حكاية ابتسام

لمحة نيوز

ابتسام! افتحي الباب ده إنتِ قافلاه بالمفتاح ليه؟ سمعت صوت مصطفى جوزي وهو بيخبط بإيده على الباب كأنه بيخبط على باب مخزن مش على باب أوضة مراته. حطيت المخدة على ودني وسكت. ما كانش عندي نفس أسمع صوته ولا نفس أشوف وشه. كنت لسه مخلصة طبق الأكل بالعافية والدموع ناشفة على خدي ومعدتي مليانة أكل لكن قلبي فاضي من أي إحساس ناحيته. أربع سنين كاملة وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي بيحصل مجرد ظروف وإن الأيام هتصلح كل حاجة وإن مصطفى لما يستقر في شغله ولما أمه تهدى ولما أخواته يتجوزوا ويستقلوا بحياتهم هنعرف نعيش زي أي اتنين متجوزين. لكن كل مرة كنت أقول فيها بكرة كان بكرة ييجي ومعاه إهانة جديدة. وكل مرة كنت أتنازل فيها عن حاجة صغيرة كنت بلاقي نفسي بعدها مطالبة إني أتنازل عن حاجة أكبر. لحد ما وصلت لليلة دي. ليلة عيد ميلاد حماتي اللي المفروض أكون فيها مبسوطة وأنا اللي عاملة الأكل كله وأنا اللي واقفة من الفجر في المطبخ وأنا اللي غسلت الصحون وأنا اللي رتبت البيت وأنا اللي استقبلت الضيوف وأنا اللي قعدت في الآخر عشان الست الدلوعة تاكل برتقان. يا ابتسام يلا اطلعي! إخواتي رايحين لحالهم ولسه فيه طبيخ كتير أمي بتقولك لمي النعمة وحطيها في علب وجرادل عشان ياخدوها معاهم. قعدت ساكتة. فجأة لقيت نفسي بضحك من غير صوت. لم النعمة. الكلمة دي كانت آخر مسمار في نعشي. مش عشان الأكل حرام يتاخد ولا عشان أنا بحب الأكل. لأ. عشان طول الأربع سنين اللي فاتوا كانوا كل ما يعوزوا حاجة يقولولي إحنا بنربيكي وبنصرف عليكي وبنوفرلك سقف فوق دماغك. وفي نفس الوقت أنا كنت اللي شايلة البيت من جوه. أنا اللي كنت بشتري على قد إمكانياتنا. أنا اللي كنت بعمل أكل يكفي عشرة من مكونات تكفي خمسة. أنا اللي كنت بلم كل قرش من مصطفى وأدبره. ولما يحصل نقص كنت أنا اللي أتحاسب. ولما يحصل زيادة كانت أمه وأخواته ياخدوا الزيادة. حتى اللحمة اللي كنت أشتريها بالكيلو كنت أطبخها على قدنا وأقسمها بالعدل وأسيب لنفسي الجزء الأصغر. لكن محدش كان شايف ده. كلهم كانوا شايفين إني مراته يعني خدامته. قلت لنفسي وأنا باصة للسقف خلاص يا ابتسام. كفاية. لأول مرة الكلمة دي طلعت من جوايا من غير خوف. قعدت على طرف السرير وفتحت درج الكومودينو وطلعت كراسة صغيرة قديمة كنت مخبياها من أول يوم جواز. الكراسة دي كان فيها كل مصاريف البيت اللي أنا دفعتها من فلوس شغلي القديم قبل ما أسيبه. كل جنيه كنت بدفعه كنت بسجله. مش عشان أعايرهم. كنت بكتب عشان نفسي. كنت بحب أعرف الفلوس راحت فين. فتحت أول صفحة ولقيت تاريخ من أربع سنين. يوم ما نقلت بيت مصطفى. يومها كنت داخلة البيت وأنا فاكرة إني داخلة على بيت العمر. كان مصطفى ماسك إيدي وبيقولي هخليكي ملكة يا ابتسام. وأنا صدقته. صدقته رغم إن أمه يومها بصتلي من فوق لتحت وقالت إنتِ من عيلة بسيطة قوي يا بنتي بس المهم الأخلاق. ابتسمت وقلت ربنا يكرمنا يا طنط. وما كنتش أعرف إن كلمة بسيطة هتفضل معلقة فوق رقبتي أربع سنين. أبويا كان نجار بسيط وأمي ست بيت. كنا عايشين على قدنا لكن عمرنا ما مدينا إيدنا لحد. أنا كنت خريجة دبلوم تجارة وكنت شغالة في محل
