ابن زعيم المافيا كان بقاله

لمحة نيوز


كريم يخفي شيئًا، وإن وجودي هنا مش عجبه على الإطلاق. وما كنتش أعرف إن هذا القرار اللي اتخذته دلوقتي هو اللي هيدخلني في متاهة كبيرة مليانة بالأسرار والمخاطر، وإنني سأكتشف حقائق هتغير نظرتي للحياة كلها.

الجزء الخامس
بدأت أعمل في المستشفى كراعية لطفل سليم الشافعي، اللي عرفت إنه اسمه آدم. آدم كان طفلًا ذكيًا وحساسًا جدًا، وكل ما مر يوم كان يتعلق بي أكتر وأكتر. كنت أجلس بجانبه ساعات طويلة، أتحدث معاه، أقرأ له القصص، أهتم بكل تفاصيله. كنت أتعامل معاه وكأنه حمزة، وكأنه ابني اللي رجع لي مرة تانية، وده خلاني أكون حريصة عليه جدًا، وأبذل كل ما أملك عشان يبقى بخير.
سليم وسيدة كانوا يأتوا كل يوم، وكنت أشوفهم مع آدم، وأشوف مدى حبهم وخوفهم عليه. سليم كان يغير تمامًا لما يدخل الغرفة، يصبح رجلًا آخر، رجلًا حنونًا وحساسًا، غير ذلك الرجل المعروف بقسوته وشدته. وده خلاني أتساءل هل كان سليم الشافعي حقًا قاسيًا كما يقول الناس؟ أم إن القسوة ده مجرد قناع يلبسه عشان يحمي نفسه ومن يحبهم؟
بمرور الوقت، بدأت العلاقة بيني وبين سليم تتغير. كنا نتكلم كتير، عن آدم، عن الحياة، عن الماضي. كان يخبرني عن طفولته، عن كيف كان صغيرًا ويتيمًا، وكيف كافح عشان يبني إمبراطوريته بنفسه. وكنت أخبره عن حمزة، عن أيامي معاه، عن ألمي لفقدانه. كنا نشعر ببعض بشكل عميق، لأن كلانا عاش ألم الفقد والوحدة.
لكن في نفس الوقت، كنت حاسة بوجود شيء غامض حول سليم. كان أحيانًا يصمت فجأة، وتظهر على وجهه ملامح حزن عميق، وكأنه يتذكر شيئًا مؤلمًا. وكان أحيانًا يتردد في الكلام، وكأنه يخفي سرًا كبيرًا. وكنت ألاحظ إن كريم دائمًا حوله، يحاول يتحكم في كل شيء، ويسألني كتير أسئلة غريبة عن حياتي، عن عائلتي، عن سبب تركي لكلية التمريض. وكل ما أجيب عليه، كان يشك في كلامي، وكأنه بيبحث عن شيء معين.
في إحدى الليالي، كنت جالسة بجانب آدم، وهو نايم، وسليم كان جالسًا في زاوية الغرفة، ينظر له بتركيز. فجأة سألني بصوت واطي إيناس.. لو كان عندكِ فرصة تعرفي سبب موت ابنكِ الحقيقي.. هل كنتِ تريدين تعرفيه؟ حتى لو كان السبب مؤلمًا؟
السؤال ده فاجأني جدًا، وقلبي دق بسرعة. طبعًا.. لو كان فيه سبب حقيقي غير اللي قالوه لي الأطباء.. كنت أريد أعرفه مهما كان الثمن. لأن حمزة كان ابني، وحقه عليّ أعرف الحقيقة.
سليم سكت لفترة طويلة، ثم قال الحقائق مؤلمة يا إيناس.. وأحيانًا من الأفضل أن تظل مدفونة. لكن لما يكون هناك أرواح بريئة تُزهق بسببها، فلا بد أن تظهر مهما كان الثمن.
سليم بيه.. هل عندك معلومات عن موت حمزة؟
سليم تردد، ثم هز راسه ليس بالضرورة عن حمزة تحديدًا.. لكن عن أمور مشابهة. هناك أخطاء ترتكب في الخفاء، وأشخاص يدفعون الثمن بلا ذنب. وأحيانًا من يملك القوة يستخدمها في غير محلها، ويسكت عن الحقيقة خوفًا من العواقب.
كلامه كان غامضًا، لكنه أثار شكوكًا كتير في قلبي. بدأت أتساءل هل موت حمزة لم يكن مجرد عيب خلقي؟ هل كان فيه خطأ طبي؟ ولا يمكن.. الأطباء قالوا لي إنه كان مريضًا منذ الولادة، وإن العيب الخلقي ده كان السبب الوحيد. لكن لماذا سليم يسألني كده؟ ولماذا كريم مهتم بمعرفة تفاصيل حياتي كتير؟
في تلك اللحظة، دخل كريم الغرفة بسرعة، وشنا بيتكلموا، فقال بصوت عالٍ سليم، لازم أتكلم معاكِ في موضوع مهم، ومستعجل.
سليم تنهد وقام أنا جاي حالًا. قبل ما يخرج، بص لي نظرة طويلة، وكأنه بيحاول يقول لي شيء ما، ثم خرج مع كريم. أنا بقيت وحيدة مع آدم، وعقلي كان مشغول بكلام سليم. شعرت أن هناك سرًا كبيرًا يحيط بكل شيء، وأنني أقترب منه خطوة بخطوة، وأن هذا السر قد يربط بين موت حمزة وحياة آدم بطريقة لا يمكن تصورها.

