جدتي

لمحة نيوز


سكتت.
وفاء قربت خطوة وقالت
إحنا خلاص عرفنا حاجات كتير. لو فيه حاجة تخصنا، من حقنا نعرفها.
جدتي غمضت عينيها لحظات، وبعدين قالت
افتحيه.
أمي فتحت الظرف.
طلع منه جواب قديم، وصورة بالأبيض والأسود، وورقة صغيرة مكتوب عليها عنوان.
مسكت أمي الجواب وبدأت تقرأ.
إلى أمي...
لو وصل لكِ الجواب ده، يبقى أنا مش قادر أقول لك الكلام ده وش لوش.
الطبيب أكد إن المشكلة مش عند زوجات أولادي، وإن عدم وجود ولد مش ذنب أي واحدة فيهم.
لكن أهم حاجة قالها لي...
إن البنات الأربعة مش مجرد أحفاد.
كل واحدة منهم لها حق قانوني في جزء من أرض العيلة، لأن الأرض كانت مسجلة باسم أمهم وجدتها قبل الجواز، وتم نقل ملكيتها للأبناء والأحفاد بعد ذلك.
أبويا اتصدم.
إيه؟!
عمي الكبير أخذ الورقة من أمي.
قرأها بنفسه.
ثم قال
يعني الأرض دي أصلًا كان فيها نصيب للبنات؟
جدتي هزت رأسها.
أيوه.
قلت
وإنتِ كنتِ عارفة؟
ردت
كنت عارفة.
طب ليه ما قلتيش؟
قالت بصوت مكسور
لأني كنت مقتنعة إن الفلوس والأرض لازم يفضلوا في خط الرجالة.
وفاء قالت
يعني حتى حقنا كنتِ شايفاه أقل؟
جدتي ردت
كنت غلطانة.
سكتنا كلنا.
ثم أخرجت جدتي مفتاحًا صغيرًا من تحت الوسادة.
وقالت
في خزنة البنك فيه المستندات الأصلية.
أبويا قال
إنتِ مخبية كل ده ليه؟
قالت
لأني كنت خايفة أموت قبل ما أصلح اللي عملته.
ثم نظرت لنا وقالت
أنا مش عايزاكم تاخدوا حاجة عشان أنا جدتكم. أنا عايزاكم تاخدوا حقكم لأن ده حقكم.
داليا بدأت تبكي وقالت
إحنا كنا فاكرين إنك طول عمرك بتكرهينا.
جدتي ردت
أنا كنت بكره فكرة إن العيلة ما فيهاش ولد... وخلطت بين الفكرة وبينكم. وده كان أكبر ظلم عملته.
شهد سألت
طب ليه طلبتي إننا ناكل من إيدك؟
جدتي ابتسمت بحزن.
لأني كنت عايزة أعمل مرة واحدة في حياتي حاجة للبنات بإرادتي، من غير ما أقول إنهم أقل من الولاد.
بصيت للصينية اللي كانت لسه موجودة.
لكنّي ما قدرتش آكل.
مش لأن الأكل وحش.
لكن لأن ذكريات طفولتي كانت أقوى من أي طبق.
جدتي فهمت.
وقالت
مش لازم تاكلي يا خلود.
سكتت لحظة، ثم أضافت
ولا لازم تسامحيني.
رفعت عيني لها.
لأول مرة ما حسيتش بالغضب.
ولا بالشفقة.
حسيت إنني أخيرًا فهمت إن اعترافها بغلطها مش هيمسح اللي حصل، لكنه على الأقل هينهي الكذبة اللي عشنا فيها سنين.
بعد يومين، راح أبويا وعمامي معانا للبنك.
فتحنا الخزنة.
وطلع منها الملف الأصلي.
المستندات أكدت كل كلمة قالتها جدتي.
الأرض كانت فعلًا فيها حقوق مسجلة بأسماءنا.
رجعنا البيت.
ووقتها حصلت حاجة محدش توقعها.
أبويا حط المستندات قدامي وقال
دي حقوقكم. ومحدش هيقرب منها.
عمي الكبير قال نفس الكلام.
وعمي الصغير كمان.
لأول مرة في حياتنا، الرجال الثلاثة وقفوا قدامنا وقالوا بوضوح
إنتوا أصحاب حق.
وفي المساء، رجعنا لجدتي.
كانت حالتها أضعف.
قعدنا جنبها، وكل واحدة فينا قالت لها كلمة.
وفاء قالت
أنا مسامحاكي.
داليا قالت
أنا مش هنسى، بس مش شايلة منك.
شهد قالت
أنا لسه زعلانة، بس فهمت.
أما أنا فسكت.
جدتي بصت لي.
وقالت
وإنتِ؟
قلت لها
أنا مش هقدر أرجع طفولتي، ومش هقدر أنسى إيدي وهي مورمة بسبب العصاية.
دمعت عينيها.
كملت
بس مش هكمل حياتي وأنا شايلة الغضب جوايا.
جدتي أغمضت عينيها.
وقالت
ده أكتر مما أستحق.
وفي صباح اليوم التالي، وصلنا خبر إن جدتي توفت بهدوء.
لكنها تركت لنا وصية أخيرة.
كانت مكتوبة بخط إيدها
لو في يوم اتجمعتوا على سفرة واحدة، حطوا الأكل قدام الأربع بنات الأول.
ومن يومها، كل عيد كنا بنتجمع في نفس البيت.
لكن السفرة اتغيرت.
مفيش طبق للرجالة وطبق للبنات.
مفيش حد يقعد بره المطبخ.
ومفيش طفل بيتمنع من الأكل عشان بنت أو ولد.
أما أنا، فاحتفظت بالمفتاح الصغير اللي فتح آخر باب في سر جدتي.
مش لأنه أغلى حاجة ورثتها.
لكن لأنه فكّرني بحاجة أهم
