تحدي الملكة
المحتويات
السهم الثالث.
لكن المرة دي، إيديها توقفت للحظة.
لأول مرة من بداية التحدي، ظهر في عينيها شيء يشبه الخۏف.
مش خوفًا من الناس، ولا من الملكة.
كان خوفًا من إنها تفشل بعد كل السنين اللي قضتها في الاستعداد للحظة دي.
لو السهم خرج بعيدًا عن المركز، هترجع لنقطة البداية.
وهتضطر تواجه نفس الأبواب المقفولة، ونفس المسؤولين اللي رفضوا يسمعوها، ونفس الحقيقة اللي عاشت خمس سنين بتحاول تثبتها.
غمضت عينيها للحظة.
افتكرت جوزها.
افتكرت آخر مرة شافته فيها قبل ما ياخدوه إلى السچن، وهو بيبص لها من خلف القضبان ويقول
روز، أوعديني إنك ما تستسلميش. أنا ما قتلتش الراجل ده، والحقيقة لازم تظهر يومًا ما.
من يومها، وهي بتعيش على الوعد ده.
فتحت روز عينيها مرة تانية.
وشدت الوتر.
الميدان كله كان ساكتًا، والهواء بيحرك الأعلام فوق الأسوار.
حتى الملكة نفسها كانت واقفة تقريبًا من شدة الترقب.
روز أخذت نفسًا عميقًا، وثبتت نظرها على النقطة الصغيرة في منتصف الهدف.
وبعدين أطلقت السهم الثالث.
السهم طار في الهواء.
مرّ بين الأعلام، وقطع المسافة الطويلة، واتجه ناحية الهدف
ثم اصطدم بالمركز مباشرة!
السهم الثالث استقر بين السهمين السابقين، وكأن الرامي كان بيحطهم بإيده في نفس النقطة!
لثوانٍ، ماحدش اتحرك.
وبعدين، اڼفجر الميدان كله بالهتافات والصړاخ والتصفيق.
بعض الناس وقفوا على مقاعدهم، وآخرون رفعوا أيديهم من شدة الدهشة.
الرماة المحترفون نفسهم كانوا بيبصوا لبعض، غير مصدقين إن البنت اللي سخروا منها من دقائق قليلة، نجحت في تحقيق المستحيل.
أما الملكة إليانور، فقامت من فوق عرشها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، بدا عليها الارتباك الحقيقي.
قالت بصوت مرتفع
مستحيل! في عشرين سنة، محدش قدر يحقق ده!
ثم بصت ناحية روز وسألتها
إزاي عملتي كده؟!
روز أنزلت القوس، وردت بهدوء
أنا تدربت كتير يا مولاتي.
لكن إجابة روز ما كانتش كفاية لإشباع فضول الملكة.
كانت عايزة تعرف مين البنت دي، وإزاي قدرت تعمل حاجة عجز عنها أمهر رماة المملكة.
ومع ذلك، كان فيه شيء أهم لازم يحصل دلوقتي.
الملكة أشارت للحراس إنهم يفسحوا الطريق أمام روز، ثم قالت
لقد نجحتِ في التحدي. ومن حقك
الآن تطلبي أمنيتك. قولي ما تريدين، سواء كان ذهبًا، أو أرضًا، أو قصرًا، أو لقبًا ملكيًا!
الجمهور بدأ يهمس من جديد.
كل واحد كان بيحاول يتوقع الأمنية اللي هتطلبها روز.
بعضهم توقع إنها هتطلب ثروة ضخمة، والبعض الآخر توقع إنها هتطلب الزواج من أمير، أو إنها هتطلب منصبًا يجعلها واحدة من سيدات القصر.
لكن روز ما طلبتش أي حاجة من دي.
وضعت القوس على الأرض، ومشت بخطوات ثابتة ناحية المنصة الملكية.
ولما وصلت أمام العرش، رفعت رأسها وبصت مباشرة في عيني الملكة.
ثم قالت جملة واحدة جعلت الابتسامة تختفي من على وجه إليانور.
أريد من جلالتك إعادة فتح قضية زوجي.
الفصل الرابع الأمنية اللي صدمت المملكة
ساد الصمت في الميدان.
الملكة كانت متوقعة أي طلب، إلا الطلب ده.