الجزء السادس
مر أسبوع وآدم تحسن بشكل ملحوظ، والأطباء قرروا تحديد موعد العملية. كانت العملية بعد ثلاثة أيام، والجميع كانوا متوترين، خاصة سليم وسيدة. كنت أحاول أكون قوية وأدعمهم، لكن في داخلي كنت خايفة جدًا. كنت أتذكر حمزة، وكيف لم ينجح في البقاء، وكنت خايفة أتكرر نفس المأساة مع آدم.
في الليلة اللي قبل العملية، كنت جالسة بجانب آدم، أقرأ له قصة، وسليم دخل الغرفة وجلس بجانبي. كان شكله مجهدًا جدًا، عينيه بهتان، وملامحه مرهقة. قال لي بصوت واطي أنا خايف يا إيناس.. خايف أفقده. هو كل ما أملك في الحياة. لو حصل له أي حاجة، مش عارف أنا هعمل إيه.
مسكت يديه بيدي وقلت له الله معانا يا سليم بيه. آدم طفل قوي، وكل اللي بيدعمه بكل قلبه. العملية هتنجح، وآدم هيعيش حياة طبيعية، وتبقى شايفه يكبر قدام عينيك.
سليم بص لي بعمق، وكأنه بينظر في أعماق روحي تعرفين.. أنا كنت فاقد الأمل في الحياة قبل ما آدم ييجي. كنت أملك كل شيء، المال والسلطة والنفوذ، لكن كنت وحيدًا بلا معنى. لما آدم وُلد، وجدت المعنى الحقيقي لحياتي. هو اللي غيرني، هو اللي خلاني أشوف الدنيا بشكل تاني. ولهذا لا أستطيع تحمل فكرة فقدانه.
أنت مش هتفقده. ثق بالله، وثق بقدرة آدم.
في تلك اللحظة، سليم مسك يدي بكلتا يديه، وقال لي بصوت مليان جدية وصدق إيناس.. أنا عاوز أقول لكِ شيء، وارجوكِ اسمعيني للآخر. هناك أشياء أخفيتها عنكِ، أشياء مؤلمة، لكن لم يعد بإمكاني إخفاؤها. لأن الحقيقة لا بد أن تظهر، وأنتِ لكي منكِ معرفة كل شيء.
قلبي دق بسرعة، وشعرت أن الكلام ده هو بداية الكشف عن السر اللي كان مدفونًا طوال الفترة الماضية. تفضل.. أنا مستعدة أسمعك.
سليم أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يتكلم بصوت مهزوز قبل خمس سنين، كان عندي صديق.. بل كان أخًا لي. اسمه سامح. كان شابًا طيبًا، ذكيًا، محبوبًا من الجميع. كان يعمل معي في الشركة، وكنا مقربين جدًا، لا يفصل بيننا شيء. سامح كان متزوجًا، وزوجته كانت حاملًا في طفلهم الأول. كنا سعداء جدًا، وكنا ننتظر قدوم الطفل بكل شغف.
سليم توقف قليلًا، ومسح دمعة نزلت من عينيه، ثم أكمل لكن في تلك الفترة، كانت هناك خلافات كبيرة بيني وبين بعض رجال الأعمال الفاسدين، كانوا بيحاولوا يسيطروا على شركتي بأي طريقة. سامح كان يعرف كتير من أسرارهم، وكان على وشك كشفهم للجميع. فقرروا يتخلصوا منه.. في ليلة ممطرة، تعرض سامح لحادث سيارة مريب، ومات هو وزوجته معًا.. ماتوا وتركوا طفلهم الذي لم يولد بعد..
أنا كنت مستمعة بكل تركيز، وقلبي بيوجعني لما أسمع كلامه. والطفل؟
الطفل نجى.. وُلد قبل موعده بثلاثة أسابيع، نجا بأعجوبة من الحادث. هذا الطفل هو آدم.. آدم ابن سامح، ليس ابني. أنا ربيته واعتبرته ابني، لأنني كنت مدين لسامح بحياته، ولأنني لم أستطع أن أتخلى عنه. ولم أستطع أن أخبر أحدًا بحقيقته، لأن من قتلوا سامح ما زالوا يتربصون بنا، ولو عرفوا أن آدم على قيد الحياة، سوف يقتلونه. لذلك قلت للجميع إنه ابني، واتخذته كابن لي، وحميته بكل ما أملك من قوة.
