طمع الاقارب الجزء الثاني حكايات مني السيد
منه تمن الشاي واللقمة اللي طفحها في خدمتك! فالأصول بقى بتقول إن طالما مفيش جدعنة ومفيش ډم، يبقى القانون هو اللي يحكم. أشرف دفع تمن الخامات دي من جيبه ومن التزاماته، وإنتي يا تدفعي التمانين ألف جنيه كاش دلوقتي حالا وتاخدي فواتيرك وتخلصي، يا المحضر هيتعمل والشقة هيتعمل عليها حظر تأجير والزبون يطير، وشوفي بقى مين في السبتية والرويعي هيصبر عليكي لما يعرفوا إنك نصبتي على أخوكي!
نيرمين بصت لقرايبها اللي كانوا قاعدين جوة، وشافت في عيونهم نظرات الڤضيحة والاستحقار، عرفت إن اللعبة اتقلبت عليها بالكامل، وإن فيروز مسكتها من إيدها اللي بتوجعها الفلوس والزبون والسمعة. فضلت تبص لأشرف، تحاول تستعطفه زي عادتها كده يا أشرف؟ تهون عليك أختك الكبيرة وشقا أمك يتفضح قدام الغريب؟ ده أنا لحمك ودمك! أشرف رد عليها بجمود صخري، كلام طلع من أعماق قلبه اللي اتجرح اللي هان عليه لحمه ودمه وعمله عتال وكسر نفسه قدام الناس عشان يذله، ما يطلبش الرحمة يا نيرمين. إنتي ما افتكرتيش اللحم والدم وإنتي بتديني ورقة الديون امبارح وبتقولي لي روح لمراتك تصرف عليك. قدامك حل من اتنين يا تكتبي شيك أو وصل أمانة بالحاجات دي وتاخدي من عربون الزبون تسديها أول بأول، يا والله العظيم ما في زبون هيعتب الشقة دي، وهقفلها ليكي بالضبة والمفتاح بالقانون!
نيرمين قعدت على أقرب كرسي في الصالة وهي بټعيط قهر وغيظ، مش ندم على اللي عملته في أخوها، لكن عشان خطتها كلها فشلت واتحاصرت في الزاوية الضيقة. دخلت الأوضة ورجعت بعد خمس دقايق، رمت على الترابيزة شيك بمبلغ الخامات، ومعاه إقرار بالتنازل عن أي ادعاء مالي ضد أشرف،
كتبته بإيدها تحت إشراف المحامي رؤوف. أشرف مسك الورق، اتأكد منه، وبص لأخته نظرة أخيرة خالية من أي إحساس، وقال حق الخامات هيرجع لأصحابه، وعرقي وتعتيلي ليكي شهر كامل مسامح فيه لوجه الله، بس عشان أمي ترتاح في تربتها... لكن اعتبري إن ما لكيش أخ من اللحظة دي. رقمي تمسحيه، وباب شقتي ما تخبطيش عليه، ولو شوفتيني في الشارع صدفي، امشي في الرصيف التاني.
نزل أشرف وفيروز والحاج شوقي، وسابوا نيرمين في شقتها بتولع في غلها، وسط نظرات الخزي من قرايبها اللي خرجوا وراهم وهم بيهزوا راسهم على قلة أصلها وجشعها اللي ضيع أخوها وسندها الوحيد.
طلع أشرف وفيروز شقتهم في الدور التالت. قفل أشرف الباب، ووقف في نص الصالة، حاسس بتعب السنين كله فوق ضهره، بس في نفس الوقت، كان حاسس بحاجة غريبة ما حسهاش من سنين طويلة... حس إنه راجل، حر، مش عبد لحد ولا خاضع لابتزاز عاطفي باسم الأخوة المزيفة.
بص لفيروز اللي كانت بتقلع طرحتها وبتعلق الشنطة، ومشي ناحيتها بخطوات بطيئة، وقف قصادها ونزل عينه في الأرض فيروز... الشيك ده هيتصرف أول الشهر من حسابها، الفلوس دي كلها هتدخل في حسابك إنتي، وفلوس الجمعية بتاعتك اللي اتكلمت عليها زمان اعتبريها محفوظة، ومن الشهر الجاي، مرتبي كله هيكون في إيدك تقسمي منه للبيت ولنفسك زي ما إنتي شايفة. فيروز لفت وبصت له، عينيها ما كانش فيها قسۏة، كان فيها هدوء النصر وراحة البال. قربت منه، وطبطبت على كتفه بحنية حقيقية كانت مفتقداها بقالها كتير الفلوس بتروح وتيجي يا أشرف، المهم إنك إنت اللي رجعت. الراجل اللي كنت شيفاه نايم على السلم مكسور ده ما كانش جوزي، إنما الراجل اللي وقف تحت وقال لأ في وش الظلم والطمع، ده الراجل اللي أنا اخترته وكملت معاه. بس خليك فاكر... الدرس ده كان غالي أوي، وربنا سترها المرة دي، فما ترجعش تفتح الباب للشيطان تاني، لا باسم أمك الله يرحمها، ولا باسم الډم واللحم. البيت ده له حرمته، وكرامتك فيه هي كرامتي.
أشرف مسك إيد فيروز وباسها باحترام اتعلمت يا فيروز... والله العظيم اتعلمت، وربنا يقدرني وأعوضك عن كل حړقة ډم شوفتيها بسببي.
فيروز ابتسمت ابتسامة هادية، ولفت وشها ناحية المطبخ طب ياللا بقى ادخل غير هدومك، على ما أعمل لنا غدا معتبر، زمانك مېت من الجوع بعد الهوجة دي كلها. والسبت الجاي ترجع شغلك زي الباشا، كفاية إجازات وهبل.
دخل أشرف أوضته وهو حاسس إن الحيطان اللي كانت خنقاه بدأت تتنفس، وإن الحياة اللي كانت هتتهد فوق دماغه رجعت تتبني من جديد، بس المرة دي على أساس متين من غير نفاق ولا ضعف. أما فيروز، فوقفت قدام شباك المطبخ، بصت على شوارع الدقي الزحمة، وهي عارفة إن المعركة مع نيرمين خلصت، بس الحكاية لسه فيها فصول تانية من الحياة ومفاجآتها، والست الأصيلة هي اللي تعرف تحمي بيتها وتفضل واقفة على رجليها مهما هبت العواصف! النهاية