شر مرات ابني

لمحة نيوز

تلك هي حكايتي يا بني، حكاية الغدر الذي ظنّ صاحبه أنه يملك مفاتيح البيوت والقلوب، حكاية الخيوط التي نسجتها تلك الفتاة بذكاء ثعبان، لكنها نسيت أن بيتي هذا بُني بالصبر والدم والعرق، وأن الجدران التي شهدت وفائي لزوجي لا يمكن أن تُهدم بضحكة شماتة أو بمقصٍ أرادت به چرح كرامتي. سأروي لك كل شيء، من الغرزة الأولى في ثوب خداعها، وحتى اللحظة التي تهاوت فيها حصونها، وصولاً إلى النهاية الكاملة التي جعلت الحق يسطع كشمس النهار في قطعة واحدة متصلة بلا انقطاع.
الحلقة الأولى جذور الحكاية والوعد الطويل
بدأت القصة الحقيقية منذ ثمانية وثلاثين عاماً، عندما تلاقت يداي بيد زوجي الراحل عاصم. بنينا هذا البيت معاً، طوبة فوق طوبة، غرسنا شجر الورد هذا في الجنينة وهو لا يزال شتلات صغيرة. كان عاصم رجلاً يرى في المرأة كرامة لا تُمس، وكان يعشق شعري الطويل الذي كان يتدلى لأسفل ظهري. كان يضفره لي كل ليلة، ويقول لي هذا الشعر هو تاج وفائك، لا تدعي الدنيا تقصه. حتى عندما اشتد عليه المړض، ولزم فراش المستشفى في أيامه الأخيرة، كانت يداه المرتعشتان تبحثان عن خصلات شعري. قبل ۏفاته، نظر في عيني وقال يا أم حازم، الحزن سيزورك بعدي، لكن عهدي معكِ ألا يكسركِ أحد، وألا تتنازلي عن كرامتك أو عن شيء من رائحة الماضي.
بعد رحيله، صار حازم، ابني الوحيد، هو كل دنيتي. ربيته بدموع عيني، وعلمته كيف يكون رجلاً يتقي الله في حِماه. كبر حازم، وتخرج، وأصبح مهندساً ناجحاً، وبدأ يشق طريقه في الحياة وضغوط العمل تحاصره من كل جانب. وحين جاء اليوم الذي دخلت فيه ميرنا حياتنا كخطيبة له، فتحتُ لها أبواب بيتي وقلبي، ظناً مني أنها ستكون الامتداد الطبيعي لحبنا. لكن ميرنا لم تكن ترى في بيتنا سوى غنيمة. كانت فتاة ذكية، بملامح بريئة تخفي وراءها نفساً تتغذى على السيطرة والمظاهر الكاذبة. كانت تريد كل شيء البيت، والمال، والتحكم الكامل في حياة حازم، وكان العائق الوحيد أمامها هو وجودي... وجود تلك الأم التي ترى وتفهم بنظرة عين واحدة ما تحاول ميرنا إخفاءه.
الحلقة الثانية شباك الخداع والأكاذيب المنظمة
طوال ستة أشهر، بدأت ميرنا خطتها الممنهجة لعزلي عن حازم. كانت تدرك أن حازم يحبني ويحترمني، فلجأت إلى الحړب الباردة، حرب التفاصيل الصغيرة. في البداية، عندما اعترضتُ بلطف على مصاريف الفرح المبالغ فيها والتي كانت ستثقل كاهل ابني بالديون، ذهبت إليه باكية وقالت له إنني امرأة متحكمة وأريد إفساد فرحتها. ثم بدأت تلعب لعبة أشد خبثاً؛ كنت أضع طقم ذهب قديم أهداه لي عاصم في خزانتي، فاختفت منه قطع. وعندما سألتُ عنها، بادرت حازم بالقول بنبرة حزينة ومشفقة يا حازم، والدتك بدأت تنسى أين تضع أشياءها،
أخشى أن تكون الشيخوخة قد أثرت على ذاكرتها.
لم تتوقف عند هذا الحد، بل عندما طلبت مني بإلحاح أن أمضي على أوراق تنازل لنقل ملكية هذا البيت باسم حازم قبل عقد القرآن، بحجة تأمين مستقبل الأولاد، ورفضتُ لأنني شعرت بنيتها الملتوية، ذهبت لحازم باكية في منتصف الليل لتخبره أنني أصبحت غير مستقرة نفسياً وأنني أشك في رغبتها بامتلاك البيت وأقاطعها بلا سبب. حازم، وتحت وطأة ضغط عمله المستمر وسفره المتكرر لإتمام مشاريع شركته، كان يقف حائراً، يطلب منا في كل مرة أن نصبر على بعضنا البعض، قائلاً يا أمي، هي صغيرة ولا تفهم، تحمّليها من أجلي. وميرنا ظنت أن صمته وتوسلاته تعني أنه أعمى، وأن كفتها قد رجحت تماماً في قلبه.
