ابن زعيم المافيا كان بقاله

لمحة نيوز

 

الجزء الثالث
الأطباء دخلوا المطعم بسرعة، ومعاهم الأجهزة والأكسجين. نقلوا الطفل على سرير متحرك، وكنت هروح معاهم، لكن سليم مسك يدي وقال لي بجدية أنتِ جاية معانا. مش هسمح لكِ تروحي من هنا. أنا عاوزكِ تكوني معاه لحد ما نطمن عليه.
حاولت أرفض، قلت له إني مجرد جرسونة، ومش من حقي أكون معاهم في المستشفى، لكنه كان مصممًا. أنا قلت لكِ أنتِ جاية معانا. كلامي ميردش عليه. وكل اللي عملتيه النهاردة مش هنساه أبدًا.
ركبت معاه في سيارته الفاخرة، والطريق كان هادئًا، ولا أحد يتكلم. كنت شايفة الشوارع تمر بسرعة من وراء الزجاج، وعقلي كان مشغول بكل حاجة. كنت أفكر في الطفل، في حالته، في الأعراض اللي شفتها واللي كانت نفس أعراض حمزة بالظبط. كنت أفكر في سليم الشافعي، في الرعب اللي كان في عينيه، في القوة اللي اختفت فجأة لما شاف ابنه بيتربص بالموت. وكنت أفكر في السؤال اللي كان يراودني من ساعة ما شفت الطفل هل فعلاً مجرد صدفة إن ابنه يكون عنده نفس مرض ابني اللي مات بسببه؟ ولا فيه حاجة تانية خفية؟
وصلنا المستشفى، ودخلوا الطفل غرفة العناية المركزة. سليم وقف أمام الباب المغلق، يديه في جيوبه، نظره مثبت على الباب، مش بيتحرك ولا يتكلم. أنا وقفت بجانبه، مش عارفة أروح ولا أستنى. بعد نصف ساعة، الدكتور طلع من الغرفة، وسليم قرب منه فورًا طمني.. ولدي كويس؟
الدكتور تنهد وقال له بجدية الحالة مستقرة الآن، لكنه محتاج لمراقبة دقيقة ومستمرة. اللي حصل له كان نوبة قلبية ناتجة عن عيب خلقي في القلب، تحديدًا في الشريان الأورطي. والده كان عنده نفس العيب، صح؟
سليم راسه نزل ببطء، وقال بصوت واطي أيوه.. والده مات وهو صغير بنفس السبب. كنت خايف يكون ورثه.. وكنت أتمنى يكون غلط.. يكون مجرد خوف في دماغي..
العيب ده وراثي بالدرجة الأولى، واحتمال انتقاله للجيل الجديد كبير جدًا. ابنك محتاج لعملية جراحية عاجلة، لكن العملية دي صعبة ومخاطرها كبيرة، خاصة إنه لسه صغير جدًا ومولود قبل موعده.
سليم سكت لفترة طويلة، وكلام الدكتور كان كأنه سهم أصابته في مقتل. سأل بعدها بصوت مهزوز وفيه أمل؟
الأمل موجود دائمًا، بس لازم تكونوا مستعدين لأي شيء. الفريق الطبي اللي هيعمل العملية هو الأفضل في مصر، وإن شاء الله كل حاجة هتمشي بخير. بس المهم الراحة النفسية للطفل، التوتر والضوضاء بتأثر عليه بشكل كبير، وده اللي سبب له النوبة دي في الأساس.
الدكتور سابنا ودخل الغرفة تاني. سليم اتكأ على الحائط، راسه محني، وبدا وكأنه أصبح أكبر بعشر سنوات في ساعات قليلة. أنا شعرت بوجع كبير في قلبي تجاهه، رغم كل شيء، رغم كل الأخبار اللي كنت سمعتها عنه طوال حياتي. قلت له بصوت هادئ الطفل قوي.. لاحظت ذلك بنفسي. هو كافح كتير عشان يبقى معاكم. وأنا واثقة إنه هيتجاوز المحنة دي.
