اللقمة المرة الجزء الاول حكايات مني السيد
حكايات مني السيد حصري
كنت كل ما أطبخ لحمة ألاقيها ناقصة والسمك يختفي من الطبق والكبدة تختفي قبل ما السفرة تتحط! ولما اتكلمت، حماتي بصتلي في عيني وقالتلي إنتي اللي بتاكلي الأكل وبتكدبي علينا!
أنا عايشة في بيت عيلة، ومن يوم ما دخلت البيت ده وأنا عارفة إن المطبخ مش بتاعي لوحدي بس عمري ما تخيلت إن أكلي نفسه هيبقى قضية وحرب أعصاب.
أنا اللي بطبخ، وأنا اللي بشتري، وأنا اللي بقف بالساعات على رجلي عشان أجهز الغدا لكل البيت.
لكن كانت فيه واحدة مخلية حياتي چحيم أخت جوزي.
البنت دي كانت بتدخل المطبخ في أي وقت، من غير ما تستأذن، وكأنها صاحبة المكان.
أطبخ لحمة؟
تدخل وهي بتضحك، تفتح الحلة، وتاخد حتة بإيدها وتاكلها وهي واقفة.
أعمل سمك؟
تدخل تاخد سمكة من الصينية وتقول بمنتهى البرود
أنا جعانة يا مرات أخويا.
وأقول لنفسي معلش دي أخت جوزي.
لكن الموضوع ما وقفش عند كده.
الفراخ كانت أسوأ حاجة.
كنت أول ما أخلص تسبيك وأحط الفراخ في الحلة، ألاقيها دخلت وأكلت الأونصة والكبدة والقلب، وتسيب باقي الفراخ كأنها بتعمل فيا معروف.
وفي مرة كنت عاملة كبدة مخصوص لجوزي، دخلت المطبخ، بصتلي وقالت
هو انتي هتاكلي كل ده؟
ضحكت وقلتلها
ده لجوزي.
ردت وهي بتحط قطعة في بوقها
ما أنا أخته برضه.
سكت.
كنت دايمًا بقول لنفسي معلش، عشان ما أكبرش الموضوع.
لكن اللي كان بيوجعني أكتر من أكلها، إن حماتي كانت كل مرة تفتش في الأكل وتعد القطع بعينيها.
مرة تقول
هو مش أنا كنت شايفة اللحمة أكتر من كده؟
ومرة
الفراخ كانت كبيرة راحت فين؟
ومرة تبصلي بشك وتقول
إنتي بتدوقي من الأكل كتير؟
والله العظيم أنا كنت بخاف أدوق الأكل أصلًا.
كنت أطبخ وأحط الأكل على السفرة من غير ما ألمس منه حاجة.
ومع ذلك الشك كان دايمًا رايح ناحيتي.
لحد اليوم اللي طفح بيا الكيل.
كنت عاملة لحمة، ودخلت المطبخ لقيت كمية كبيرة ناقصة.
بصيت لأخت جوزي، وبعدين بصيت لحماتي.
وقلت وأنا بحاول أضحك
أصل شكل القطة أكلت اللحمة.
حماتي بصتلي ببرود وقالت
اقفلي الشباك كويس بقى عشان القطة ما تدخلش.
ساعتها ما قدرتش أسكت.
بصيتلها وقلت
مش القطة يا حماتي بنتك هي اللي أكلت اللحمة.
البيت كله سكت.
أخت جوزي بصتلي پصدمة، وبعدين بدأت ټعيط وتقول إني بظلمها وبشوّه صورتها.
ومن اليوم ده معاملتها ليا اتغيرت تمامًا.
بقت تقصد تضايقني.
تدخل المطبخ وتبوظ حاجة.
تتكلم عليا قدام أمها.
وحماتي بقت كل ما الأكل ينقص تبصلي أنا.
لحد ما جه اليوم اللي ربنا قرر فيه يظهر الحقيقة.
كنت في المطبخ، وأخت جوزي دخلت وهي فاكرة إن مفيش حد شايفها.
بصيت من بعيد وسكت.
لقيتها بتفتح الحلة، وتطلع الأونصة سخنة بإيدها، وتحاول تاكلها بسرعة وهي خاېفة حد يدخل عليها.
وفجأة
الأونصة وقفت في زورها.
بدأت تكح وتخبط على صدرها، وأنا وقفت مكاني مش عارفة أعمل إيه.
وبمجرد ما خرجت مني صړخة
الحقووووها!
البيت كله اتلم.
ولأول مرة الحقيقة ظهرت قدام حماتي بعينيها.
لكن بدل ما تعتذرلي، بصتلي وقالت
إنتي شمتانة فيها؟
بصيتلها وقلبي مليان قهر، وقلت
لأ يا حماتي مش شمتانة فيها.
وسكت ثواني، وبعدين قلت
بس أنا فرحانة إن حقي رجع.
حماتي اتعصبت، وبصت لبنتها.
وأخت جوزي، بدل ما تعترف، بصت لأمها وقالت جملة خلت الډم نشف في عروقي
مرات أخويا ظالماني وإنتي مصدقة كلامها ليه؟
وساعتها حماتي أخدت قرار خلّى اللي حصل كله مجرد بداية.
لأنها دخلت أوضتها، وطلعت حاجة من الدولاب وقالتلي تعالي ورايا، أنا عايزة أوريكي حاجة.