قالت وهي بتحاول تخفي دهشتها
قضية زوجك؟ أي قضية تقصدين؟
روز بلعت ريقها، لكنها حافظت على ثبات صوتها.
قضية زوجي، الذي سُجن پتهمة قتل جابي الضرائب الملكي منذ خمس سنوات. أريد إعادة التحقيق فيها، لأن زوجي بريء.
بدأت الهمسات تنتشر بين الحاضرين.
بعضهم كان فاكر القضية، لأنها كانت من أشهر القضايا اللي حصلت في المملكة خلال السنوات الأخيرة.
جابي الضرائب الملكي كان رجلًا مهمًا، وكان مسؤولًا عن جمع الأموال من عدد من المناطق التابعة للتاج.
وفي إحدى الليالي، عُثر عليه مقتولًا بالقرب من الطريق المؤدي إلى البلدة القديمة.
بعد التحقيق، اتهمت السلطات رجلًا اسمه توماس، زوج روز، بارتكاب الچريمة.
كانت فيه شهادات من أشخاص قالوا إنهم شافوه بالقرب من مكان الحاډث، وأدلة استخدمتها المحكمة لإدانته.
ورغم إنه أصر على براءته، صدر الحكم بسجنه.
ومن وقتها، اتقفلت القضية رسميًا.
الناس نسيت الموضوع بالتدريج، وبدأوا يتعاملوا مع توماس باعتباره مجرمًا يستحق العقاپ.
لكن روز عمرها ما صدقت الاتهام.
كانت عارفة جوزها كويس، وعارفة إنه مهما كانت ظروفه صعبة، عمره ما كان هيقتل إنسانًا.
الملكة بصت لها وقالت
هذه القضية حُسمت أمام المحكمة. هناك شهود أدلوا بأقوالهم، وهناك حكم صدر وفقًا للقانون. لماذا تعتقدين أن زوجك بريء؟
روز ردت بسرعة، وكأنها كانت مستعدة للسؤال ده من سنين.
لأنني أعرفه يا مولاتي. ولأن الأدلة التي استندوا إليها لا تقول الحقيقة كاملة. زوجي لم يكن في المكان الذي قُټل فيه الجابي وقت وقوع الچريمة، لكن لم يسمحوا لي يومًا بإثبات ذلك.
الملكة ضيقت عينيها.
وهل تملكين دليلًا جديدًا؟
روز هزت رأسها بحزن.
لو كنت أملك دليلًا يقبله المسؤولون، لما اضطررت للوقوف أمام جلالتك اليوم. لقد طرقت كل الأبواب، وكتبت الالتماسات، وذهبت إلى المحامين، لكن الجميع أخبرني أن القضية انتهت، وأنه لا فائدة من المحاولة.
ثم أضافت بصوت بدأ يرتعش
أنا لا أطلب ذهبًا يا مولاتي. ولا أريد قصرًا ولا أرضًا. أريد فقط فرصة عادلة ليعرف الجميع الحقيقة. لو كان زوجي مذنبًا فعلًا، سأقبل حكم القانون. لكنني أريد أن أتأكد أنه لم يُسجن ظلمًا.
الجملة الأخيرة أثرت في بعض الموجودين.
لكن الملكة ظلت صامتة.
كانت تعرف أن إعادة فتح قضية قديمة مش أمرًا بسيطًا، خصوصًا لو كانت القضية مرتبطة بمسؤول ملكي.
وفي الوقت نفسه، كانت قد أعلنت أمام المملكة كلها أن الشخص الذي ينجح في التحدي يحق له طلب أي أمنية يسمح بها القانون.
ولو رفضت طلب روز من غير سبب قانوني، هتكون بتناقض التقليد اللي حافظت عليه عشرين سنة.
نظرت الملكة إلى الفتاة طويلًا، ثم قالت
هل تفهمين أن إعادة التحقيق لا تعني إطلاق سراح زوجك؟ قد نعيد فحص الأدلة، وفي النهاية نكتشف أنه مذنب بالفعل.
روز ردت من غير تردد
أنا لا أطلب منك إطلاق سراحه من غير محاكمة. أطلب منك
أن تسمحي للحقيقة بالظهور، مهما كانت النتيجة.
في اللحظة دي، الملكة ما لقتش سببًا مشروعًا لرفض الطلب.
