حكاية نورا

لمحة نيوز

إجراءات قبل انتهاء المراجعة الفنية.
محامي جوليان طلب الاطلاع على الأدلة الأصلية، ووافق المجلس على طلبه.
ما كنتش عايزة اجتماع يتحول لمحاكمة علنية، ولا كنت عايزة أي حد يتعامل مع جوليان باعتباره مذنبًا قبل ما ياخد فرصته في الرد.
قلت
هنوفر كل المستندات لمحاميه، وهنسمع ردوده كاملة. لكن لحد ما المراجعة تنتهي، لازم نضمن إن مفيش حد يقدر يغير الملفات أو يأثر على الشهود.
وافق المجلس على تعليق صلاحيات جوليان المتعلقة باعتماد العقود محل المراجعة، وإبعاده مؤقتًا عن أي قرار يخص الموردين المعنيين، مع احتفاظه بحقه في الرد والدفاع عن نفسه.
جوليان بص لي پغضب مكتوم.
بعد الاجتماع، استناني في الممر.
إنتِ كده بتدمري مستقبلي.
وقفت قدامه.
لأ يا جوليان. أنا بطلب إن كل واحد يتحمل مسؤولية القرارات اللي اتخذها.
إنتِ تقدري تنهي الموضوع كله بكلمة واحدة.
وأقدر كمان أتجاهل أي مخالفة لمجرد إنك جوزي. لكن ده مش عدل، ولا هعمله.
هز رأسه بعدم تصديق.
حتى بعد كل السنين اللي عشناها مع بعض؟
قلت
السنين اللي عشناها مع بعض المفروض تكون سبب إنك تحترم نزاهتي، مش سبب إنك تطلب مني أتخلى عنها.
ما ردش.
ولأول مرة، حسيت إنه بدأ يفهم إن المشكلة مش في سلطتي، ولا في حجم ثروتي.
المشكلة في إنه كان متوقع مني أستخدم سلطتي علشان أحميه من النتائج، بدل ما يستخدم هو خبرته علشان يثبت إنه يستحق منصبه.
بعد أسبوعين، انتهت المراجعة الإدارية المستقلة.
التقرير النهائي ما اتهمش جوليان بالمسؤولية عن كل الخسائر، لكنه أكد وجود مخالفات في إجراءات التعاقد، وقصور في التوثيق، وقرارات إدارية اتخذت من غير الالتزام الكامل بلوائح الشركة.
وبعد مراجعة ردوده والمستندات اللي قدمها، قرر مجلس الإدارة إنهاء تعاقده في منصب المدير التنفيذي للاستراتيجية، مع إحالة بعض المعاملات للجهات المختصة لاستكمال الفحص وفقًا للإجراءات القانونية.
أما المطالبات المالية، فتم تحديدها بناءً على الأضرار اللي أمكن إثباتها، مش على إجمالي قيمة العقود كلها.
وفي نفس الوقت، قررت الشركة إعادة تنظيم إدارة المشتريات، ووضع نظام موافقات إلكتروني يمنع اعتماد أي عقد كبير من غير مراجعة مستقلة ومقارنة موثقة للأسعار.
مريم، الموظفة اللي قدمت المستندات، حصلت على ترقية بعد تقييم رسمي لأدائها، مش كمكافأة على كلامها، لكن لأنها أثبتت كفاءة واضحة في شغلها.
أما محمود، فقدم المستندات اللي كانت بحوزته للفريق القانوني، واتأكد رسميًا إنه ما كانش طرفًا في اعتماد التحويلات محل الشك.
ولما ظهرت النتيجة، اتصل بيا.
الحمد لله يا نورا. كنت خاېف إن اسم ماما يتربط بحاجة ما عملتهاش.
قلت له
الحمد لله إننا عرفنا الحقيقة.
سكت لحظة، ثم قال
عارفة يا نورا؟ ماما كانت دايمًا بتقول إن الفلوس ممكن تروح وتيجي، لكن سمعة الإنسان لو اټجرحت، صعب تتصلح.
ابتسمت بحزن.
كانت عندها حق.
بعد ما قفلت، فضلت أفكر في أمي.
كنت متأكدة إنها لو كانت موجودة، كانت هتكون فخورة إننا اختارنا الحقيقة بدل ما نحاول نخفي
أي حاجة علشان نحمي اسم العيلة.
أما جوليان، فكانت دي أصعب فترة في حياته.
بعد ما فقد منصبه، اضطر يواجه أسئلة كتير عن قراراته المهنية، وعن الطريقة اللي كان بيتعامل بيها مع الموظفين.
ولأول مرة، ما كانش فيه منصب كبير يقدر يفرض بيه رأيه، ولا موظفون بيحاولوا يرضوه علشان يحافظوا على وظائفهم.
بعد حوالي شهر، طلب يقابلني في بيتنا.
وافقت، لأن كان فيه موضوع شخصي لازم نتكلم فيه.
وصل في الموعد، وكان شايل ملفًا صغيرًا.