الحلقة الثالثة المقص وشجر الورد
وجاء ذلك اليوم المشؤوم. كان من المفترض أن يكون حازم في رحلة عمل تستغرق ثلاثة أيام في مدينة أخرى. استغلت ميرنا غيابه، وجاءت إلى بيتي برفقة أختها الصغرى هند. دخلت بكامل زينتها، ترتدي بلوزة حرير بيضاء، وتحمل في يدها حقيبة صغيرة. لم تكن قادمة للزيارة، بل كانت قادمة لكسر كرامتي وتوجيه الضړبة القاضية للمرأة التي وقفت في وجه أطماعها.
أخرجت مقصاً معدنياً كبيراً من حقيبتها، وقالت بنبرة قطرت بالشماتة والتعالي جلسة تصوير العيلة للفرح قربت، ومش هينفع تبقي بالشكل ده في فرحي، شكلك عامل زي الأرامل بتوع زمان، لازم نقص القرف ده. أختها هند جلست على الكرسي المقابل تشرب العصير، ورفعت موبايلها لتبدأ تصوير بث مباشر أو فيديو لصديقاتها في مجموعتهن الخاصة.
لم أتحرك، ولم أصرخ. جلست بهدوء على كرسي الخشب وسط الجنينة، . كنت أنظر إلى مقصها وهو يقترب، وإلى أول خصلة من شعري الأبيض وهي تتهاوى لتسقط على شجر الورد. قالت وهي تضحك إنتِ ست قديمة... وابنك عمره ما هيصدقك. كانت تظن أن صمتي هو انكسار، ولم تكن تعلم أن هذا الصمت هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأنني كنت أريدها أن تذهب إلى أبعد مدى لتكشف وجهها الحقيقي كاملاً دون رتوش.
الحلقة الرابعة كاميرات الصمت وورقة الحقيقة
بينما كان المقص يلتهم خصلات شعري التي عاشت معي عقوداً، كانت عيناي تتجهان نحو زاوية شباك المطبخ. هناك، خلف الديكور الأسود الخشبي، كانت تقبع كاميرا المراقبة الحديثة التي ركبتها بنفسي قبل أسابيع، وتحديداً بعد أن اختفت ساعتي الذهبية القديمة من البيت. ميرنا كانت قد رأت الكاميرا ذات مرة وسألتني عنها، فقلت لها بأسلوب عابر إنها معطلة ومفصولة منذ سنوات، ولم أصحح لها المعلومة قط. كانت الكاميرا تسجل كل حركة، وكل غرزة مقص، وكل ضحكة شماتة تصدر منها ومن أختها، وبأعلى جودة صوت وصورة.
تابعت ميرنا عملها وهي تقول بثقة عمياء هتقولي لابنك إنك إنتِ اللي حبّيتي تغيري شكلك وتعملي
نيو لوك للفرح. ولو ما قولتيش كده... أنا هقوله إنك بتألفي وبتتبلي عليا علشان تخرّبي بينا. تفتكري هيصدق مين؟ أمه الكئيبة اللي عايشة في الماضي... ولا الست اللي هتبقى أم عياله؟ ثم أردفت وهي تبتسم ابتسامة المنتصر وتضع يدها على بطنها أيوه... أنا حامل، وحازم مستحيل يرفضلي طلب دلوقتي.
لكن تلك اليد الموضوعة على البطن كانت كڈبة أخرى من أكاذيبها الجوفاء. قبل أيام، وأثناء تنظيف سلة المهملات في المكتبي الذي دخلته ميرنا بذريعة البحث عن أوراق، وجدتُ فاتورة طبية باسمها سقطت منها؛ الفاتورة كانت لعيادة طبيبة نساء، وتؤكد تركيب وسيلة طويلة الأمد لمنع الحمل قبل أسبوعين فقط، مما يعني أنها كانت تخطط لربط ابني بالزواج أولاً دون إنجاب، وتستخدم

تم نسخ الرابط