هدية حماتي كتاب الطبخ الجزء الاول حكايات مني السيد

لمحة نيوز

على الاسم المكتوب في الصفحة الأولى.
الحاج محمود عبدالسلام.
اتجمدت مكاني.
قريت الاسم مرة تانية.
وبعدين تالت مرة.
محمود عبدالسلام.
والد كريم.
جوز الست اللي من كام ساعة بس كانت قاعدة وسط تلاتين شخص، وبتشرح لهم إني مش مناسبة لابنها، وإن أقصى دور ليا في الحياة إني أطبخ وأهتم ببيتي!
زميلي لاحظ إن ملامحي اتغيرت، فسألني
دكتورة مريم، حضرتك تعرفي الحالة؟
قفلت الملف، وخدت نفس عميق.
أيوه، أعرفه.
بصيت تاني على الأشعة، وركزت في تفاصيل الإصابة.
مفيش وقت للزعل، ولا للخلافات العائلية، ولا لأي حسابات شخصية.
قدامي مريض حالته حرجة، وحياته في خطړ، ولازم أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أنقذه.
رفعت راسي وقلت بحزم
جهزوا غرفة العمليات فورًا، وفعّلوا فريق جراحة الشريان الأورطي. واتصلوا بالدكتور شريف البنا، لازم يكون موجود معانا كدعم إضافي.
الممرض رد بسرعة
الدكتور شريف بعيد عن المستشفى بحوالي أربعين دقيقة يا دكتورة.
بصيت له بجدية وقلت
الحاج محمود مش معاه أربعين دقيقة!
وبعدين اتحركت ناحية غرفة العمليات وأنا بقول
جهزوا كل حاجة حالًا. مفيش ثانية واحدة نضيّعها!
وفي اللحظة دي، مكنتش أعرف إن المكالمة اللي هتوصّل خبر دخول والد كريم المستشفى لحماتي، هتغيّر كل حاجة.
ولا كنت أعرف إن الست اللي أهانتني قدام العيلة كلها، هتكتشف قريب جدًا إن البنت اللي كانت شايفاها أقل من ابنها، هي نفسها اللي ممكن تكون السبب في نجاته.
الجزء التاني
تفتكروا الإنسان ممكن ينسى كرامته في ثانية واحدة لما يلاقي حياة أعز حد عنده معلقة على إيد الشخص اللي داس عليه بالأمس؟
الممر كان بيجري تحتي، وصوت عجلات التروللي وهو بيتحرك بسرعة على بلاط المستشفى كان بيعمل صدى يرعب أي حد، إلا إحنا.. الدكاترة اللي اتعودوا إن كل ثانية تأخير تمنها كفن.
دخلت أوضة التعقيم، وبدأت أغسل إيدي بالمطهر. الميّة الساقعة كانت بتنزل على إيدي وتفوقني، لكن عقلي كان شغال بأقصى طاقة. مش عشان ده حمايا المستقبلي، لأ.. عشان دي حالة Type A Aortic Dissection، يعني المۏت حرفيًا على بعد ميليمترات، وجدار الشريان الأورطي الصاعد بينفجر، والدم ممكن يحبس حوالين القلب في أي لحظة ويوقفه نهائيًا.
مسحت إيدي بالفوطة المعقمة، ولبست الجاون والماسك، وبصيت لفريقي من ورا النظارة الشفافة
ضغطه كام دلوقتي؟
دكتور التخدير رد بصوت متوتر
سبعين على أربعين، والنبض طالع لمية وعشرين، وفيه تجمع دموي واضح حوالين غشاء التامور.. هيبدأ يضغط على القلب يا مريم، مش هيستحمل عشر دقايق تانية!
قلت بحزم وأنا بمد إيدي للممرضة عشان تديني المشرط
مفيش انتظار للدكتور شريف. هنفتح دلوقتي حالا.. حطوه على ماكينة القلب والرئة الصناعية، وبدّلوا التبريد. جهزوا وصلة الشريان، وبنك الډم يبعت ست أكياس ډم فريش فورًا!
في اللحظة اللي حطيت فيها المشرط على صدر الحاج محمود، نسيت تمامًا الغدا الفخم، والورد الأبيض، والفيلا بتاعة التجمع، وكتاب الطبخ اللي مرمي في شنطتي بره. نسيت حتى كريم.. قدامي إنسان بيصارع عشان النفس، وجواه شريان متمزق پينزف، ومسؤوليتي إني أرجعه للحياة.
بره، في نفس التوقيت، كانت الشمس طالعة على فيلا التجمع الخامس.
الست نادية كانت لسه صاحية، لابسة الروب الحرير بتاعها، وقاعدة في التراس بتشرب النسكافيه الصباحي، وبتبص في مجلة ديكور. كريم كان نايم في أوضته، زعلان ومقهور من الطريقة اللي أمه عاملتني بيها، ورافض يكلمها من ساعة ما سيبت الغدا ومشيت.
رن جرس الباب پهستيريا.
شغالة الفيلا
جرت تفتح، ودخلت تجري على التراس ووشها أصفر
يا هانم! الحقيني يا نادية هانم!