سليم رفع راسه وبص لي، عينيه مليانة حزن عميق أنتِ تعرفين عن المرض ده كتير، صح؟ عشان قلتي لي إن ابنك مات بنفس الطريقة..
نزلت دمعة من عيني ومسحتها بسرعة أيوه.. ابني حمزة مات قبل أربع سنين في نفس المستشفى ده. كان عنده نفس العيب الخلقي، ومات قبل ما يلحقوا يعملوا له أي حاجة. من ساعتها وأنا بكره المستشفيات، بكره ريحة الأدوية، بكره كل شيء يذكرني بيوم موته. لما شفت ابنك النهاردة.. شفت حمزة قدامي. نفس الأعراض، نفس اللون، نفس الصرخة اللي ما تزال في راسي لحد دلوقتي. ولهذا السبب ما قدرتش أسكت وأقف متفرجة.
سليم استمع لي بكل تركيز، وبعد ما خلصت كلامي، قال لي بصوت مليان تعاطف لم أتوقعه منه أنا آسف جدًا لما حدث لكِ.. لفقدانكِ لابنك. لا أحد يعرف معنى الألم ده غير من عاشه. وأنا دلوقتي عايشه بنفسي، وخايف أكون في مكانك قريبًا.
الله لا يكتب لكِ ذلك. ابنك لسه معاك، وفيه فرصة كبيرة إن شاء الله. المهم تثق في الأطباء وتصبر.
في تلك اللحظة، جاءت سيدة متوسطة العمر، ترتدي ملابس أنيقة، وشها شاحب وعيناها حمرا من البكاء. لما شافت سليم، ركضت نحوه ومسكت يديه سليم.. ولدي إخباره إيه؟ طمني أرجوكِ!
سليم احتضنها ببطء وقال لها بصوت حنون هو بخير يا سيدة.. هو بخير الآن. الدكتور قال إنه محتاج عملية، وإن شاء الله هتتم بنجاح.
السيدة سيدة.. ده اسمها سيدة؟ يعني هي زوجته؟ أنا كنت شايفة للمرة الأولى، وكنت متأثرة جدًا بمشهدهم ده. سليم اللي الكل بيخاف منه كان في تلك اللحظة مجرد زوج أب خايف على ابنه. سيدة بصت لي بدهشة وسألت سليم مين هذه؟
دي إيناس.. هي اللي أنقذت حياة ابننا النهاردة. لما كنا كلنا عاجزين، هي اللي عرفت تعمل إيه. لولاها كان يمكن رح مننا.
سيدة قربت مني، ومسكت يدي بكل دفء وحنان شكرًا لكِ.. شكرًا من كل قلبي. لن أنسى لكِ هذا الجميل أبدًا. مهما كان الثمن، أنا مستعدة أدفعه. فقط ابني يبقى سالمًا.
لا داعي لأي ثمن يا سيدتي. أنا عملت واجبي فقط. وكل اللي أتمناه إن ابنكم يشفى ويكون بخير.
بقيت في المستشفى معاهم لحد ما الليل طلع. سليم وسيدة قرروا يروحوا يرتاحوا شوية ويرجعوا، وطلبوا مني أجيب معاهم، لكني اعتذرت. كنت عاوزة أروح بيتي، أرتاح، أفكر في كل اللي حصل. قبل ما أمشي، سليم أعطاني كارتًا عليه رقم تليفونه وقال لي أي حاجة تحتاجينها، في أي وقت، اتصلي بي. أنا مدين لكِ بحياة ابني، والدين ده ما ينسى ولا يُرد بسهولة.
أخذت الكارت ومشيت، وما كنتش أعرف إن هذا الكارت هو البوابة اللي هتدخلني لعالم سليم الشافعي بالكامل، وإن الأيام الجاية هتكشف لي أسرارًا هتجعلني أتمنى لو إنني لم أذهب إلى ذلك المطعم أبدًا.

