حكاية ابتسام

لمحة نيوز

حطت البرتقان على السفرة وقالت مين يحب البرتقان؟ تيارا قالت أنا. حماتي ضحكت وقالت قومي هاتي لنفسك يا بنتي. الكل ضحك. وأنا بصيت لمصطفى. كان بيضحك. قلت له لو طلبت مني أجيبهالك هقوم. قال لا والله أنا هقوم. قام من مكانه وجاب طبق البرتقان وحطه قدامها. حماتي قالت ربنا يهنيك يا ابني. وأنا ابتسمت. لأن الحياة أحيانًا بتديك درس مش عشان تعاقبك، لكن عشان تعرفك قيمتك. عدت خمس سنين من الليلة اللي خرجت فيها من البيت. مشروع الملابس كبر وبقى عندي محل صغير. بقيت موظفة اتنين يساعدوني. مصطفى استقر في شغله. وعلاقتنا بقت مختلفة. مش لأنها بقت خالية من المشاكل. لكن لأننا بقينا بنتكلم. لو زعلت بقول. لو هو زعل يقول. لو حد تدخل بنحط حدود. وفي يوم وأنا قاعدة في المحل، دخلت بنت صغيرة مع أمها. البنت كانت بتبص على فستان. الأم قالت معلش يا مدام، الفلوس معايا قليلة. قلت اختاري اللي يعجب بنتك. قالت بس أنا مش هقدر. قلت اعتبريه هدية. البنت فرحت. الأم قالت ربنا يرزقك. ابتسمت. يمكن أنا ما بقيتش أكره الفقر. أنا بقيت أكره الإهانة. الفرق كبير. الفقر كان ظرف. لكن الإهانة كانت اختيار. وأنا اخترت إني ما أعيشهاش تاني. بعد ما قفلت المحل في اليوم ده، ركبت العربية مع مصطفى. كان ساكت. قلت له مالك؟ قال كنت بفكر في أول ليلة سيبتينا فيها. قلت أنا ما سيبتكمش. أنا سيبت البيت. قال كنت فاكر إنك مش هتقدري تعيشي من غيري. قلت وأنا كنت فاكرة كده. ضحك. وطلعنا إحنا الاتنين غلط. قلت أيوه. مسك إيدي وقال أنا فخور بيكي. قلت وأنا فخورة إني ما رجعتش لنفسي القديمة. قال أنا آسف. قلت عارفة. قال بس لسه آسف. قلت خلاص. سألني لو رجع بيكي الزمن كنتي هتتجوزيني؟ بصيت له وقلت لو نفس مصطفى اللي كان موجود وقتها؟ لأ. اټصدم. ضحكت وقلت لكن لو نفس مصطفى اللي قدامي دلوقتي؟ أيوه. ضحك. وقال يعني أخدت فرصة تانية. قلت إنت أخدت فرص كتير. بس أخيرًا استعملت واحدة صح. رجعنا البيت. دخلت المطبخ. فتحت التلاجة. لقيت طبق برتقان. ناديت مصطفى. قال نعم؟ قلت تعالى. دخل. قلت اقشرلي برتقان. ضحك وقال حاضر. قعد يقطع البرتقان ويحطه في طبق. وأنا كنت بتفرج عليه. مش عشان البرتقان. لكن عشان المشهد كان مختلف. زمان كنت واقفة في نفس البيت عشان أجيب البرتقان وأنا جعانة. دلوقتي جوزي هو اللي بيقشرهولي وأنا قاعدة. زمان كنت بعمل كل حاجة عشان أرضيهم. دلوقتي أنا بعمل اللي أقدر عليه عشان أحب نفسي وأحافظ على بيتي من غير ما أدوس على كرامتي. وفي آخر الليل وأنا في سريري افتكرت الليلة القديمة. افتكرت الفلوس وهي بتترمي قدامي. افتكرت كلمة حلاوتك. افتكرت ضحكة مصطفى. افتكرت الطبق وأنا باكله وسط دموعي. افتكرت شنطتي. افتكرت باب البيت وأنا بقفله ورايا. وابتسمت. لأن أكتر حاجة كنت خاېفة منها وقتها حصلت فعلًا. أنا خرجت. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن خروجي ده كان بداية حياتي. مش نهايتها. لو كنت فضلت في مكاني كنت ممكن أخسر نفسي أكتر. لكني خرجت وأنا خاېفة ورجعت وأنا قوية. ومن يومها وأنا كل ما أشوف ست بتسكت على إهانة عشان تقول عشان البيت أفتكر نفسي زمان وأقول لها في سري البيت اللي بيطلب منك ټدفني كرامتك
مش بيت. والزوج اللي يحبك مش هيطلب منك تختاري بينه وبين نفسك. والأهل اللي يحترموكي مش هيقيسوا قيمتك بقدرتك على الخدمة. وإنتِ مش خدامة عند حد. وفي يوم بعد سنين، كانت بنت أختي داخلة على جوازها، وقعدت معايا تسألني أعمل إيه لو حماتي ما حبتنيش؟ ضحكت وقلت لها ما تحاوليش تخلي كل الناس تحبك. خدي بالك من حاجة أهم. قالت إيه؟ قلت خلي نفسك تحبك. قالت يعني؟ قلت يعني ما توافقيش على إهانة عشان تكسبي رضا حد. ساعدي الناس بحب لكن ما تسمحيش لحد يستغل طيبتك. وافتكري إن الجواز شراكة مش وظيفة. قالت ولو جوزي وقف ضد أهله؟ قلت مش المطلوب يقف ضد أهله. المطلوب يقف مع الحق. قالت ولو أنا غلطانة؟ قلت اعترفي. ولو هما غلطانين، ما تخافيش تقولي لأ. بصتلي وقالت إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟ ضحكت وقلت دفعت تمنه أربع سنين. وبعدها . وفي اللحظة دي فهمت إن كل اللي حصل لي ما راحش هدر. لأن الألم لما تتعلم منه بيبقى خبرة. والظلم لما تخرج منه من غير ما تتحول لظالم بيبقى قوة. والإنسان لما يقع ويقوم بيبقى أقدر يساعد غيره يقوم. أما مصطفى فبقى دايمًا يفتكر ليلة البرتقان. كل سنة في نفس اليوم كان يجيبلي طبق برتقان ويحطه قدامي ويقول دي مش فاكهة. دي ذكرى. وأنا أضحك وأقول دي كانت أوسخ ليلة في حياتي. فيرد وأهم ليلة في حياتنا. لأن لو ما كنتش خرجت وقتها يمكن ما كناش وصلنا للي إحنا فيه. وبعد سنين حماتي نفسها بقت تحكي الحكاية لأي حد يشتكي من مشاكل البيت وتقول أنا كنت ظالمة مراتي ابني، وربنا نبهني لما راحت. ما تعرفش قيمة الإنسان غير لما تحس إنك ممكن تخسره. وأنا لما أسمعها ما بحبش أفتح القديم. لأن الإنسان اللي اعترف بغلطه واستحق فرصة مش لازم أفضل أعاقبه على ماضيه. لكن عمري ما أنسى الدرس. أنا ابتسام. الست اللي كانت فاكرة إن قوتها في إنها تستحمل. واكتشفت إن قوتها الحقيقية في إنها تعرف إمتى تستحمل وإمتى تقول كفاية. أنا اللي كنت بقول حاضر ونعم عشان المركب تمشي. واكتشفت إن المركب اللي ماشي فوق كرامتك مش لازم توصلي معاه. أنا اللي كنت فاكرة إن البيت أربع حيطان. واكتشفت إن البيت أمان واحترام وشراكة. أنا اللي كنت خاېفة أعيش من غير جوزي. واكتشفت إني أقدر أعيش من غير أي حد يعتقد