القصر العيني، تخصص جراحة القلب والصدر.
ماكنتش لحقت أكمل كلامي، لقيتها بتقاطعني وتقول
آه، يعني بتشتغلي في المستشفى وبتتعاملِي مع المرضى طول اليوم؟ يا حبيبتي، دي شغلانة متعبة أوي! أنا شخصيًا ماقدرش أفضل طول النهار وسط الډم والچروح دي.
بصيت لها باستغراب.
الغريب إنها كانت بتتكلم عن شغلي كأنه حاجة تقلل مني، مع إن تخصصي من أصعب التخصصات الطبية، وكنت قضيت سنين طويلة من عمري بين الدراسة والتدريب والمناوبات الطويلة، عشان أوصل للمكان اللي أنا فيه.
المشكلة ماكنتش إنها مش فاهمة طبيعة شغلي.
المشكلة كانت في الطريقة اللي بتتكلم بيها، كأنها بتتكلم عن واحدة شغالة عندها في البيت، مش دكتورة بتتعامل مع حالات بين الحياة والمۏت كل يوم.
كريم حاول يصحح لها كلامها وقتها، لكني لمست رجله من تحت الترابيزة عشان يسكت.
مش لأني مكسوفة من شغلي، بالعكس.
أنا كنت فخورة بكل لحظة تعبت فيها عشان أوصل للي أنا فيه.
لكن كان عندي فضول أعرف حاجة واحدة
هي فعلًا شايفاني أقل منها، ولا هي بتتعمد تقلل مني لأنها مش عايزاني لابنها؟
والإجابة ما اتأخرتش كتير.
في عزومة عائلية بعدها بأيام، حماتي فضلت تتكلم عن أهمية إن كريم يتجوز واحدة من نفس مستواه الاجتماعي، واحدة تكون فاهمة طبيعة حياته وتليق باسم العيلة.
وفي حفل خيري كبير، كنت مدعوة أحضره مع كريم، لقيتها حاطة اسمي على ترابيزة بعيدة عن الترابيزة الرئيسية.
ولما سألتها عن السبب، ابتسمت وقالت
الترابيزة الرئيسية محجوزة لكبار المسؤولين ورجال الأعمال والدكاترة الكبار يا مريم. أكيد إنتِ فاهمة قصدي.
ما رديتش.
لكن اللي حصل في الحفلة دي خلاني أشك إن الموضوع أكبر من مجرد تعليقات سخيفة.
دكتور سامح، واحد من أشهر جراحي القلب اللي اشتغلت معاهم قبل كده، لمحڼي وسط الحضور، وجالي بنفسه يسلم عليا.
ابتسم وقال
يا دكتورة مريم، ألف مبروك! سمعت عن الحالة اللي أنقذتيها الأسبوع اللي فات. شغل ممتاز بجد.
قبل ما ألحق أرد، لقيت حماتي ظهرت فجأة بينا، وقالت وهي بتضحك ضحكة مصطنعة
دكتور سامح بيحب يجامل الناس يا جماعة، دي طبيعته مع الكل!
الدكتور سامح بص لها باستغراب، وبعدين بص لي، كأنه مش فاهم هي بتقول إيه بالضبط.
أما أنا، فبدأت أحس إن فيه حاجة غلط بتحصل من ورايا.
والإشارة التانية ظهرت بعدها بأسبوع.
منظمة الفرح بعتتلنا نسخة
مبدئية من كشف المدعوين وتوزيع الترابيزات.
فتحت الملف، وبدأت أدور على اسمي، لحد ما عيني وقعت عليه.
مريم أحمد قسم التمريض.
فضلت باصة للشاشة كام ثانية.
أنا فاكرة كويس إني مليت البيانات بنفسي، وكتبت اسمي بالشكل ده
الدكتورة مريم أحمد جراحة القلب والصدر.
بعت لمنظمة الفرح رسالة وسألتها عن سبب التغيير.
ردت عليا بعد حوالي ساعة
أنا كنت فاكرة إن ده خطأ في البيانات، وهراجع الموضوع وأرد عليكي.
لكنها ما رجعتش ردت عليا تاني.
ولما حكيت لكريم اللي حصل، مسح وشه بإيده وقال بعصبية
أنا هتكلم مع ماما في الموضوع ده.
قلت له بهدوء
أنا مش عايزة خناقة بينك وبينها.
رد عليا بجدية
يا مريم، فيه فرق بين إن حد يغلط من غير قصد، وبين إنه يتعمد يعمل كده.
