جدتي

لمحة نيوز


فهمنا إن الميراث الحقيقي اللي تركته جدتي ماكانش الأرض ولا المال.
كان الحقيقة.
حقيقة إن بعض الأخطاء بتسيب أثر كبير...
لكن الإنسان يقدر، ولو متأخر، يعترف بيها ويصلح الجزء اللي يقدر عليه.
ومن اليوم ده، قررنا نعمل حاجة باسم جدتي.
مش تمثال.
ولا حفلة.
ولا كلام كبير.
قررنا نفتح جزء من البيت القديم كمكان صغير لتعليم الأطفال المحتاجين مجانًا.
وكتبنا على الباب
هنا لا فرق بين ولد وبنت... كل طفل له نفس الحق في العلم والكرامة.
وكان أول قرار اتفقنا عليه إحنا الأربع
إن الغلطة اللي عشنا بسببها عمر كامل...
ما تتكررش مع طفل واحد تاني عدّى شهرين على افتتاح المكان.
في البداية، الناس كانت مستغربة.
بعض الجيران قالوا
هو ليه فتحتوا المكان هنا بالذات؟
وكنا بنرد ببساطة
عشان دي كانت أمنية أخيرة لجدتنا.
الأطفال بدأوا ييجوا كل يوم.
بعضهم كان بييجي عشان يتعلم القراءة والكتابة، وبعضهم عشان يذاكر، وبعضهم لمجرد إنه يلاقي مكان هادي يقعد فيه.
وكان أهم شرط عندنا واضح
مفيش فرق بين ولد وبنت.
وفي يوم، دخل ولد صغير اسمه ياسين.
كان واقف عند الباب ومش عايز يدخل.
سألته
مالك؟
قال
أبويا قالي المكان ده للبنات.
ابتسمت وقلت
مين قال لك كده؟
قال
واحد من الجيران.
دخلت معاه، ووريته الفصل.
كان فيه أطفال ولاد وبنات قاعدين مع بعض.
قلت له
هنا محدش بيقول لك إنت ولد ولا بنت. هنا بنسألك إنت محتاج تتعلم إيه.
ابتسم ودخل.
وفي نفس اليوم، حصلت مفاجأة.
واحدة من المدرسات لقت صندوق صغير في المخزن.
كان عليه اسم جدتي.
جابت الصندوق لنا.
فتحناه.
ماكانش فيه فلوس.
ولا ذهب.
كان فيه عشرات الأوراق الصغيرة.
كل ورقة فيها اسم طفل من العيلة.
وفي آخر الصندوق، لقينا ورقة جديدة.
مكتوب فيها
لو قدرتوا تعملوا مكان يدخل منه طفل من غير ما يحس إنه أقل من غيره، يبقى أنتم فهمتوا الدرس اللي أنا اتعلمته متأخر.
قرأنا الورقة في صمت.
وفاء قالت
هي كانت مخططة لكل ده؟
قلت
يمكن كانت بتتمنى بس.
وبعد أيام، بدأنا نكتشف إن جدتي كانت سايبة مبلغ صغير مخصص للمكان.
مش مبلغ ضخم.
لكن كفاية نبدأ بيه.
والأغرب إن المبلغ كان موجود من سنين، ومكتوب عليه
فلوس الأعياد اللي كنت بحرم البنات منها.
ضحكنا رغم دموعنا.
داليا قالت
حتى الفلوس اللي كانت بتمنعها عننا طلعت هتروح للأطفال.
قلت
يمكن دي أحسن حاجة عملتها.
مر عام كامل.
المكان كبر.
بقينا بنستقبل أطفال أكتر.
وفي أول يوم عيد بعد افتتاحه، جه وقت توزيع الهدايا.
حطينا الهدايا على ترابيزة كبيرة.
وكنت واقفة وأنا فاكرة أول عيد في حياتي، لما جدتي كانت بتدي الولاد فلوس وتقول إن البنات ملهمش حاجة.
مسكت أول هدية.
وناديت
ياسين.
دخل الولد.
اديته هديته.
وبعده بنت صغيرة.
وبعدها ولد.
وبعدها بنت.
واحد ورا التاني.
من غير تفرقة.
وقبل ما نقفل المكان، وقفت قدام صورة جدتي القديمة.
قلت في سري
يمكن مش هقدر أنسى كل اللي حصل.
لكن قدرت أخلي آخر أثر ليكي في حياتي مختلف عن أول أثر.
وده كفاية.
بعدها رجعت البيت.
لقيت ظرف جديد على الترابيزة.
استغربت.
كان جاي من مكتب محامي جدتي.
فتحته.
وكان فيه مستند واحد.
ومعه رسالة قصيرة
هناك جزء من أرض العائلة لم يتم تقسيمه بعد، وقد تركته جدتكم باسم البنات الأربع بشرط واحد.
قرأت الشرط.
وتجمدت مكاني.
لأن الشرط كان
أن تظل الأرض مشتركة بينكم جميعًا، وألا تُباع أو تُقسّم لمدة عشر سنوات.
اتصلت بوفاء وداليا وشهد فورًا.
ولما اجتمعنا، عرفنا إن الأرض كانت أكبر قطعة في ممتلكات جدتي.
وفهمنا إن آخر اختبار لها ماكانش عن المال.
كان عن قدرتنا إحنا الأربع إننا نفضل إيد واحدة من غير ما ندخل في خلاف على الميراث.
وقتها قلت لهم
لو جدتي كانت بتدور طول عمرها على حد يشيل اسم العيلة... إحنا هنشيل حاجة أهم.
وفاء سألت
إيه؟
قلت
وصيتها.
وافقوا كلهم.
ومن يومها، الأرض بقت جزء من مشروع أكبر.
مشروع يحمل اسم البنات الأربع.
