حكاية نورا
المحتويات
أعضاء المجلس سأل
ومين المسؤول عن اعتماد العقود دي؟
رد سامح
حسب السجلات، معظمها مر بمكتب الإدارة الاستراتيجية، وبعضها حصل على موافقات إضافية من إدارات تانية. إحنا محتاجين نسمع تفسيرات المسؤولين عن كل معاملة قبل ما نصل لأي استنتاج نهائي.
طلبت من دانيال استدعاء جوليان.
دخل بعد دقائق، ووشه متماسك بالعافية.
جلس في المقعد المقابل لي، وحط ملفه قدامه.
قال مالكولم
جوليان، أنت عارف إن فيه مراجعة مستقلة لبعض العقود. إحنا عايزين نسمع ردك على النقاط المذكورة في التقرير.
فتح سامح صفحة على الشاشة.
العقد الأول بقيمة ستة ملايين ومئتي ألف جنيه، خاص بخدمات استشارية. السعر أعلى من ثلاثة عروض مستقلة حصلنا عليها لنفس الخدمات، بنسبة كبيرة. هل عندك تفسير للفرق ده؟
جوليان عدّل جلسته.
الشركة اللي تعاقدنا معاها عندها خبرة متخصصة، والعروض التانية مش بالضرورة تقدم نفس مستوى الخدمة.
هل فيه دراسة فنية توضح الفرق؟
المستندات دي موجودة عند الإدارة.
رد سامح
بحثنا عنها، لكننا ما لقيناش دراسة مقارنة معتمدة ضمن الملف.
جوليان الټفت لدانيال.
ممكن تكون اتحفظت في الأرشيف القديم.
دانيال قال
لو موجودة، نقدر نراجعها. لكن لحد دلوقتي، المستندات المطلوبة مش موجودة في السجل.
انتقل سامح للعقد الثاني.
فيه عقد تاني بقيمة تلاتة ملايين وسبعمية ألف جنيه، اتعدل سعره بعد التوقيع الأول بثلاثة أسابيع، من غير ما يكون فيه تغيير واضح في نطاق العمل.
جوليان رد بسرعة
العميل طلب تعديلات إضافية.
سأله سامح
فين طلب العميل؟
سكت جوليان للحظة.
هراجعه وأبعته لكم.
دوّنت الملاحظة في محضر الاجتماع.
ما كنتش عايزة أستفزه، ولا أظهر أي انتصار شخصي.
كنت عايزة إجابات واضحة، ومستندات تثبتها.
استمر الاجتماع قرابة أربعين دقيقة، وفي نهايته، أوصى المجلس بتعليق الموافقات الجديدة المرتبطة بالعقود محل المراجعة، وحفظ كل السجلات الإلكترونية، وإجراء مراجعة إضافية بواسطة جهة مستقلة.
كما تقرر إن جوليان يقدّم ردًا مكتوبًا على الملاحظات خلال خمسة أيام عمل، وإن أي قرار إداري يخصه يتأجل لحين انتهاء الإجراءات.
جوليان كان ساكتًا أغلب الوقت.
لكن قبل ما يقوم، بص لي وقال
نورا، ممكن نتكلم لوحدنا؟
قلت
بعد ما الاجتماع يخلص، لو فيه موضوع شخصي، نتكلم في مكان مناسب. أما موضوع الشركة، فكل حاجة لازم تكون موثقة.
قام من مكانه، وخرج من القاعة من غير ما يرد.
بعد انتهاء الاجتماع، رجعت لجناح الفندق المخصص لكبار الضيوف.
كنت محتاجة أقعد لوحدي شوية.
ما كنتش سعيدة إن جوزي وصل للمرحلة دي، ولا كان هدفي إني أحرجه قدام الموظفين.
لكن فيه فرق كبير بين إنك تحافظ على كرامة شخص، وإنك تسمح له يهينك علشان تتجنب مشكلة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، سمعت خبطًا على الباب.
فتحت، ولقيت جوليان واقفًا قدامي.
ما كانش لابس الجاكت، وربطة عنقه كانت مرتخية.
قال
ممكن أدخل؟
تنحيت عن الباب، ودخل.
وقف في منتصف الغرفة، وبص حواليه، وبعدها رجع بص لي.
أنا مش فاهم إزاي وصلنا لكده.
قعدت على الكرسي المقابل للنافذة.
وصلنا لكده إزاي؟
إنتِ بقيتي صاحبة الشركة، وفيه تحقيقات مالية، ومجلس الإدارة بيشكك في شغلي. كل ده حصل في ليلة واحدة!