صدمتني الكلمات، ولم أستطع أن أنطق حرف. آدم ليس ابنه؟ هو ابن صديقه اللي مات في حادث؟ ولهذا كان سليم خايف عليه لهذه الدرجة، ليس فقط لأنه طفل، بل لأنه أمانة من صديقه، ولأن هناك من يريد قتله.
ولماذا أخبرتني أنا؟ سألت بصوت واطي.
لأن هناك شيء آخر.. شيء يخصكِ أنتِ. سامح كان والده.. ووالدته كانت.. كانت أختكِ الكبرى يا إيناس.
الكلمات ضربتني كالصاعقة، وقلبي توقف عن النبض للحظة. أختي الكبرى.. سارة! سارة اللي سافرت قبل خمس سنين وتزوجت ولم تخبرنا بمن تزوجت، ثم توفيت في حادث ولم نعرف أي تفاصيل عن حياتها أو وفاتها. سارة كانت زوجة سامح.. وآدم ابنها.. يعني آدم ابن أختي.. ابني بالرضا والدم!
دموعي نزلت بغزارة، ولم أستطع أن أتمالك نفسي. سارة.. سارة كانت أختي.. آدم ابنها.. يعني هو ابني.. ابني بالدم..
سليم مسك يدي بكل حنان أيوه.. آدم ابن أختكِ، وابنكِ أنتِ أيضًا. لهذا السبب شعرتِ بالقرب منه منذ اللحظة الأولى التي رأيتِه فيها. لهذا السبب كان يرتاح لكِ ويشعر بالأمان معكِ. الدم يا إيناس.. الدم دائمًا بيقول كلمته.
ولماذا لم تخبرني من قبل؟
لأنني كنت خايف عليكِ.. خايف لو عرفتِ الحقيقة، ستصبحين في خطر. أولئك الذين قتلوا سامح وسارة ما زالوا يتربصون بنا، ولو عرفوا أنكِ أخت سارة، وأنكِ تهتمين بآدم، لن يترددوا في إيذائكِ. كنت أريد أن أحميكِ، لكنني لم أستطع أن أستمر في إخفاء الحقيقة عنكِ. أنتِ لكي الحق تعرفي، وأنتِ لكي الحق تقرري مصيركِ ومصير آدم.
بكيت بكل قلبي، بكيت على سارة اللي رحلت وتركت لنا آدم، بكيت على حمزة اللي رحل، وبكيت على آدم اللي وجدته فجأة كأنه هدية من السماء تعوضني عن كل شيء. في تلك اللحظة، فهمت كل شيء.. فهمت لماذا كنت أشعر أن آدم قريب مني، لماذا كنت أتعامل معه وكأنه ابني، لماذا كنت أخشى عليه من كل قلبي. لأنه حقًا ابني، ابن أختي، قطعة من روحي.
ومن هم اللي قتلوا سامح وسارة؟ سألت وأنا أحاول أن أتمالك نفسي.
سليم تغيرت ملامحه للقسوة، وعينيه لمعت بغضب لم أره منه من قبل كريم.. كريم الشافعي. هو اللي كان وراء كل شيء. كان يريد يسيطر على كل شيء، وكان سامح عقبة في طريقه. فقرر يتخلص منه، وادعى أن الحادث كان مجرد خطأ. وحتى الآن هو يتربص بآدم، لأن آدم هو الوريث الشرعي لسامح، ولو عاش آدم، سوف يفقد كريم كل شيء. لهذا السبب كان يريد يبعده عنكِ، ولهذا السبب كان يسألكِ كل تلك الأسئلة، كان يحاول يتأكد إنكِ لستِ أخت سارة، ولما تأكد من ذلك، أصبح وجودكِ خطرًا عليه.
الصدمة تلو الأخرى.. كريم، الرجل الذي كان يبدو أنه اليد اليمنى لسليم، هو القاتل الحقيقي، هو سبب موت أختي وزوجها، وهو الذي يريد قتل آدم. كل شيء أصبح واضحًا الآن، كل النظرات، كل الأسئلة، كل التحذيرات. كنت في وسط مؤامرة كبيرة، وكلنا مهددون بالخطر، وأنا لم أكن أعرف شيئًا.
والعملية.. هل هي آمنة؟ هل كريم ممكن يتدخل فيها؟
لهذا السبب أنا قلق
 

تم نسخ الرابط