وبعد عشر سنين، لما رجعنا لنفس المكان، كان على البوابة لافتة كبيرة
مؤسسة البنات الأربع للتعليم.
وقفت قدامها وأنا أفتكر الطفلة الصغيرة اللي كانت قاعدة عند باب المطبخ، خايفة تمد إيدها على قطعة لحمة.
ابتسمت.
لأنها أخيرًا كبرت...
وبقت قادرة تحط الخير قدام غيرها من غير ما تخاف حد يقول لها
إنتِ بنت... مالكيش حق.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف طفل أو طفلة محتاجين مساعدة، أفتكر جدتي.
مش عشان أنسى ظلمها.
لكن عشان أفتكر آخر درس علمتهولنا
العدل اللي اتأخر سنين، أفضل من ظلم يستمر للأبد بعد ما المشروع كبر، افتكرنا إن الحكاية خلصت.
لكن بعد عشر سنين، وصلنا جواب من مكتب المحامي مرة تانية.
كنت أنا ووفاء وداليا وشهد قاعدين في نفس الأوضة اللي كانت جدتي بتقعد فيها.
المحامي حط قدامنا ملف وقال
ده آخر مستند تركته جدتكم.
فتحت الملف.
كانت وصية إضافية، مكتوبة قبل وفاتها بأيام.
أول سطر كان
لو أنتم الأربعة لسه واقفين جنب بعض بعد عشر سنين، يبقى أنا أخيرًا نجحت في إصلاح جزء من اللي أفسدته.
سكتنا.
ثم قرأت
أنا عارفة إن المال ممكن يفرّق الإخوات، وإن الأرض ممكن تخلي أقرب الناس لبعض يتحولوا لخصوم.
عشان كده، لو فضلتوا مع بعض عشر سنين، بيعوا جزءًا من الأرض فقط، وحولوا ثمنه لصندوق دائم لتعليم الأطفال.
أما الجزء الباقي، فخلوه باسمكم أنتم الأربعة.
مش عشان يبقى عندكم مال أكتر.
لكن عشان تفتكروا إن البنت اللي كنت بعتبرها أقل من الولد، ممكن تكون هي نفسها سبب خير يعيش بعدي.
وفاء مسحت دموعها.
داليا قالت
هي فعلًا كانت بتفكر فينا لآخر لحظة.
أما شهد فقالت
بس أنا عندي سؤال.
بصينا لها.
قالت
إحنا ليه طول الوقت بنفتكر أسوأ حاجة عملتها؟
سكتنا.
ثم قالت
مش لازم ننسى... بس يمكن لازم نفتكر كمان إنها اعترفت وغلطها وقف عندها.
هزيت رأسي.
صح.
وبعد شهور، نفذنا الوصية.
اتخصص جزء من الأرض للمشروع، وبقى المكان أكبر.
وفي أول حفل لتكريم الأطفال المتفوقين، طلبت مني بنت صغيرة اسمها نور إنها تقول كلمة.
طلعت على المسرح، وكانت ماسكة شهادة صغيرة.
وقالت
أنا زمان كنت فاكرة إني مش هقدر أبقى حاجة مهمة، عشان بابا كان دايمًا يقول إن الولد أحسن.
الصالة كلها سكتت.
كملت
بس هنا اتعلمت إن البنت تقدر تتعلم وتشتغل وتساعد أهلها وتعمل حاجة كويسة للناس.
أنا وقتها مقدرتش أتكلم.
لأن الجملة رجعتني عشرات السنين.
نفس الفكرة.
لكن المرة دي النهاية مختلفة.
بعد الحفل، رجعت البيت وفتحت صندوق جدتي لأول مرة من سنين.
لقيت المفتاح القديم.
حطيته في إيدي وافتكرت كل حاجة
العصاية.
المطبخ.
قطعة اللحمة.
الظلم.
الصندوق.
الأوراق.
والاعتذار.
وفهمت أخيرًا إن أكتر حاجة كانت جدتي غلطانة فيها إنها قضت عمرها تحاول تخلّي اسم العيلة يستمر...
ومافهمتش إن الاسم الحقيقي لأي عيلة مش بيتحفظ بالولد وحده، بيتحفظ بالأخلاق والعدل والناس اللي بتعمل خير باسمها.
قفلت الصندوق.
ومن يومها، ماعدتش أقول
جدتي كانت بتكرهنا.
بقيت أقول
جدتي أخطأت في حقنا... ثم اعترفت وحاولت تصلح.
والفرق بين الجملتين كان كبير.
لأن الأولى كانت بتخليني أعيش في الماضي.
أما الثانية فخلتني أكمل حياتي.
وفي آخر يوم من كل سنة، كنا إحنا الأربع بنروح المكان ونقفل الباب بعد خروج آخر طفل.
قبل ما نمشي، كنا بنبص للافتة المكتوب عليها
مؤسسة البنات الأربع للتعليم.
وكانت جملة جدتي مكتوبة تحتها
لا تجعلوا طفلًا يشعر يومًا أنه أقل من غيره بسبب كونه ولدًا أو بنتًا.
وكل مرة كنت أقرأها، كنت أفتكر الطفلة الصغيرة اللي كنتها.
وأقول لها في سري
أهو يا خلود... المرة دي محدش منعك من نصيبك.
وبكده انتهت حكاية جدتي.
مش بنهاية مثالية تمسح الماضي...
لكن بنهاية خلت الظلم درسًا، والحق ميراثًا، والأربع بنات سببًا في خير أكبر من كل اللي جدتهم كانت تتخيله بعد مرور سنة على آخر وصية، حصل شيء
 

تم نسخ الرابط