التحقيقات ما بدأتش الليلة دي يا جوليان. هي بدأت من ستة أسابيع.
بص لي پصدمة.
ستة أسابيع؟ وإنتِ كنتِ عارفة كل ده وساكتة؟
كنت مستنية النتائج، مش التخمينات.
مرر إيده على وشه.
طيب، ليه ما قولتيليش إنك بتشتري الشركة؟
لأن الصفقة كانت سرية لحد ما تكتمل، ولأنك ما كنتش طرفًا في المفاوضات.
أنا جوزك!
رفعت عيني له.
وده المفروض يخليك تعاملني باحترام، مش يخليك تعتقد إنك من حقك تعرف كل أسرار عملي من غير ما أسألك إذا كنت مستعدة أشاركها.
سكت قليلًا، ثم قال
أنا غلطت لما طلبت منك تمشي من الحفلة.
دي مش المشكلة الوحيدة.
أنا عارف. بس كنت متوتر، وكنت متوقع الإعلان عن ترقيتي. لما شوفتك واقفة هناك، اتصرفّت بطريقة مش كويسة.
إنت ما كنتش متوتر بس. إنت ضړبتني في كتفي، وأهنتني قدام موظفينك، وقررت بالنيابة عني إن مكاني مش موجود في القاعة.
نزلت عيني للحظة ناحية كتفي، ثم رجعت بصيت له.
لو كنت عملت كده مع أي موظف في شركتك، كنت هتعتبر تصرفك مقبولًا؟
ما ردش.
كملت
أنا مش محتاجة جوزي يكون غني، ولا صاحب منصب، ولا مدير شركة. أنا محتاجة شريك يحترمني، حتى لما يكون مختلف معايا.
جلس على الكرسي المقابل لي.
أنا آسف يا نورا.
كانت أول مرة أسمع منه اعتذارًا من غير ما يضيف بعده جملة تبدأ بكلمة لكن.
ومع ذلك، ما كنتش مستعدة أعتبر إن الاعتذار كفاية.
قلت له
أنا سمعت اعتذارك. لكن الثقة مش بترجع بكلمتين، والاحترام مش حاجة بتقدمها لما تكتشف إن الشخص اللي قدامك أقوى منك.
هز رأسه ببطء.
إنتِ عايزاني أعمل إيه؟
ابدأ بأنك تبطل تتعامل معايا كأن قيمتي بتتحدد بمنصبي أو بحجم الفلوس اللي عندي.
سكت طويلًا.
ثم قال
هل ده معناه إنك هتمنعيني من الترقية؟
بصيت له باستغراب.
حتى في اللحظة دي، وبعد كل اللي حصل، كان أول سؤال يهمه هو مستقبله المهني.
قلت
الترقية مش قراري الشخصي لوحدي، ومش هتتحدد بناءً على علاقتنا. مجلس الإدارة هيقيّم أداءك، والتحقيق هيوضح إذا كنت مؤهلًا للمنصب ولا لأ.
وقف فجأة.
يعني إنتِ مش هتساعديني؟
لو تقصد إني أتدخل علشان أخلي المجلس يتجاهل النتائج، فالإجابة لأ.
لكن إنتِ تقدري تغيري القرار!
أقدر أضمن إن الإجراءات تكون عادلة. لكن مش هستخدم سلطتي علشان أديك امتيازات مش من حقك.
اتجه ناحية الباب، ثم توقف قبل ما يفتحه.
أنا محتاج وقت أفكر.
قلت بهدوء
خد وقتك.
خرج، وأغلق الباب وراءه.
فضلت قاعدة مكاني، وبصيت للمدينة من خلف الزجاج.
كنت عارفة إن الليلة دي مش هتغير جوليان في يوم واحد.
لكنها على الأقل كسرت الصورة اللي كان بيعيش جواها.
في صباح اليوم التالي، وصلت إلى مقر نورث ستار هولدينجز قبل التاسعة.
كنت مجهزة خطة واضحة لإعادة تنظيم أوريليا سيستمز، تشمل مراجعة العقود، وتحسين الرقابة المالية، وتقييم أداء الإدارات، وإنشاء نظام يسمح للموظفين بالإبلاغ عن المخالفات من غير خوف.
وقبل ما أدخل الاجتماع، استوقفتني موظفة شابة في الممر.
كانت اسمها مريم، وبتشتغل في قسم المشتريات.
قالت
بتردد
أستاذة نورا، ممكن أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم؟
دعوتها تدخل المكتب، وقدمت لها كوب مياه.