إن وجوده فضل عليا. والأجمل إني لما رجعت لجوازي ما رجعتش ضعيفة. رجعت وأنا عارفة قيمتي. عشان كده لما حصل خلاف بعد كده كنت بقول لمصطفى أنا بحبك لكن مش هخسر نفسي عشانك. وكان يقول وأنا بحبك ومش عايزك تخسري نفسك عشاني. ودي كانت أكتر جملة فرقت بين مصطفى زمان ومصطفى بعدين. الحب الحقيقي مش بيطلب منك ټموتي عشان يعيش. الحب الحقيقي بيخلي الاتنين يعيشوا بكرامة. وفي آخر مرة زارتني فيها حماتي في المحل، بصت حوالين المكان وقالت مين كان يصدق إن البنت اللي أنا كنت بقول عليها غلبانة تبقى صاحبة محل؟ ضحكت وقلت الغلب مش عيب يا طنط. قالت وأنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتدي الإنسان قيمة. قلت الفلوس بتساعد. لكن القيمة من جوا. قالت اتعلمت منك. قلت وأنا اتعلمت منك حاجة. قالت إيه؟ قلت إن السكوت الطويل بيخلي الناس تفتكر إنك موافقة. ضحكت وقالت عندك حق. وقبل ما
تمشي قالت على فكرة أنا جبتلك برتقان. ضحكت بصوت
عالي. لسه؟ قالت أصل الموضوع بقى تقليد. أخذت الكيس منها وقلت شكرًا. ومشيت لحد باب المحل أودعها. وبعد ما خرجت بصيت للكيس وضحكت. نفس البرتقان اللي كان سبب دموعي بقى سبب ضحكي. ودي يمكن كانت أجمل نهاية للحكاية كلها. إن الحاجة اللي كسرتك في يوم ممكن بعد سنين تبقى مجرد ذكرى تضحكي عليها. وإن الليلة اللي كنتي فاكرة إنها نهايتك ممكن تكون أول صفحة في حياة جديدة. عشان كده لو حد سألني النهارده إيه أكتر قرار غير حياتك هقول له يوم ما قلت كفاية. مش يوم ما اتجوزت. مش يوم ما فتحت المحل. مش يوم ما كسبت أول فلوس. يوم ما وقفت قدام باب أوضتي والدموع في عيني وقلت لنفسي إن كرامتي مش تمنها طبق برتقان ولا رضا حماتي ولا حتى خوف من الوحدة. يومها فهمت إن الإنسان ممكن يخسر ناس ويكسب نفسه. وممكن يخرج من بيت وهو فاكر إنه خسر كل حاجة ويكتشف إنه أخيرًا بدأ يعيش. ومن يومها وأنا مؤمنة إن ربنا أحيانًا بيخرجنا من أماكن بنتمسك بيها عشان يورينا إن الخير كان مستنينا بره. وأنا كنت فاكرة إن كلمة كفاية معناها نهاية جوازي. لكن طلعت معناها بداية احترامي لنفسي. ودي كانت الحكاية كلها. حكاية ابتسام اللي كانت أربع سنين بتقول حاضر عشان المركب تمشي. لحد ما اكتشفت إن المركب أصلًا كانت ماشية في الاتجاه الغلط. فاختارت تنزل منها. تمشي برجليها. تتعب. تقع. تقوم. تشتغل. تبني نفسها. وبعدها لو رجعت لنفس المركب ترجع وهي اللي ماسكة الدفة. مش عشان ټنتقم. ولا عشان تثبت إنهم غلطانين. عشان تثبت لنفسها إنها عمرها ما كانت خدامة. عمرها ما كانت قليلة. عمرها ما كانت بنيلة أو عبء. كانت ست تستحق الاحترام من أول يوم. بس هي احتاجت أربع سنين عشان تصدق ده. وأول ما صدقته تغيرت حياتها كلها.

تم نسخ الرابط