مشيت وراها ورجلي تقيلة، خطواتي على البلاط كانت بتعمل صوت بيرن في ودني مع كل دقة من دقات قلبي اللي كان هيقف من الړعب
والفضول. دخلت أوضتها، الأوضة اللي ريحتها دايمًا بخور عود مخلوط بريحة كمكمة الفرش القديم، وقفت على الباب وبصيت لها وهي بتقفل الشباك الأول، وبعدين لفت وبصتلي، ومدت إيدها ورزعت الباب ورايا وضړبت الترباس.
الصوت بتاع الترباس وهو بيعشق في الحديد عمل رعشة في ضهري. وقفت مربعة إيدي وأنا حاسة بريقي ناشف، عيني عليها وهي بتمشي بالراحة ناحية الدولاب الخشب التقيل، دولابها القديم اللي بقفله ونحاسه شاهد على حكايات البيت ده من يوم ما اتبنى.
فتحت الدرفة الوسطانية، ومدت إيدها لتحت خالص، من بين ملايات السرير المتطبقة ومفارش النيش المركونة. طلعت علبة صاج مربعة، من بتاعة البسكويت بتاعة زمان اللي عليها رسمة الوردة الباهتة، وحطتها على السرير وقعدت جمبها، وضړبت بكفها على المرتبة جنبها وقالت بنبرة هادية بس تقطع زي السکينة
اقعدي هنا يا مروة اقعدي عشان الكلام اللي هيتقال ده ما يخرجش براه جدران الأوضة دي، لا لجوزك ولا لأمك ولا لأي مخلوق دبت فيه الروح.
قربت بخطوات بطيئة، قعدت على طرف السرير وعيني على العلبة الصاج. كنت متوقعة دهب ناقص، متوقعة مصېبة تخصني، متوقعة إنها هتطلعلي تهمة جديدة تلبسهالي عشان تغطي على بنتها اللي كانت لسه بتكح وبترجع برا في الصالة بعد ما فص الأونصة وقف في قصبها الهوائية.
فتحت العلبة
أول ما الغطا اترفع، عيني لقطت دفاتر صغيرة مسطرة، وأكياس بلاستيك بيضا مربوطة بإحكام، وميزان مطبخ ديجيتال صغير بحجم الكف.
بصيت للعلبة وبصيت لحماتي، ولساني اتلجم. قلت وأنا باخد نفسي بصعوبة
إيه ده يا حماتي؟ ميزان إيه ودفاتر إيه؟
حماتي ابتسمت ابتسامة صفرا، مالت بضهرها لورا وسندت إيدها على ركبتها، وقالت بصوت واطي ومبحوح
ده ميزان المطبخ اللي كنت بدور عليه وقولتلك تلاقيه تاه مع النقلة وده الدفتر اللي بسجل فيه كل ربع كيلو لحمة، وكل فرخة بتدخل التلاجة برقمها وميزانها وكل قرش ابنك بينزلهولي أول الشهر.
حسيت بكهربا مشيت في جسمي، البرود اللي بتتكلم بيه كان أصعب من زعيقها. بلعت ريقي وقلت
يعني إنتي إنتي عارفة؟ عارفة إن الأكل مش بينقص بسبب إني بدوقه؟ عارفة إن بنتك هي اللي بتعمل كده؟ وعارفة إني مظلومة ومتبهدلة قدامك وقدام نفسي؟
حماتي رفعت حاجبها، وبصتلي بنظرة كلها كبرياء وغرور وقالت
وأنا من إمتى بيعدي عليا الهوا في البيت ده يا بت الناس؟ من إمتى أم وليد يتضحك عليها ولا يفوتها فص توم مش حتة لحمة؟ أنا عارفاها حتة حتة، ووزناها قبل ما تتحط في حلتك، وعارفة إن نهى بنتي بتدخل تاكل اللحمة، وعارفة إنها بتاخد حتت الفراخ النسايل المليانة وتسيبلك العضم والرقاب، وعارفة إنها رمت السمك المقلي مرة في كيس الژبالة عشان تكيد فيكي لما لقيتك بتعرفي تعمليه أحسن منها!
الكلام نزل عليا زي مية ڼار بتغلي. الډم غلي في عروقي لدرجة إني وقفت على حيلي من الصدمة، صړخت بصوت مخڼوق وأنا بحاول أتمالك أعصابي عشان ما أصحاش العمارة كلها
عارفة؟ عارفة كل ده وكنتي بتيجي تقفي على راسي في المطبخ وتبصيلي وتقوليلي هو الأكل بيتبخر ولا إنتي اللي بتدوقي وتسرقي اللقمة من ورا جوزك؟! كنتي بتخليني أنام طول الليل دمعتي على خدي وبدعي ربنا يظهر حقي، وبنتك تقف تتشمت فيا وتضحك عليا، وفي الآخر تقوليلي إنتي عارفة؟! طب ليه؟ ليه الظلم ده يا حماتي؟ أنا عملتلك إيه؟ مش دي أمانة عند ربنا هتحاسبي عليها؟
حماتي ولا اتهزت. قامت وقفت قدامي، قصر قامتها ما منعش جبروتها إنه يبان، رفعت صباعها في
وشي وقالت بحزم
اقعدي مكانك واكتمي صوتك ده خالص البيت ده له كبيرة واحدة، هي أنا. وله شرف واحد وعرض واحد، ما يتهزش قدام حد.