الجزء الرابع
مرت ثلاثة أيام وأنا مش عارفة أرتاح ولا أنام. كل ما أغمض عيني أشوف وجه الطفل وشكله وهو بين يديّ، وأسمع صوت صرخاته اللي ما تفارق راسي. كنت أفكر أروح أزوره في المستشفى، لكن كنت مترددة. هل من حقي أروح؟ أنا مجرد جرسونة عملت واجبها، وخلاص. لكن في نفس الوقت، قلبي كان بيقول لي إني لازم أروح، إني قريبة منه بطريقة ما.
في اليوم الرابع، قررت أروح. اشتريت له دمية صغيرة على شكل أرنب، ورحت المستشفى. لما وصلت غرفة العناية المركزة، شفت سليم وسيدة واقفين أمام الباب، ومعاهم رجل آخر طويل القامة، عينيه حادة، وملامحه قاسية. كانوا بيتكلموا بصوت منخفض، ولما شافوني، الرجل ده بص لي بنظرة غريبة، كأنه بيفحصني من فوق لتحت.
سليم شافني وابتسم لي ابتسامة خفيفة لم أتوقعها إيناس.. جيتِ؟ تفضلي.
سيدة قربت مني وسلمت عليّ بحرارة نورتِ المكان يا إيناس. تعالي شوفيه، هو فاق النهاردة وبيكون أحسن حالًا.
دخلت الغرفة، وشفت الطفل مستلقي على السرير، متصل بالأجهزة، وشه أضعف من الأول، لكنه كان مفتح عينيه وبينظر حوليه بدهشة. لما شافني، حرك يده الصغيرة، وكأنه عرفني. أنا قربت منه ووضعت الدمية بجانبه، ومسكت يده الصغيرة بحذر أهلاً يا بطل.. جيتِ أطمن عليك. شكلك بتحسن، أليس كده؟
الطفل ضحك ضحكة صغيرة خفيفة، وقلبي اتقطع من الفرحة. سليم وسيدة كانوا بيشوفوا المشهد ده بابتسامة مليانة أمل. الرجل اللي كان معاهم دخل ورايا، وقف بجانب الباب وقال لسليم بصوت قوي سليم، لازم أتكلم معاكِ على انفراد.
سليم سلم على الطفل وقبل جبينه، وطلعنا كلنا برة الغرفة. لما صرنا في الممر، الرجل ده بص لي وقال لسليم مين دي؟ وليه هي موجودة هنا؟ كنت قلت لك ما تخلّي أي حد غريب يدخل في شؤوننا، خاصة في الوقت ده!
سليم رد عليه بصرامة دي إيناس، اللي أنقذت حياة ابني. ولها كل الحق تكون موجودة هنا. وكلمني باحترام يا كريم، دي ضيفتي.
كريم.. يعني كريم الشافعي؟ ابن عم سليم، واللي كان شريكه في كل أعماله، واللي الكل بيقول إنه اليد اليمنى لسليم وأخوه الموثوق به. أنا كنت سمعت عنه كتير، وكنت أعرف إنه رجل قاسي جدًا، وله نفوذ كبيرة هو الآخر. بص لي بنظرة مليانة شك وعدم ارتياح مش مهم مين تكون.. المهم إنها تبعد عنا. احنا مش عارفين هي مين، وعلاقتها بيك إيه، وليه ظهرت في الوقت ده بالظبط.
كفى يا كريم! أنا اللي قررت وجودها، وكلامي ميردش عليه. إيناس ليها فضل كبير علينا، ومش هسمح لك تتكلم عنها بأسلوب كده.
كريم سكت، لكن نظراته لي كانت بتقتلني. كنت حاسة إنه مش مرتاح لوجودي، وإنه بيتمنى إنني أختفي من قدامهم. أنا قررت أتكلم شكرًا لكم يا سيدتي.. سليم بيه.. أنا كنت بس جيت أطمن على الطفل، والحمد لله إنه بخير. وأنا هسيبكم دلوقتي، عشان ما أكون سبب في أي مشاكل بينكم.
سليم مسك يدي وقال لي لا تروحي يا إيناس. كلام كريم ما يخصكِ، وما يهمكِش. أنا عاوزكِ تبقي هنا، وأنا محتاجكِ في حاجة مهمة.
أي حاجة يا سليم بيه؟
الطبيب قال إن الحالة النفسية للطفل مهمة جدًا، وإنه محتاج لشخص يبقى معاه، يهتم به، يطمنه، خاصة وأنه مش عاوز أي حد يلمسه غيري وغير سيدة. وأنا وسيدة مش هنقدر نكون معاه طول الوقت، عندنا أعمال ومسؤوليات. فكرت فيكِ.. أريدكِ أنتِ اللي تهتمي به. براتب مجزي جدًا، وكل ما تحتاجينه سوف أوفره لكِ. هل توافقين؟
اتفاجأت جدًا من الطلب ده. أنا مجرد جرسونة، ما عنديش خبرة في رعاية الأطفال المرضى، خاصة طفل بحالة خطيرة زي ده. أنا.. أنا مش عارفة يا سليم بيه.. أنا ما عنديش خبرة كتير، وخايفة أكون سبب في أي ضرر له.
أنتِ بالعكس، أنتِ الوحيدة اللي عرفتِ تشخصي حالته من أول مرة، واللي عرفتِ تتعاملي معاه بطريقة صحيحة. الطفل نفسه اتعلق بكِ، وده شيء نادر الحدوث معاه. أنا واثق فيكِ، وأنتِ أثبتِ إنكِ أهل للثقة.
بصيت لسيدة، وهي هزت لي راسها موافقة أرجوكِ يا إيناس.. وافقي. وجودكِ معاه هيريحنا كتير، وحاسة إن وجودكِ هيخليه يتحسن بسرعة.
فكرت قليلًا، ثم قلت موافقة.. بس هعمل كل اللي أقدر عليه، وأتمنى أكون عند حسن ظنكم.
كريم كان واقف بيشوف المشهد ده بغضب، ولما سمع موافقتي، سابنا ومشى من غير ما ينطق حرف. كنت حاسة إن فيه حاجة غريبة، إن
 

تم نسخ الرابط