إن الإنسان ممكن يغيّر غلطه متأخر... لكن الاعتذار الحقيقي يبدأ لما يرجّع الحقوق لأصحابها، مش لما يطلب منهم ينسوا اللي حصل بعد وفاة جدتي بشهر تقريبًا، كنا فاكرين إن كل أسرارها انتهت.
لكن اللي حصل بعدها أثبت لنا إننا كنا غلطانين.
في يوم، وأنا برتب حاجات جدتي القديمة، لقيت ظرف صغير مستخبي بين صفحات كتاب قديم.
كان مكتوب عليه
إلى خلود وحدها... بعد وفاتي.
اتوترت.
أخدت الظرف وفتحته.
جواه ورقة واحدة
يا خلود، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة.
أنا عارفة إنك هتسألي نفسك ليه طلبت منك تحديدًا تفتحي الظرف؟
لأنك كنتِ أول واحدة شافت ظلمتي، وأول واحدة رفضت تعتبره طبيعي.
لكن فيه حاجة أنا ما قلتهاش قدام إخواتك.
الحقيقة إن موضوع الولد ماكانش هو السر الوحيد.
فيه قرار أخدته من سنين، وكان ممكن يغيّر حياتكم الأربعة بالكامل.
وقفت عن القراءة.
رجعت أقرأ السطر مرة تانية.
ثم كملت
من أكتر من خمسة وعشرين سنة، حصل خلاف كبير على أرض العيلة.
والدكم كان وقتها محتاج فلوس عشان يسدد ديون قديمة.
وكان فيه شخص عرض يشتري جزء من الأرض.
أنا رفضت.
مش عشان الأرض.
لكن لأن الجزء ده كان هو نفسه الأرض اللي أمهاتكم الأربعة ورثوها عن أهلهم.
ولو اتباعت، كان حقكم هيضيع.
لذلك أنا أخفيت المستندات، وحفظتها في مكان آمن، وقلت للجميع إن الأوراق ضاعت.
كنت قاسية، وكنت أتصرف بطريقة غلط، لكني في النقطة دي حاولت أحمي حقكم.
المشكلة إنني بدل ما أشرح لكم الحقيقة، فضلت ساكتة.
وسكوتي خلاني أظهر قدامكم كأني عدوكم.
نزلت الورقة من إيدي.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن جدتي ماكانش عندها غير القسوة.
لكن الحقيقة كانت أعقد.
دخلت أمي عليّ، ولما شافت الورقة قالت
لقيتيها؟
بصيت لها باستغراب.
إنتِ كنتِ عارفة؟
أمي سكتت.
قلت
ماما، ردي عليا.
قالت
كنت عارفة إن جدتك مخبية أوراق مهمة... لكن ما كنتش أعرف محتوى الرسالة.
سألتها
طب ليه ما قالتليش الكلام ده وهي عايشة؟
أمي ردت
يمكن لأنها كانت عارفة إن الكلام لوحده مش كفاية. كانت عايزة تسيب دليل.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت وفاء من الصالة
يا خلود! تعالي بسرعة.
خرجنا.
وفاء كانت ماسكة ظرف تاني.
قالت
لقيته في صندوق الخشب.
فتحناه.
كان جواه مفتاح قديم، وعليه رقم.
داليا قالت
هو إحنا هنبدأ تاني؟
شهد ضحكت
واضح إن جدتنا كانت مخبية أسرار تكفّي مسلسل.
لكن أنا ما ضحكتش.
لأن على الظرف كان مكتوب
المفتاح ده مش لخزنة... ده لمكان.
أخدنا المفتاح وبدأنا نفتش في البيت.
بعد ساعات، افتكر أبويا بابًا قديمًا في المخزن.
كان موجود من سنين، لكن محدش كان بيستخدمه.
جربنا المفتاح.
الباب اتفتح.
وراه كانت أوضة صغيرة جدًا.
وفي نصها مكتب خشب.
فوق المكتب دفتر قديم.
فتحناه.
الصفحة الأولى كانت مكتوبة بخط جدتي
هنا كتبت كل حاجة ما قدرتش أقولها وأنا عايشة.
قلبت الصفحة.
وكان أول اسم مكتوب
خلود.
وبجانبه تاريخ يعود لليوم اللي حصلت فيه واقعة العصاية وأنا طفلة.
وقرأت
النهارده ضربت خلود.
هي سرقت قطعة لحمة.
لكن الحقيقة إن اللي سرق منها حاجات أكبر بكتير هو أنا.
سرقت منها إحساسها إنها متساوية مع غيرها.
وأنا عارفة إن العصاية دي هتوجعها أيام...
لكن الكلام اللي قلته لها ممكن يفضل جواها سنين.
سكتنا كلنا.
ثم قلبت الصفحة التالية.
كانت عن وفاء.
ثم داليا.
ثم شهد.
جدتي كانت كاتبة تفاصيل صغيرة عن كل واحدة فينا.
الحاجات اللي بتحبها.
الحاجات اللي كانت بتخاف منها.
الأيام اللي كانت بتفرح فيها.
حتى المواقف اللي كانت بتشوفنا فيها من بعيد وإحنا فاكرين إنها مش مهتمة.
وفاء بدأت تبكي.
وقالت
يعني كانت متابعة حياتنا؟
أمي ردت
كانت بتتابعكم أكتر مما تتخيلوا.
وفي آخر الدفتر، لقينا جملة واحدة
أنا لم أتعلم كيف أكون جدة جيدة، لكنني أتمنى أن تتعلم بناتي الأربع كيف يكنّ أفضل مني.
قفلت الدفتر.
وفي اللحظة دي،
 

تم نسخ الرابط