جدتي
لو في بني آدمة على وش الأرض كانت بتحب الولاد أكتر من أي حاجة، فبدون تفكير هقول جدتي.
كانت شايفة إن الولد هو امتداد العيلة، وإن البنت مجرد ضيفة هتخرج من البيت يوم ما تتجوز.
عمي الكبير خلف بنت واحدة اسمها وفاء.
وأبويا خلفني أنا، خلود.
وعمي الصغير خلف بنتين، داليا وشهد.
أربع بنات، ومفيش ولد واحد.
ومن يوم ما وعينا على الدنيا، كنا بنسمع نفس الكلام
هو مفيش ولد واحد يشيل اسم العيلة؟
تلات رجالة ومحدش فيهم جاب ولد!
البنات في الآخر هيروحوا لبيوت ناس غريبة.
كانت بتفرق بيننا وبين أولاد إخواتنا حتى لو أولاد الجيران.
في الأعياد، كانت تدي الولاد فلوس، أما إحنا فتقول
إنتوا بنات، هتتجوزوا والفلوس هتروح معاكم.
ولو طبخوا لحمة، كانت تحط أحسن القطع قدام الرجالة، وإحنا نقعد بعيد نستنى اللي يتبقى.
وأنا عندي سبع سنين، حصل موقف عمره ما خرج من دماغي.
ريحة اللحمة كانت مالية البيت.
استنيت لحد ما جدتي دخلت المطبخ، ومديت إيدي أخدت قطعة صغيرة.
لكنها رجعت فجأة.
ضربت إيدي بالعصاية وقالت
بتسرقي الأكل يا حرامية؟
إيدي فضلت مورمة أيام.
ومن يومها قررت حاجة واحدة
أي حاجة تيجي من إيد جدتي، مش هاخدها.
مرت السنين.
كبرنا إحنا الأربعة، وكل واحدة بقت في طريقها.
وفجأة، بعد أكتر من عشرين سنة، أبويا اتصل بيا.
صوته كان مختلف.
قال
خلود، جدتك تعبانة جدًا.
قلت
ربنا يشفيها.
سكت شوية، وبعدين قال
هي طلبت تشوفك إنتِ ووفاء وداليا وشهد.
اتجمدت مكاني.
إحنا الأربعة؟
أيوه.
قلت باستغراب
ليه دلوقتي؟
أبويا رد
مش عارف. بس قالت لازم تيجوا.
رحت.
ولما دخلت بيت جدتي، لقيت عمامي وأبويا واقفين في الصالة، وكل واحد فيهم ساكت.
دخلنا الأوضة.
كانت جدتي ضعيفة جدًا، لكن عينيها كانت ثابتة.
بصت لنا واحدة واحدة.
وفجأة قالت
أنا عارفة إنكم مش مسامحيني.
محدش رد.
قالت
ومش هطلب منكم تسامحوني.
الجملة دي كانت أغرب من كل حاجة.
وبعدين أشارت لشنطة قديمة كانت جنب السرير.
الشنطة دي ليكم.
وفاء قربت منها وسألت
إيه اللي جواها؟
جدتي قالت
الحقيقة.
فتحنا الشنطة.
لقينا أربع أظرف، كل ظرف عليه اسم واحدة فينا.
وفوقهم ورقة مكتوب فيها
للبنات الأربع اللي ظلمتهم طول عمرهم.
أنا مسكت الظرف بتاعي.
وقبل ما أفتحه، جدتي قالت
أنا قضيت عمري كله بدور على ولد يشيل اسم العيلة... ومش واخدة بالي إن الأربع بنات دول كانوا شايلين العيلة من غير ما حد يشكرهم.
سكتنا.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الورقة اللي جوا الظرف.
لأن أول سطر كان
أبوكم وأعمامكم كانوا فاهمين إن سبب عدم وجود ولد في العيلة مجرد حظ... لكن الحقيقة موجودة في الملف الطبي اللي تحت.
بصيت لأبويا.
وشه اتغير.
قلت
بابا... إنت كنت تعرف؟
قبل ما يرد، جدتي قالت
أيوه، هو كان عارف جزء... بس أنا منعته يقول.
فتحت الملف.
وكان جواه مستند قديم جدًا.
وقتها فهمنا إن سر عدم إنجاب أي ولد في العيلة ماكانش صدفة زي ما جدتي كانت فاكرة.
وكان فيه سبب طبي وراثي اتنقل بين رجال العيلة من أجيال.
والأغرب من كده...
إن جدتي كانت محتفظة بالمعلومة دي من أكتر من عشرين سنة.
لكن ليه؟
وليه قررت تكشفها لنا دلوقتي بالذات؟
رفعت عيني عليها.
فقالت بصوت ضعيف
عشان قبل ما أموت... لازم أصلح آخر غلطة عملتها في حياتي.
وأشارت إلى صندوق خشبي صغير تحت السرير.
افتحوه.
فتحنا الصندوق.
وكان جواه أربع مفاتيح...
ومفتاح خامس.
وعلى كل مفتاح رقم.
جدتي قالت
كل مفتاح بيفتح حاجة تخص واحدة منكم.
ثم نظرت لي وقالت
لكن المفتاح الخامس... هيفتح المكان اللي مخبي فيه السبب الحقيقي لكل اللي حصل.
ساعتها فهمت إن الزيارة دي ما كانتش مجرد وداع.
كانت بداية كشف سر عمره عشرات السنين مسكت المفتاح اللي عليه اسمي، وقلبي كان بيدق بسرعة.
وفاء قالت
نجرب نفتح بيه إيه؟
جدتي أشارت ناحية دولاب خشب قديم في آخر الأوضة.
الدرج التالت.
قربت من الدولاب، وفتحت الدرج بالمفتاح.
