طمع الاقارب الجزء الثاني حكايات مني السيد
الجزء الثالث
أشرف قام من على درجات السلم بالعافية، كأن في رجليه قيد حديد تقيل بيجره لتحت. دخل الشقة ورا فيروز وراسه مدلدلة في صدره، مكسور كسر ما يداويه عتاب. قفلت فيروز الباب وراهم بالمفتاح، والتكة بتاعة الكالون رنت في ودنه كأنها حكم محكمة نزل على رقبته. الشقة كانت نظيفة، ريحة المعطر الهادي بتملى الجو، وهوا التكييف بيضرب في الصالة، نقيض تام للخړابة اللي سابها تحت في شقة نيرمين؛ نقيض للغبرة، والعرق، والقهر اللي اتجرعه نقطة نقطة على مدار شهر كامل.
فيروز مشيت قدامه بخطوات واثقة، وقفت عند ترابيزة السفرة، وسحبت كرسي وقعدت، وشاورت له على الكرسي المقابل اقعد يا أشرف.
قعد أشرف على حرف الكرسي، خاېف يسند ضهره حتى على قماش الكرسي النضيف بهدومه المتبهدلة عرق ومونة. كانت كفوف إيديه مشققة، ضوافره مكسرة ومسودة من الجير، وشعره منكوش عليه طبقة رمل بيضا خلت ملامحه تبان أكبر من سنه بعشر سنين.
فيروز... أنا... صوته كان مخڼوق ومكسور، بس فيروز رفعت كف إيدها في الهوا بهدوء تام، قاطعته بحزم ولا كلمة دلوقتي. أنا سمعت زعيقكم تحت، وسمعت كلام نيرمين حرف حرف. اللي حصل ده كان لازم يحصل، ومش عشان أشمت فيك، إنت جوزي في الأول وفي الآخر، ولو شمت فيك أبقى بشمت في نص بيتي. بس كان لازم تفوق بنفسك، كان لازم الحيطة تخبط في وشك إنت عشان تصدق إن اللي حواليك مش ملايكة بجناحات، وإن في ناس كل ما تديهم من لحمك، بيطلبوا عضمك يحلو بيه.
أشرف مسح دموعه بكم التيشيرت المغبر، وقال بصوت بيترجف عملت كل ده عشان وصية أمي يا فيروز! أمي دخلت العمليات وخرجت منها وهي بتوصيني على نيرمين، كانت دايماً تقول لي أختك لحمك وعرضك، لو إنت ما شلتهاش مين يشيلها؟ كنت حاسس بالذنب، كنت بقول دي ولية لوحدها بعد طلاقها، والزمن وحش... ما كنتش متخيل إنها بتبص لي كأني عتال ببلاش، كأني ماليش قيمة ولا كرامة عندها! تصوري يا فيروز، طلعت لي ورقة كاتبالي فيها حتى تمن الشاي والسجاير؟! قايلالي إنت مديون لي بعشر تلاف جنيه؟! بعد ما شيلت تلاتين شيكارة أسمنت على ضهري؟! ده أنا كنت ببات مش قادر أتقلب من الۏجع!
فيروز بصت له بنظرة فاحصة، فيها مزيج من الشفقة المشوبة بالصلابة، وقالت أمك الله يرحمها يا أشرف كانت ست من جيل قديم، والجيل ده كان عنده فكرة إن الراجل معمول عشان يتحرق في سبيل غيره، وإن الست خصوصاً لو الأخت الكبيرة تفضل تاكل وتشرب في خير إخواتها الرجالة بحجة إنها مکسورة الجناح. بس أمك غلطت، وأكبر غلطة عملتها إنها حرمتك من حقك الشرعي في ورث أبوك وكتبت الشقة لنيرمين بيع وشړا، وإنت طاطيت ووافقت وقولت أختي. والنتيجة إيه؟ أختك استقوت، اعتبرت ضعفك وسكوتك حق مكتسب، وشافتك مجرد أداة تنفذ بيها طلباتها. لكن مش دي المشكلة الكبيرة دلوقتي، المشكلة في الکاړثة اللي إنت وقعت بيتنا فيها.
أشرف رفع راسه، عينيه وسعت بړعب کاړثة إيه؟! أنا خسړت أختي وكرامتي خلاص، في مصېبة تانية؟!
فيروز طلعت موبايلها من جيب البنطلون، وحطته على السفرة قدامه، وفتحت شاشة الواتساب أستاذ مدحت، مدير الحسابات عندك في الشركة، متصل بيا الصبح قبل الصلاة. أشرف اتفزع وقام نص قومة من على الكرسي مدحت اتصل بيكي ليه؟! أنا واخد إجازة بدون مرتب وورقي سليم! ورقة إجازتك اترفضت من مجلس الإدارة يا أشرف بعد ما مشيت بيومين. الكلمة نزلت
على ودانه زي رصاصة، رجع لورا واتخبط في ضهر الكرسي، وشه اتجرد من كل نقطة ډم يعني إيه اترفضت؟! ده أنا كاتب الطلب ومدحت قايلي هيمشيه ودي لحد ما الإدارة العامة توافق! مدحت كان ماشي معاك بالحب عشان زمالة الشغل، لكن الإدارة قررت تعمل هيكلة ومراجعة لحسابات السنة المالية في يوليو، لما لقوك غايب وطلبك مش ماضي عليه العضو المنتدب، اعتبروك منقطع عن العمل بقالك أسبوعين! مدحت كان بيحاول يداري عليك وكلمك مېت مرة تليفونك مقفول عشان الهانم كانت بتاخد منك التليفون عشان تركز في شغل الشقة والسباكة وما تضيعش وقت. لما يئس منك، كلمني أنا عشان رقمي متسجل في ملف الطوارئ بتاعك في الشركة. مدحت قالي لو أشرف ما ظهرش بكرة الصبح يوم السبت وقدم عذر طبي رسمي أو تقرير يثبت سبب انقطاعه، قرار الفصل هيطلع يوم الأحد الصبح ويسودوا له ملفه في التأمينات!
أشرف حط إيديه على راسه وقعد يشد في شعره پجنون شغلي؟! شغلي هيضيع مني؟! أنا بقالي تسع سنين بتعب في الشركة دي عشان أوصل للمرتب والدرجة دي! كل ده يروح عشان أدهن حيطان نيرمين وأبلط لها الحمام؟! أنا انتهيت يا فيروز... أنا ضيعت مستقبلي ومستقبل بيتي بإيديا! وانهار في عياط هستيري، جسمه كله كان بيتنفض.
فيروز فضلت هادية، ماتحركتش من مكانها، لكن عينيها كانت حادة زي الموس إنت لسه ما انتهتش يا أشرف، بس واقف على حرف الهاوية. إما تاخد خطوة لورا وتسترجل وتصلح الخړاب ده، وإما ترمي نفسك في البير وساعتها ما تلومش إلا نفسك، ولما تقع مش هتلاقيني واقفة مستنياك، لأني مش هغرق مع غريق قرر ينتحر بمزاجه.
أشرف زحف على ركبه ومسك طرف ترابيزة السفرة، باصص لها