فقالت أمام الحاضرين
بموجب الحق الذي حصلتِ عليه بعد نجاحك في التحدي، أوافق على إعادة فتح القضية. سأصدر أمرًا بتشكيل فريق تحقيق جديد، ومراجعة الأدلة والشهادات التي بُني عليها الحكم السابق.
ارتفعت الهتافات من جديد، لكن روز ما صرختش ولا قفزت من الفرحة.
كل اللي عملته إنها غمضت عينيها، ودموعها نزلت على خدودها.
لأول مرة من خمس سنين، حسّت إن فيه بابًا اتفتح قدامها.
لكنها ما كانتش تعرف إن الطريق إلى الحقيقة لسه طويل، وإن القضية اللي ظنت المملكة إنها انتهت، كانت مخبية وراءها سرًا أخطر مما تخيل أي شخص.
الفصل الخامس خمس سنين من المعاناة
علشان نفهم ليه روز طلبت الأمنية دي بالذات، لازم نرجع خمس سنين لورا، لوقت ما كانت حياتها مختلفة تمامًا.
روز ماكانتش غنية، لكنها كانت عايشة حياة بسيطة وسعيدة مع جوزها توماس.
كان توماس رجلًا طيبًا، بيشتغل في إصلاح الأدوات وصناعة بعض القطع الخشبية، وكان معروفًا في بلدته بأمانته.
أما روز، فكانت بتساعده في شغل البيت، وأحيانًا تشتغل في الحقول علشان يقدروا يوفروا احتياجاتهم.
ماكانش عندهم قصر ولا خدم، لكن كان عندهم بيت صغير، وحديقة متواضعة، وحياة مليانة مودة.
توماس كان دايمًا يقول لها
يمكن ماعندناش فلوس كتير، لكن طول ما إحنا مع بعض، محدش يقدر يقول إننا فقراء.
روز كانت تضحك وترد
وأنا مش عايزة أكتر من كده.
لكن حياتهم اتقلبت في ليلة واحدة.
وصل خبر مقټل جابي الضرائب الملكي إلى البلدة، وبدأ الجنود يستجوبوا السكان.
بعد أيام قليلة، دخلوا بيت روز وألقوا القبض على توماس.
روز خرجت وراهم وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
كانت بتسألهم
هو عمل إيه؟ إنتوا واخدينه ليه؟!
لكن محدش كان بيرد عليها بشكل واضح.
وبعدها عرفت إن زوجها متهم پقتل الجابي.
في البداية، كانت مقتنعة إن الموضوع مجرد خطأ، وإن الحقيقة هتظهر بمجرد ما يسمعوا أقواله.
لكن المحاكمة بدأت، والشهود أدلوا بشهاداتهم، والمحكمة اعتمدت على الأدلة المتاحة، وصدر الحكم بسجنه.
روز حضرت الجلسة الأخيرة وهي مش قادرة تستوعب اللي حصل.
توماس كان واقفًا داخل القاعة، ووجهه شاحب من التعب، لكنه أول ما شافها حاول يبتسم.
قال لها من بعيد
ما تصدقيش اللي بيقولوه. أنا بريء يا روز!
كانت الجملة دي آخر حاجة فضلت عالقة في قلبها.
بعد الحكم، بدأت روز معركة جديدة.
باعت بعض أثاث بيتها، وبعدها باعت الحُلي اللي كانت محتفظة بيها من أيام زواجها، واستخدمت الفلوس علشان تستعين بمحامين.
لكن أغلب المحامين رفضوا القضية، بحجة إن الحكم صدر بالفعل، وإن إعادة التحقيق محتاجة أدلة جديدة.
واحد منهم قال لها بصراحة
يا سيدتي، لو مافيش دليل جديد، مش هنقدر نغيّر حاجة. الأفضل إنك تحاولي تتقبلي الواقع.
روز ردت عليه
إزاي أتقبل إن راجل بريء يقضي عمره في السچن؟
المحامي ماعرفش يجاوبها.
ومع مرور الوقت، بدأت الفلوس تنفد.
اضطرت روز تبيع أدوات من البيت، وتشتغل ساعات طويلة، وتتنقل بين البلدات علشان تقدم التماسات للمسؤولين.
كل مرة كانت بتروح فيها لمكتب أحد المسؤولين، كانت بتسمع نفس الرد
القضية انتهت.
لا يوجد ما يستدعي إعادة التحقيق.
لا يمكننا تغيير حكم المحكمة
متابعة القراءة