نادية نزلت المجلة وبصتلها بقرف
في إيه يا غبية پتصرخي كده ليه على الصبح؟ البيه الكبير لسه نايم جوه في أوضة المكتب ولا صحي؟
البيه الكبير مش جوه يا هانم! ده عم رجب السواق على الباب، بيقول البيه وقع منه فجأة في العربية وهو بيوصله لاجتماع الصبح، وجري بيه على المستشفى!
نادية وقفت، والفنجان وقع من إيدها اتدشدش على الرخام
مستشفى إيه؟! انطقي!
القصر العيني يا هانم!
نزلت نادية تصرخ، والصوت صحى كريم اللي نزل يجري بالتريننج وهو مش فاهم فيه إيه، وأخواته البنات سارة وشيرين خرجوا من أوضهم مرعوبين. في دقايق معدودة، كانت عربية كريم بتطير على كوبري أكتوبر، ونادية قاعدة جنبه بتلطم على وشها وبتعيط باڼهيار
أبوك يا كريم! أبوك هيضيع مني! السواق بيقولي كان بيمسك صدره وپيصرخ من الۏجع ووشه كان أزرق! يا رب استر يا رب، مش هعيش من بعده!
كريم كان ماسك الدريكسيون بإيدين بترتعش، وعينه على الطريق، وبيحاول يطمنها بالعافية
اهدي يا ماما، القصر العيني فيه كبار أساتذة القلب في مصر، بابا هيبقى كويس إن شاء الله، اهدي بس!
وصلوا المستشفى.
نادية دخلت من الباب الرئيسي، مكنتش قادرة حتى ترفع راسها زي ما كانت متعودة تعمل وهي داخلة أي مكان عام، الست المتكبرة اللي كانت بتبص للناس بقرف، بقت بتجري وتتعثر في الممرات، ماسكة في دراع ابنها ودموعها بهدلت الميك اب والبرستيج كله داب في لحظة.
سألوا في الاستقبال، والموظف رد عليهم ببرود روتيني
الحاج محمود عبدالسلام؟ في العمليات الكبرى، الدور التالت، جراحة قلب وصدر مفتوح.
طلعوا يجروا على فوق. الممر الطويل قدام العمليات كان هادي بطريقة تخنق. لقوا السواق واقف بره بيعيط وهدومه متوسخة من شيل الحاج محمود.
نادية هجمت عليه
رجب! قولي إيه اللي حصله؟ مين الدكاترة اللي جوه؟ جبتوله أكبر دكتور هنا؟!
رجب رد وهو بيبلع ريقه
يا هانم أنا أول ما شوفته پيتألم كده دخلت بيه على طول، الدكاترة في الطوارئ اتلموا وقالوا ده شريان منفجر، وكلموا دكتورة كبيرة متخصصة هي اللي دخلت بيه العمليات حالا، وقالوا لو دخل بعد دقيقة كمان مكنش لحق!
نادية قعدت على الكراسي البلاستيك الزرقاء، الكراسي اللي في يوم عادي مكنتش تقبل حتى تحط شنطتها الماركة عليها، مسكت دماغها بإيديها وفضلت تنهنه
دكتورة مين؟ كلملي رئيس المستشفى يا كريم! كلم وزير الصحة! إحنا عيلة عبدالسلام، إزاي يسيبوا دكتورة عادية تفتح صدر أبوك؟ لازم دكتور شريف البنا بنفسه هو اللي يمسك الحالة!
كريم مسك تليفونه، وبدأ يتصل بمعارفه، وفعلا وصل لرقم الدكتور شريف البنا، اللي كان وقته في طريقه للمستشفى.
ألو، دكتور شريف؟ أنا كريم محمود عبدالسلام.. والدي جوه في العمليات، أرجوك قولي مين اللي معاه، ومحتاجينك فورًا تيجي تتولى الجراحة بنفسك، الفلوس مش مهمة، أي مبلغ تطلبه!
صوت الدكتور شريف جه من السماعة هادي وواضح
يا كريم بيه، اهدا واسمعني كويس. أنا في الطريق وفاضلي نص ساعة بسبب زحمة كوبري قصر النيل. لكن اطمن تمامًا، والدك بين إيدين أشطر وأدق جراحة قلب شابة في مصر كلها. هي الوحيدة اللي بتعرف تتحكم في تسلخ الأورطي المعقد ده بثبات انفعالي مش موجود عند أساتذة كبار. اطمن، والدك مع الدكتورة مريم!
كريم اتجمد مكانه
مين؟! الدكتورة مين يا فندم؟!
الدكتورة مريم أحمد. هي اللي ماسكة المشرط دلوقتي، ولو حد في الدنيا دي بعد ربنا يقدر ينقذ الحاج محمود
النهاردة، فهي مريم. ادعيلها وادعي لوالدك.
التليفون نزل من إيد كريم بالراحة.
نادية وقفت وبصتله بلهفة
قالك إيه يا كريم؟ مين الدكتور العبقري اللي جوه؟ هيخرج يطمنا إمتى؟
كريم بصلها بنظرة مليانة خليط غريب من الصدمة، والحزن، ونوع من العتاب اللي يكسر الضهر
الدكتور العبقري اللي جوه، وواقف بين بابا وبين المۏت دلوقتي.. هي مريم يا ماما.
السكوت نزل على الممر زي التلج.
نادية فتحت بؤها،
تم نسخ الرابط