قعد قدامي، وحط الملف على الترابيزة.
قال
دي نسخة من كل المستندات اللي تخص التحقيق، ومعاها خطاب رسمي من محاميّ يوضح اللي قدمته للمجلس. حبيت يكون عندك نسخة، علشان كل حاجة تبقى واضحة.
أخدت الملف، وراجعته بسرعة.
شكرًا.
سكت شوية، ثم قال
أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية.
ما رديتش.
كمل
أنا كنت شايف نفسي ناجحًا، وكنت فاكر إن النجاح معناه إني لازم أكون الشخص الأقوى في كل مكان. كنت بعتبر إن أي حد يعارضني بيقلل مني، وإن الناس المفروض تمشي على اللي أنا شايفه.
رفع عينيه ناحيتي.
وده انعكس على شغلي، وعلى طريقتي معاكي. حتى في الليلة دي، لما طلبت منك تمشي، كنت بتصرف كأن وجودك لازم يتحدد على حسب اللي أنا عايزه.
قلت بهدوء
المشكلة ما كانتش إنك طلبت مني أمشي بس. المشكلة إنك حسيت إن من حقك تهينني علشان تحقق اللي إنت عايزه.
هز رأسه.
عارف.
لأول مرة، ما حاولش يبرر تصرفه بالضغط أو المسؤوليات.
قال
أنا مش جاي أطلب منك ترجّعيني للشركة، ولا تتدخلي علشان أرجع لمنصبي. أنا جاي أقول لك إني آسف، وإن اللي حصل خلاني أشوف حاجات كتير ما كنتش شايفها.
بصيت له طويلًا.
وإيه اللي اتغير؟
قال
مش هقدر أقول لك إن كل حاجة اتغيرت في شهر. لكني بدأت أراجع نفسي، وبدأت أتعلم إني أسمع الناس بدل ما أفترض إني دايمًا صح. وأنا عارف إن لو عايز أصلح علاقتنا، لازم أثبت ده بأفعالي، مش بكلامي.
سألته
وإنت عايز إيه من علاقتنا دلوقتي؟
تنهد.
عايز فرصة نحاول نفهم إذا كان ممكن نبدأ من جديد. مش علشان إنتِ صاحبة الشركة، ولا علشان عندك سلطة أو فلوس. علشان إنتِ مراتي، ولأن حياتنا مع بعض تستحق إني أحاول أصلح اللي أفسدته.
فضلت ساكتة شوية.
كنت لسه فاكرة الضړبة اللي خلّتني أتلخبط قدام الناس، والكلمات اللي قالها وهو بيأمرني أرجع البيت، والنظرة اللي كان بيبص لي بيها كأن وجودي أقل من وجود أي شخص مهم في القاعة.
لكن كنت كمان فاكرة إن الإنسان ممكن يتعلم، وإن الاعتراف بالخطأ بداية، مش نهاية.
قلت له
أنا مش هقدر أرجع للحياة القديمة، يا جوليان. ومش هقبل إنك تتعامل معايا بالطريقة دي مرة تانية.
رد فورًا
مش بطلب منك ترجعيها.
ولو هنحاول نصلح علاقتنا، لازم يكون فيه احترام متبادل، وحدود واضحة، وكل واحد فينا يحتفظ باستقلاله. شغلي وقراراتي مش تحت إدارتك، زي ما شغلك وقراراتك مش تحت إدارتي.
هز رأسه.
موافق.
وكمان، مش هستخدم منصبي علشان أرجعك للشركة، ولا هتكون ليك أي معاملة خاصة بسبب جوازنا.
قال بهدوء
مش عايز منك كده.
بصيت له، وبعدها قلت
أنا مستعدة أدي نفسنا فرصة نتكلم ونحاول نفهم إذا كان ممكن نصلح اللي حصل. لكن الثقة هترجع بالتدريج، ومش هقدر أوعدك بنهاية معينة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها ارتياح وحزن في نفس الوقت.
ده أكتر مما كنت متوقع.
ما اتعانقناش، وما حصلش تصالح سحري في لحظة واحدة.
اتفقنا إننا نبدأ باستشارات زوجية، وإننا نتكلم بصراحة عن المشاكل اللي تجاهلناها لسنين، وإن أي تغيير لازم يظهر في التصرفات اليومية.
كان ده مجرد بداية.
لكنها كانت بداية مختلفة عن كل البدايات اللي عرفناها قبل كده.
بعد ستة شهور، كانت شركة أوريليا سيستمز بدأت تستعيد استقرارها.
الديون الأخطر اتسددت، والعقود الجديدة بقت بتخضع لمراجعة أكثر صرامة، والموظفون بقوا عارفين إن فيه نظام واضح يقدروا يرجعوا له لو واجهوا أي مشكلة.
أما أنا، ففضلت في منصبي كرئيسة لمجلس الإدارة، وعيّنت مديرًا تنفيذيًا جديدًا بعد عملية اختيار مستقلة، اعتمدت على الخبرة والكفاءة.
