اللقمة المرة الجزء الاول حكايات مني السيد
المحتويات
بنتي لحمي ودمي، بنتي من بطني لو بنتي عيّانة، لو بنتي فيها طبع واطي، لو بنتي غلاوية وبتبص للقمة في بوق الغريب أستر عليها وأغطيها بجلابيتي وما أخليش مخلوق يكسر عينها، إن شالله تشيل البيت كله على كتافها وترميه في البحر! لكن إنتي؟ إنتي الغريبة يا مروة. إنتي داخلة علينا بشنطة هدومك، لو عودتك إن ليكي صوت وإنك تطلعي بنتي غلطانة، بكرة تشيلي مناخيرك للسما وتقولي أنا صاحبة البيت وأنا اللي ممشياهم!
قعدت على السرير تاني ڠصب عني، حسيت إن ركبي سابت، الدنيا لفت بيا. المنطق اللي بتتكلم بيه منطق مفترس، منطق ما يعرفش حلال ولا حرام. بصيت في عينيها ولقيت نظرة قاسېة، نظرة ست مستعدة تظلم الدنيا كلها عشان تحمي كبرياء زائف هي رسمته في خيالها.
قلت وأنا بمسح دمعة نزلت ڠصب عني من القهر
يعني أنتي يا حماتي بتبليني بذنب مش ذنبي عشان ما تكسريش عين بنتك المفترية؟ وتكسري عيني أنا؟ وتخليني صغيرة قدام جوزي؟ وليد لو عرف الكلام ده
قاطعتني بسرعة، وقربت وشها مني لدرجة إني حسيت بأنفاسها السخنة
وليد لو عرف كلمة واحدة من اللي دارت في الأوضة دي مش هقوله أختك غلطانة، هقوله مراتك نازلة فينا تلطيش وإهانات، وهقوله إنك شتمتيني وشتمتي أخته، وهقوله إنك عايرتينا في بيتنا وإنك مش طايقة عيشة العيلة! ووليد؟ وليد ابني وأنا اللي مربياه، لو خيّرته بين ظفري وبينك، هيرميكي في الشارع من غير هدومك اللي عليكي، وإنتي عارفة وليد بيحب أمه إزاي وبيقدس تراب رجلي!
الكلام شل لساني لأنها للأسف كانت بتقول جزء من الحقيقة وليد طيب، وبيحبني، بس وليد عنده أمه دي خط أحمر ملوش نهاية، أمه كلمة منها بتطيره للسما وكلمة منها بتهد البيت فوق دماغه ودماغي.
فتحت الدفتر قدامي وبدأت تقلب في الورق، كل صفحة مكتوب فيها اليوم والتاريخ يوم السبت كيلو بفتيك ناقص قطعتين، يوم الاتنين سمك بلطي ناقص سمكة، يوم الأربع طبق الكبدة ناقص النص.
بصيت للدفتر بذهول، كان ناقص بس تحط بصمات نهى عليه! سألتها بصوت مرتعش
طب مدام أنتي حاسبة كل حاجة كده سايباها ليه تدمر صحتها وتدمر بيتنا؟ دي كانت ھتموت برا دلوقتي يا حماتي! الأونصة وقفت في زورها، ربنا كان هيفضحها قدام عينك لولا إني صړخت وحاولت ألحقها! مش خاېفة عليها؟ مش خاېفة من عقاپ ربنا؟
حماتي اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع ڼار من جواها، قفلت الدفتر ورزعته في العلبة، وبصت في الأرض لثواني، وظهر على وشها كسرة غريبة حاولت تداريها بسرعة
نهى بنتي مش بتعمل كده عشان جعانة يا فالحة نهى بنتي مريضة. من يوم ما خطيبها سابها من سنتين وراح اتجوز واحدة تانية، وهي اتكسرت بقت تطلع غلها في الأكل، وتطلع غلها في أي حد داخل البيت ده مبسوط. لما لقت وليد بيحبك، وبيجيبلك طلباتك، وبيقولك يا حبيبتي قدامها، الغل أكل قلبها. بقت تقف في المطبخ تبصلك وإنتي بتطبخي بحب، وتقول لنفسها ليه دي تتهنى وأنا اترميت في الرف؟ الأكل عندها وسيلة عشان تبوظ عليكي أي فرحة، عشان تخلي وليد يدخل يلاقي الأكل ناقص فيزعقلك، عشان تحس إنها قادرة تبوظ العيشة اللي هي اتحرمت منها!
كنت بسمع كلامها ومذهولة. هل ده تبرير؟ هل الۏجع يديك حق تدوس على غيرك؟
قلت بحدة
طب
والمړض يتعالج بالستر على الغلط وتلبيس التهم للغلبان؟ لما تروحي للدكتور وتعالجيها أحسن ما تسيبيها تفترسني؟ أنا ذنبي إيه أكون كبش الفدا لعقد بنتك؟ أنا اللي قولت لخطيبها يسيبها؟ أنا بشتغل خدامة في البيت ده من سبعة الصبح، بنضف السلالم وبمسح الشقق وبطبخ تلات وجبات وبغسل مواعين تكفي مطعم، وفي الآخر أتحاسب على لقمة دخلت بطنها هي؟!