بصيت له وقلت
عارفة، وعشان كده أنا عايزة أتأكد الأول. مش كل مرة حد يضايقني أعمل مشكلة، لكن في نفس الوقت مش هسمح لحد يقلل مني.
وعشان كده، يوم غدا الخطوبة، قررت إني أراقب كل حاجة بتحصل، وأسمع أكتر ما أتكلم.
كنت عايزة أعرف هي ناوية توصل لإيه بالضبط.
لكن واضح إن طنط نادية كانت مجهزة مفاجأة أكبر.
رفعت كوباية العصير وقالت بصوت مسموع لكل اللي قاعدين
بصراحة، كريم طول عمره دقيق في اختياراته، وكنت متوقعة إنه يتجوز واحدة من نفس مستوانا، لكن الحب ساعات بيخلّي الواحد ياخد قرارات غريبة!
بعض الناس نزلوا عينيهم في الأرض، والبعض التاني سكت تمامًا.
كريم زق كرسيه لورا، وقال پغضب
خلاص يا ماما، كفاية لحد كده!
ردت بكل برود
هو أنا قلت إيه يعني؟ أنا ما غلطتش في حد!
وبعدين بصت لي وقالت
يا مريم، إنتِ عارفة إني بحبك، بس أنا شايفة إن الجواز الناجح لازم كل واحد فيه يعرف دوره كويس.
رفعت عيني ليها وسألتها
ودوري إيه يا طنط نادية؟
ابتسمت وقالت من غير أي إحراج
إنك تهتمي بجوزك، وتكوّني أسرة، وتعرفي تريحيه في بيته. مش كل يوم تجري على المستشفى وتسيبيه لوحده!
كنت لسه هرد عليها، لكن موبايلي رن.
بصيت للشاشة، ولقيت رقم داخلي من مستشفى القصر العيني.
رديت فورًا.
صوت زميلتي جالي سريع ومتوتر
يا دكتورة مريم، عندنا حاډثة كبيرة على الدائري، وفيه مصابين كتير داخلين الطوارئ، ومن ضمنهم حالة إصابتها في الصدر خطېرة جدًا. محتاجينك حالًا!
قمت من مكاني من غير تردد.
كريم سألني بقلق
فيه إيه يا حبيبتي؟
قلت وأنا بلم شنطتي
فيه حالات خطېرة في المستشفى ولازم أروح.
حماتي بصت في ساعتها وقالت باستهزاء
دلوقتي؟ وإنتِ في نص الغدا؟
رديت وأنا بلبس الجاكيت
أيوه، دي حالات طوارئ.
هزت راسها وقالت بسخرية
ما هو لما الأيدي تقل، بينادوا على أي حد!
كريم خبط بكف إيده على الترابيزة وقال بصوت عالي
ماما! كفاية بقى!
لكن أنا حطيت إيدي على دراعه وقلت له
سيبها يا كريم.
بص لي باستغراب
أسيبها إزاي وهي بتكلمك بالطريقة دي؟
مسكت كتاب الطبخ اللي ادتهولي، وحطيته في شنطتي، وبعدين قلت له
عندي حاجة أهم أعملها دلوقتي.
ومشيت.
بعد نص ساعة، كنت لابسة ملابس العمليات، وبستعد لاستقبال المصابين.
الليلة كانت طويلة وصعبة، وكل دقيقة كانت بتفرق في حياة حد.
فضلنا شغالين لساعات، لحد ما قدرنا نستقر بالحالة بتاعة آخر مصاپ خطېر.
كانت الساعة ستة وأربعين دقيقة الصبح لما أخيرًا قعدت خمس دقايق أشرب قهوة، لكن حتى القهوة ما لحقتش أكملها.
في الساعة سبعة واثناشر دقيقة، جهاز النداء الخاص بيا رن من جديد.
حالة طوارئ في جراحة القلب والأوعية الدموية.
رجل عنده ستة وستين سنة.
ألم مفاجئ وحاد في الصدر.
هبوط شديد في ضغط الډم.
اشتباه في تسلخ حاد بالشريان الأورطي من النوع الأول.
قمت من مكاني فورًا،
ونزلت على قسم الطوارئ.
زميلي سلّمني ملف المړيض، وقال بسرعة
الأشعة المقطعية أكدت وجود تسلخ في الشريان الأورطي الصاعد، والمشكلة بدأت تمتد ناحية قوس الشريان. ضغطه بينزل بسرعة، ولازم يدخل العمليات فورًا.
فتحت الملف، وبصيت