لقيت جواه كراسة قديمة، ملفوفة في قطعة قماش.
فتحتها.
في أول صفحة كان مكتوب
دفتر البنات الأربع.
قلبت الصفحة، ولقيت تاريخ قديم جدًا.
وتحته أسماءنا الأربعة.
وفاء.
خلود.
داليا.
شهد.
لكن تحت كل اسم كان فيه سطر مكتوب بخط جدتي.
وفاء أول حفيدة.
داليا الطفلة اللي كانت بتسأل كتير.
شهد أصغرهم.
أما اسمي أنا، فكان تحته
اللي حاولت أفهمها، وهي رفضت تفهمني.
بصيت لجدتي.
قالت
كنتِ أكتر واحدة بتزعّلني بأسئلتك.
قلت
عشان كنت بسأل ليه بتعاملينا كده.
سكتت.
وبعدين قالت
وعشان كده كنتِ أكتر واحدة أنا محتاجة أعتذر لها.
وفجأة أبويا قال
ماما، كفاية.
جدتي ردت
لأ. خلاص وقت السكوت انتهى.
وأشارت للدفتر.
آخر صفحة.
قلبت للآخر.
كان فيه ظرف صغير.
فتحته.
طلع منه إيصال قديم جدًا، ومعاه صورة لورقة من مستشفى.
وفوق الورقة مكتوب
نتيجة الفحص الوراثي.
قرأ أبويا الورقة، ووشه اتغير.
عمي الكبير سأله
فيه إيه؟
قال
المشكلة كانت معروفة من زمان.
جدتي قالت
من يوم ما أبوكم كان شاب.
سألتها
يعني إيه؟
ردت
يعني عدم وجود ولد مش ذنب حد. ولا ذنب أمهاتكم. ولا ذنبكم.
ثم أخذت نفسًا طويلًا.
لكن أنا بدل ما أقبل الحقيقة، فضلت ألوم البنات.
وفاء قالت
طب ليه خبيتي الورق كل السنين دي؟
جدتي بصت للأرض.
كنت خايفة.
من إيه؟
كنت خايفة الناس تعرف إن كل السنين اللي قضيتها أقول إن العيلة ناقصها ولد... كانت مبنية على وهم.
سكت الجميع.
ثم مدت يدها ناحية المفتاح الخامس.
لكن لسه أهم حاجة.
المفتاح الخامس كان صغير جدًا.
سألتها
ده بيفتح إيه؟
قالت
المخزن القديم.
أبويا اتفاجئ
ماما، إنتِ لسه محتفظة بالمكان ده؟
هزت رأسها.
آه.
رحنا كلنا للمخزن.
كان مقفول من سنين.
حطيت المفتاح في القفل.
الباب اتفتح بصعوبة.
جواه كان فيه أثاث قديم، صناديق، وملفات متربة.
لكن في آخر المكان كان فيه صندوق حديد كبير.
وفوقه ورقة واحدة
لا يُفتح إلا أمام البنات الأربع.
بصينا لبعض.
قلت
افتحوه.
فتحنا الصندوق.
جواه كانت مفاجأة أكبر من كل اللي شوفناه.
أربع شهادات ملكية.
كل واحدة باسم واحدة فينا.
وفوقهم خطاب.
مسكته وبدأت أقرأ
يا وفاء، يا خلود، يا داليا، يا شهد...
أنا قضيت عمري أقول إن البنات بياخدوا خير العيلة ويمشوا.
لكن الحقيقة إن الخير اللي كان عندي، أنا اللي ضيعته بإيدي.
الأرض دي، والبيت ده، والمدخرات دي...
أنا كنت مخبياهم عشان أضمن إن كل واحدة فيكم يكون ليها حقها، حتى لو أنا مش موجودة.
لكنّي كنت خايفة أديكم حقكم وأنا عايشة، لأن كبريائي كان أقوى من عقلي.
دلوقتي مفيش وقت للكلام.
كل واحدة تاخد نصيبها كامل.
ومحدش له حق يمنعها.
رفعت عيني عن الورقة.
الكل كان ساكت.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت في آخر سطر
أما أنا، فتركت لكم شيئًا أهم من المال...
قلبت الورقة.
وكان مكتوب
اتعلموا من غلطتي... ما تحكموش على قيمة الإنسان من كونه ولد أو بنت.
وفجأة سمعت صوت جدتي من بعيد
دلوقتي بس أقدر أمشي وأنا مرتاحة.
رجعنا بسرعة للأوضة.
كانت جدتي بتبص لنا.
وقالت
أنا ظلمتكم سنين... بس آخر حاجة أقدر أعملها إني أرجع لكم حقكم.
وبصت لي تحديدًا
يا خلود... إنتِ كنتِ أكتر واحدة زعلت مني.
قلت
آه.
ابتسمت بحزن
وعندك حق.
لأول مرة في حياتي، سمعت منها الكلمة اللي كنت مستنياها وأنا طفلة
أنا غلطت.
لكن قبل ما نرد، دخلت أمي وهي بتبكي وقالت
استنوا... فيه حاجة لسه محدش شافها.
كانت ماسكة ظرف صغير.
لقيته في دولاب جدتكم من شوية.
جدتي أول ما شافته، عينيها اتوسعت.
وقالت
الظرف ده؟!
أمي هزت رأسها.
جدتي قالت بسرعة
ما تفتحيهوش.
وقتها عرفنا إن جوه الظرف كان فيه سر أخير...
سر كانت جدتي نفسها بتحاول تمنعنا من معرفته أمي فضلت واقفة مكانها والظرف في إيدها.
جدتي قالت بصوت ضعيف
قلت لكِ ما تفتحيهوش.
أمي بصت لها وقالت
ليه يا ماما؟ إيه اللي جواه؟
جدتي