ملابس قبل الجواز. كنت بقبض مرتب مش كبير لكنه كان بيكفيني. لما اتجوزت مصطفى قاللي سيبي الشغل وأنا هكفيكي. سبت الشغل وأنا مطمنة. أول شهر جواز اداني مبلغ صغير وقاللي ده مصروف البيت. قلت له بس ده قليل. قال إحنا لسه بنبدأ. وافقت. الشهر التاني المبلغ قل. الشهر التالت أمه بدأت تتدخل. كانت تقول مصطفى مش ماكينة فلوس يا بنتي. وأنا كنت بسكت. وبعدها بدأت تطلب مني أطبخ لإخواته اللي كانوا بييجوا كل يوم تقريبًا. في الأول كنت بعتبرهم إخواتي. كنت أفرح لما ييجوا وأعمل لهم أكل حلو. لكن مع الوقت الموضوع تحول لواجب. أخوه الكبير ييجي ومعاه مراته وولاده. أخوه الصغير ييجي مع أصحابه. أخته تيجي وتقول معلش يا ابتسام اعملي لنا حاجة حلوة. وأنا أعمل. وفي المقابل لو يوم تعبت أو قلت مش قادرة كانت أمه تقول إنتِ من ساعة ما اتجوزتي وإنتِ بتتعبي من كل حاجة. مصطفى كان دايمًا ساكت. وسكوته كان بيكسرني أكتر من كلام أمه. كنت أبص له وأنا مستنية يقول خلاص يا أمي سيبيها لكنه كان يهرب بعينه. وفي كل مرة أرجع أقول لنفسي هو طيب بس ضعيف قدام أمه. لكن بعد أربع سنين فهمت إن الضعف قدام الظلم ساعات بيكون ظلم لوحده. سمعت خبط تاني. ابتسام! أنا بكلمك. ما رديتش. بعد شوية سمعت صوت أمه سيبها يا مصطفى. خليها تتعلم الأدب. هو إحنا جايبينها عشان تقفل على نفسها؟ مصطفى قال يا أمي هي زعلت. قالت زعلت إيه؟ دي اتدلعنا عليها لحد ما افتكرت نفسها ست البيت. ابتسمت وأنا بسمع. ست البيت. أخيرًا افتكرت إن ده بيتي أنا كمان. فتحت الكراسة وبدأت أقلب. كل صفحة كانت بتفكرني بحاجات كنت بډفنها. أول شهر دفعت من فلوسي تمن أواني ناقصة. الشهر اللي بعده دفعت فاتورة الكهربا. مرة اشتريت دواء لمصطفى من فلوسي. مرة دفعت كشف أسنان لأمه. مرة دفعت قسط تلاجة لأن مصطفى كان ناقصه مبلغ. وفي آخر كل صفحة كنت أكتب مش مشكلة. مسكت القلم وكتبت تحت آخر صفحة دي آخر مرة أقول مش مشكلة. بعدها قمت من السرير وفتحت الدولاب. كان عندي شنطة سفر قديمة. طلعتها وحطيتها على الأرض. فتحتها. بدأت أحط فيها هدومي الضرورية. مش كتير. أنا أصلًا ما كانش عندي هدوم كتير. معظم هدومي كانت من أيام الشغل وقبل الجواز. اخترت كام طقم وعباية وهدوم البيت وبعض الأوراق. فتحت درج صغير وطلعت بطاقتي وشهاداتي وعقد جوازي وصورتي القديمة. حطيتهم في ملف بلاستيك. بعدها فتحت محفظتي. كان فيها ألف ومتين جنيه تقريبًا. كل اللي معايا. حطيت الفلوس في جيب داخلي للشنطة. بعدين وقفت قدام المراية. بصيت لنفسي. عيني كانت منفخة من العياط. قلت لنفسي إنتِ خاېفة من إيه؟ عقلي رد هتروحي فين؟ قلت أي مكان. هتعيشي إزاي؟ قلت أشتغل. ولو فشلتي؟ قلت أفشل وأنا مرفوعة الراس أحسن ما أنجح وأنا مکسورة. أول ما خلصت الجملة دي حسيت إن حاجة اتغيرت جوايا. خبط مصطفى تاني. ابتسام افتحي. أنا مش هفضل واقف كتير. قلت لأول مرة بصوت مسموع خليك واقف. سكت. واضح إنه سمعني. بعدها قال إنتِ بتتكلمي جد؟ قلت أيوه. قال افتحي الباب. قلت لأ. قال إنتِ هتفضلي قافلة على نفسك؟ قلت لحد الصبح. سكت لحظة وقال إنتِ عايزة تفضحينا؟ ضحكت بمرارة. أفضحكم؟ أنا اللي اتفضحت النهارده قدامكم كلكم وأنا بطلب مني أنزل أجيب
برتقان عشان

تم نسخ الرابط