ما كنتش عايزة الشركة تتحول إلى مشروع شخصي، ولا كنت عايزة أي حد يفتكر إن القرارات فيها بتتخذ بدافع الاڼتقام.
كنت عايزة أكون صاحبة قرار عادل، حتى لما القرار يكون صعبًا.
في يوم الاحتفال بإعادة افتتاح المقر الرئيسي بعد التجديد، وقفت على المسرح وبصيت للموظفين.
كان مالكولم قاعد في الصف الأول، ومريم واقفة مع فريق المشتريات، ومحمود موجود بين الضيوف.
بدأت كلمتي بقول
من ستة شهور، كنا واقفين في مكان مختلف تمامًا. الشركة كانت بتواجه أزمة، والموظفون كانوا خايفين على مستقبلهم، والإدارة كانت محتاجة تعيد بناء الثقة.
سكت للحظة.
النهارده، إحنا مش بنحتفل بالأرباح بس. إحنا بنحتفل إننا اتعلمنا إن نجاح أي مؤسسة مش بيتقاس بحجم الأموال اللي عندها، ولا بعدد المناصب اللي بيشغلها مديروها. النجاح الحقيقي بيتقاس بقدرتنا نحافظ على حقوق الناس، ونواجه الأخطاء، ونتعلم منها.
ارتفعت التصفيقات.
وبعد ما خلصت، نزلت من المسرح، ولقيت جوليان واقفًا بعيدًا عن المدخل.
ما كانش موظفًا في الشركة، وما كانش موجودًا بصفته مسؤولًا سابقًا.
كان حضر بدعوة شخصية مني، بعد شهور من العمل الجاد على علاقتنا.
كان بدأ وظيفة جديدة في شركة استشارات أصغر، وقبل بشروط مهنية واضحة، من غير ما يعتمد على اسمي أو ثروتي.
لما شافني، ابتسم.
مبروك يا نورا. الشركة شكلها مختلف فعلًا.
قلت
لأن الناس اللي فيها بدأوا يحسوا إن صوتهم مسموع.
هز رأسه.
وأنا اتعلمت إن ده كان لازم يحصل من زمان.
وقفنا نتكلم شوية عن شغله الجديد، وعن الخطوات اللي لسه محتاجين نكملها في علاقتنا.
ما كانش كل شيء مثاليًا، وما كانتش كل الخلافات اختفت.
لكن الفرق إننا بقينا بنتكلم من غير إهانة، ومن غير ما يحاول واحد فينا يفرض سيطرته على التاني.
وقبل ما يمشي، بص لي وقال
فاكرة الليلة اللي كنت بحاول أطردك فيها من الحفلة؟
ابتسمت.
فاكراها كويس.
أنا لحد دلوقتي مش مصدق إنك كنتِ واقفة
قدامي طول السنين دي، وأنا مش شايفك على حقيقتك.
رديت بهدوء
يمكن لأنك كنت مشغولًا جدًا وأنت بتحاول تثبت إنك أقوى شخص في المكان، لدرجة إنك ما فكرتش تسأل نفسك مين الشخص اللي واقف جنبك.
نزل عينيه للحظة، ثم قال
عندك حق.
وفي نفس الليلة، رجعت البيت، ووقفت قدام المراية وأنا بفك الحلق من ودني.
افتكرت الليلة اللي اتخبطت فيها قدام مئات الناس، واللحظة اللي مشيت فيها ناحية المسرح، وكل اللي حصل بعدها.
كنت فاكرة في البداية إن أكبر انتصار ليا هيكون إني أخلي جوليان يحس بنفس الإهانة اللي حسسني بيها.
لكن مع الوقت، فهمت إن ده ما كانش الهدف الحقيقي.
أنا ما احتجتش أدمّر حياته علشان أثبت قيمتي.
وما احتجتش أستخدم سلطتي علشان أخليه يندم.
كل اللي احتجته إني أرفض أكون الشخص اللي هو قرر إني أكونه.
الست اللي تسكت علشان تحافظ على شكل جوازها.
الزوجة اللي تقبل الإهانة علشان جوزها ما يخسرش منصبه.
والإنسانة اللي تتنازل عن مبادئها علشان ترضي شخصًا مش مستعد يحترمها.
في الليلة دي، لما طلب مني جوليان أرجع البيت، كان فاكر إنه بيحدد مكاني.
لكنه ما كانش يعرف إن مكاني ما كانش يومًا في الظل.
أنا كنت صاحبة قراري، وصاحبة عملي، وصاحبة حقي في إني أقول لأ.
والأهم من كل ده، إني اتعلمت إن الحب الحقيقي ما بيحتاجش إن طرف يصغر علشان الطرف التاني يحس إنه كبير.
وإن الاحترام
مش جائزة بتاخدها لما تثبت إنك غني أو ناجح أو صاحب نفوذ.
الاحترام حق، من أول يوم، وفي كل يوم بعده.
النهاية.

تم نسخ الرابط