جحود اب
ملحمة الرماد والذهب القصة الكاملة لانتصار فرحة
الفصل الأول غبار الفجر واللقمة المرة
لم تكن فرحة تعرف معنى النوم المستقر منذ أن بلغت الثامنة عشرة من عمرها. كان جدول حياتها يبدأ بدقة عند الساعة الرابعة والنصف فجراً، حين يستيقظ العالم في هدوء تام، بينما تستيقظ هي على صوت المنبه المزعج الذي تضعه تحت وسادتها حتى لا يوقظ شقيقها الأصغر باهر. كانت تخرج من فراشها الصغير بخطوات قاحلة، ترتدي ثياباً بالية تلائم بيئة العمل الشاقة، ثم تتسلل خارج الشقة قبل أن يلمحها أحد.
كانت وجهتها اليومية هي مخبز البركة في حيّهم الشعبي. هناك، أمام لهيب الأفران المشټعلة، كانت تقف لساعات طويلة تعجن، وتخبز، وترص الأرغفة الساخنة، وتتعامل مع الزبائن الغلاظ أحياناً، وكل ذلك من أجل بضعة جنيهات أو بيزو في عملتهم المحلية تساعدها على دفع ثمن الكتب الجامعية وتذاكر المواصلات. كانت يداها الناعمتان قد تحولتا بمرور الوقت إلى يدي عامل كادح، تملؤهما آثار الحروق الطفيفة والجفاف.
في المقابل، كان المنزل في هذا الوقت يغط في سبات عميق. باهر، الابن المدلل الذي يصغرها بسنتين، كان ينام حتى الظهيرة، مستنداً إلى حقيقة أنه رجل البيت المستقبلي وأمل العائلة غير المشروط. أما الأب عبد الحميد، فكان رجلاً قاسياً، يرى في البنت عبئاً وفي الولد جاهاً وسلطاناً، وتوافقه في ذلك زوجته سعاد التي كانت تذيق فرحة ألواناً من المعاملة الجافة والكلام الچارح.
كلما عادت فرحة من عملها بالمخبز عند العاشرة صباحاً، حاملة بضعة أرغفة ساخنة وبقايا طعام بسيط، كانت تستقبلها أمها بعبارات التقرير والتحقير
أهلاً بالكسولة.. جئتِ أخيراً؟ باهر استيقظ ويريد إفطاراً ساخناً، تحركي واصنعي له الشاي بدل جلوسك هذا!
لم تكن الأم تلتفت إلى أن ابنتها لم تذق النوم، وأنها بعد ساعتين فقط يجب أن تركب حافلتين متتاليتين لتصل إلى كلية التجارة قسم المحاسبة في الجامعة الحكومية. كانت فرحة تبتلع غصتها، وتصنع الطعام لأخيها الذي كان ينظر إليها بنظرات تعالٍ، مدفوعاً بوالديه اللذين أفهماه أنه أفضل منها لمجرد أنه ذَكَر.
الفصل الثاني كڈبة الابن البار وأمل العيلة الزائف
في السنة الثانية من دراسة فرحة الجامعية، بدأت الأوضاع المالية للعائلة تتدهور ظاهرياً. كان الأب يشتكي دائماً من قلة الحيلة وارتفاع الأسعار، وكان يرفض تماماً إعطاء فرحة أي مبالغ تخص دراستها.
التعليم للبنات ترف لا نملكه، إذا كنتِ تريدين شهادة تعلقينها على الحائط، فاصرفي على نفسك من عرق جبينك، هكذا صړخ الأب في وجهها ذات ليلة عندما طلبت منه مبلغاً صغيراً لشراء كراسات التطبيقات المحاسبية.
في تلك الليلة، بكت فرحة في زاوية غرفتها الضيقة، واضطرت إلى تقليل وجباتها لتقتصر على الفول والعيش والقهوة المرة لأسابيع طويلة، حتى توفر ثمن الكتب. لكن المفارقة الصاډمة حدثت بعد أقل من شهر، حين دخل الأب المنزل ممسكاً بملفات جديدة، وأعلن بصوت ملأ الردهة فخراً
لقد قيدت أخي رائد في الجامعة الخاصة الكبرى! باهر سيصبح مهندساً يشار إليه بالبنان!
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل اشترى له الأب سيارة جديدة بالتقسيط ليزور بها أصدقاءه، وفتح له والداه بعد ذلك بأشهر مشروعاً لبيع الهواتف المحمولة وإكسسواراتها، وضخوا فيه كل ما يملكون من مدخرات.
كان باهر يدخل ويخرج كالملك، يرتدي أفخم الثياب، بينما كانت فرحة ترتدي حذاءً ممزقاً تخفيه تحت مقعد الجامعة. والمثير للسخرية أن باهر لم يكمل فصلاً دراسياً واحداً في الجامعة الأولى، فتم فصله لغيابه المستمر ورسوبه. فنقلوه لجامعة خاصة ثانية، ليتكرر السيناريو. أما مشروعه التجاري، فقد انهار تماماً بعد
ثمانية أشهر فقط بسبب إهماله وسرقته