اتفضلي يا مريم. أنا بسمعك.
فتحت حقيبتها، وطلعت منها ملفًا صغيرًا.
أنا كنت مسؤولة عن تجهيز عروض الأسعار الخاصة ببعض العقود اللي اتراجعت مؤخرًا. وفيه حاجات حصلت وقتها ما كنتش مرتاحة لها.
بصيت للملف.
زي إيه؟
قالت
فيه عروض أسعار وصلت للقسم، لكن اتطلب مننا ما ندرجهاش في المقارنة النهائية. وفيه مرات اتغيرت فيها شروط التقييم بعد ما العروض وصلت.
سألتها
هل عندك مستندات تثبت الكلام ده؟
هزت رأسها.
عندي رسائل بريد إلكتروني، ونسخ من العروض الأصلية. احتفظت بيها لأنني كنت خاېفة إن الملفات تتغير أو تختفي.
ما أخدتش منها أي مستند قبل ما أوضح لها الإجراءات.
طلبت من دانيال منصور ينضم للاجتماع، وشرحت له إن مريم مستعدة تقدم معلومات إضافية، وإننا لازم نحافظ على سرية هويتها قدر الإمكان، ونمنع أي إجراء اڼتقامي ضدها بسبب تعاونها.
بعدها، اتحدد موعد رسمي لتسليم المستندات للفريق القانوني المستقل.
ولما خرجت مريم، قلت لها
شكرًا إنك اتكلمتي. ومهما كانت نتيجة المراجعة، محدش من حقه يعاقبك لمجرد إنك قدمتي معلومات بحسن نية.
ابتسمت بتوتر.
أنا كنت خاېفة أوي.
عارفة. وعلشان كده، لازم الشركة تتغير.
بعد ما خرجت، وقفت قدام النافذة للحظات.
كان واضح إن المشكلة أكبر من مجرد عقد أو اتنين.
وكان لازم نعرف إذا كانت الأخطاء دي نتيجة إهمال إداري، ولا فيه نمط متكرر يستدعي إجراءات أوسع.
لكن قبل ما أقدر أكمل، رن تليفوني.
كان جوليان.
رديت.
أيوه يا جوليان؟
قال بسرعة
نورا، محتاج أقابلك النهارده. فيه حاجة لازم تعرفيها قبل اجتماع مجلس الإدارة الجاي.
إيه هي؟
سكت للحظات.
وبعدين قال بصوت منخفض
أنا لقيت مستندات ممكن تغير كل حاجة.
مستندات إيه؟
مش هقدر أشرح في التليفون. بس لازم تشوفيها بنفسك.
سألته
هل المستندات تخص التحقيق المالي؟
أيوه.
يبقى سلّمها لدانيال، وهو هيتعامل معاها بالطريقة الرسمية.
رد بانفعال
مش فاهمة! أنا بقول لك إن فيه حاجة تخصك إنتِ شخصيًا!
اتجمدت إيدي فوق المكتب.
تخصني أنا؟ إزاي؟
قال
فيه عقد قديم باسم والدتك، مرتبط بأحد الموردين اللي ظهروا في التقرير. ولما راجعت التوقيعات والتواريخ، اكتشفت إن الموضوع ممكن يكون أقدم بكتير مما إحنا متخيلين.
للحظة، حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
والدتي؟
إيه علاقة والدتي بعقد من العقود اللي بنراجعها في أوريليا؟
كانت والدتي حريصة جدًا على سمعتها، وكانت بتحتفظ بكل المستندات القانونية الخاصة باستثماراتها.
ما كانش من المنطقي إن اسمها يظهر في معاملة مش واضحة.
قلت له بحزم
ما تلمسش أي مستند، وما تغيرش أي ملف. ابعته للمستشار القانوني، وخلّي كل حاجة تتم بشكل رسمي.
نورا، إنتِ مش فاهمة خطۏرة الموضوع.
إذن قدّم المستندات، وسيبنا نعرف الحقيقة.
أنهيت المكالمة، لكن عقلي فضل مشغولًا بكلامه.
بعد أقل من ساعة، وصلني بريد إلكتروني من دانيال.
كان مرفقًا به مستند ممسوح ضوئيًا، صادرًا قبل سبع سنوات.
فتحت الملف.
في البداية، شفت اسم شركة توريدات صغيرة، وبعدها اسم والدتي ضمن قائمة المستثمرين السابقين.
لكن اللي خلاني أقف من مكاني، إن فيه توقيعًا منسوبًا لوالدتي
متابعة القراءة