حماتي قربت من العلبة وقفلتها، وطلعت مفتاح صغير من صدر جلابيتها وقفلت القفل، وبعدين بصتلي بعينين باردة وقالت
ده اللي عندي. نهى مش هتروح لدكاترة ولا حد هيقول على بنتي مچنونة ومحروقة من مرات أخوها. والعلبة دي هتفضل هنا، والميزان ده هيفضل هنا. وإنتي من هنا ورايح ليكي حل من اتنين يا تقفلي بوقك خالص، وتطبخي وتزودي النواب في كل حلة، تعملي حساب نهى في حتة وحتتين زيادة عشان تاكلهم في الدرى من غير ما حد يحس، وساعتها مش هفتح بوقي بنص كلمة ولا هقول الأكل ناقص يا إما تفتحي صدرك وتعملي فيها صاحبة حق، وساعتها هتشوفي وشي التاني، وهخلي وليد يكره اللحظة اللي شافك فيها!
وقفت قدامها والدموع في عيني اتحولت لحاجة تانية لناشف، لقسۏة عمري ما حسيت بيها في حياتي. مسحت وشي بكفي ووقفت مستقيمة، بصيت في عينيها مباشرة وقلت
يعني بتساوميني يا حماتي؟ بتساوميني عشان أداري على سړقة بنتك، وأطبخ من ډم قلبي وفلوس جوزي عشان هي تسرق بالراحة ومحدش يحاسبها؟
حماتي ابتسمت باستهزاء
سميها مساومة، سميها عقل، سميها اللي تسميه المهم إن سفينة البيت دي تمشي على هوايا أنا. يلا اطلعي شوفي البت برا عملت إيه، ولمي المطبخ عشان أخوكي وليد على وصول من الشغل، ومش عايزة ألمح في عينك لمحة نكد واحدة.
لفت ضهرها وبدأت ترجع العلبة تحت الهدوم بهدوء يقهر. مديت إيدي على ترباس الباب وفتحته، الصوت طقطق في الصالة، وخرجت وأنا حاسة إني اتولدت من جديد، بس بنسخة تانية خالص نسخة مفيهاش الطيبة الهبلة اللي دخلت بيها البيت ده، ولا السذاجة اللي كانت مخلية الكل يدوس على كرامتي ويسكتني بكلمة معلش دي أخت جوزك.
أول ما رجلي خطت الصالة، لقيت نهى قاعدة على الكنبة، وشها لسه أصفر من الخنقة، وحاطة إيدها على رقبتها، وبتبصلي بعينين مليانة غل وخوف في نفس الوقت. كانت ماسكة كوباية مية بتترعش في إيدها، وأول ما شافتني خارجة من أوضة أمها، مالت براسها لقدام كأنها بتحاول تفهم أمها قالتلي إيه.
مشيت ناحية المطبخ من غير ما أنطق حرف. خطوتي كانت ثابتة وعيني ما نزلتش في الأرض زي كل مرة.
دخلت المطبخ ريحة الشوربة كانت لسه مالية المكان، وحلة اللحمة على البوتاجاز بتكتك بصوت واطي. بصيت للرخامة، لقيت طبق الفراخ اللي نهى كانت ھتموت بسببه، الأونصة التانية كانت مرمية على الرخامة بعد ما طارت من إيدها وهي بتشرق.
مسكت المنديل، وشلت الأونصة بهدوء، ورميتها في الباسكت.
وقفت قدام الحلة، قلبت الشوربة بالمعلقة الخشب، ولقيت نفسي ببتسم ابتسامة غريبة ابتسامة واحدة عرفت خلاص نقطة ضعف عدوها فين. حماتي خاېفة من الڤضيحة، خاېفة إن ابنها يعرف إن بنتها مريضة حقد وبتسرق الأكل وبتتصرف زي العيال الصغيرة، ونهى خاېفة من صورتها قدام أخوها، والاتنين بيتحاموا في فكرة إن مروة الغريبة الهادية اللي ما بتعرفش ترد.
وفجأة، سمعت صوت المفتاح في الباب اللي برا.
صوت التكة بتاعة الباب وهو بيتفتح وليد رجع.
يا أهل البيت! يا أمي! يا مروة!
صوت وليد كان عالي كعادته وهو داخل من الشغل، صوت
راجل تعبان وشقيان طول النهار في المعمار والمواقع، وراجع نفسه يرمي همومه وياكل لقمة حلوة يرتاح بيها.
سمعت صوت حماتي طالعة تجري من الأوضة
أهلاً يا سندي، أهلاً يا نور عيني! حمد الله على السلامة يا قلب أمك!
متابعة القراءة