حفيدتي و الخاتم

لمحة نيوز

رغم إني ما شفتش الصورة دي قبل كده في حياتي.
إيدي بدأت تترعش.
لأن البنت اللي في الصورة ما كانتش غريبة عني.
دي كانت كلير، مرات ابني دانيال، وأم حفيدتي ليلى.
كلير اللي عرفتها من يوم ما كان عندها عشرين سنة، وعاشت معانا سنين قبل ما حاډثة العربية تاخدها هي ودانيال مننا.
لكن الصورة دي كانت مختلفة عن كل الصور اللي شفتها ليها قبل كده. كانت أصغر بكتير، ويمكن عندها خمس عشرة أو ست عشرة سنة.
والست اللي واقفة جنبها كانت بتلبس الخاتم اللي حفيدتي لقيته.
رفعت عيني للراجل اللي واقف قدامي، وقلت بصوت مش قادر يطلع طبيعي
إنت جبت الصورة دي منين؟
ردّ بهدوء
أنا اسمي نيت هاريسون. والست اللي في الصورة دي أمي إليانور، والبنت اللي جنبها أختي كلير.
فضلت باصة له من غير ما أنطق.
أختي؟
كلير عمرها ما قالت لي إن عندها أخ.
كل اللي كانت حكيته لي عن عيلتها إنها ما كانتش بتتكلم مع أبوها، وإنها قطعت علاقتها بيه من سنين طويلة.
قلت له وأنا لسه مش مستوعبة كلامه
كلير ما كانش ليها أخ.
بصّ لي باستغراب، وبعدها سألني
هي ما قالتلكيش عني؟
هزّيت راسي.
لأ. هي قالت لي إنها مش بتتكلم مع أبوها، وده كل اللي أعرفه.
وشّه اتغيّر، وكأنه كان متوقع يسمع إجابة مختلفة.
قال بصوت واطي
أبوها هو أبويا أنا كمان.
حسّيت إن قلبي اتقبض.
يعني كلير كان ليها أخ، وعيلة كاملة، وأنا ما كنتش أعرف أي حاجة عنهم.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين سألت السؤال اللي كان شاغل بالي
والست اللي كانت في السوبر ماركت امبارح؟
ردّ نيت
دي أختي التانية، ميريديث.
في اللحظة دي، بدأت أفهم ليه الست كانت مڼهارة بالشكل ده لما ليلى رجّعت لها الخاتم.
لكن لسه ما كنتش فاهمة ليه خاتم واحد ممكن يسبب كل الخۏف والدموع دي.
سألته
طيب، ليه كانت بټعيط بالشكل ده؟ الخاتم ده إيه حكايته؟
نيت بصّ للصورة اللي في إيدي، وقال
الخاتم ده كان بتاع أمي. قبل ما ټموت، وصّت إنه يروح لأول طفل كلير تخلفه. كانت عايزة حفيدها أو حفيدتها يحتفظوا بيه، باعتباره آخر حاجة غالية فضلت معاها.
بصّيت للخاتم في الصورة، وبعدها رجعت بصّيت له.
يعني كان المفروض يبقى من حق ليلى؟
هزّ راسه.
أيوه. لكن أبويا رفض يديه لكلير من تسع سنين، لما قررت تتجوز دانيال. هو قطع علاقته بيها، ومن وقتها ما بقاش حتى يحب يسمع اسمها.
حسّيت بالڠضب بيزيد جوايا.
إزاي أب يقدر يقاطع بنته كل السنين دي، لمجرد إنها اختارت تتجوز الراجل اللي بتحبه؟
وإزاي يفضل محتفظ بحاجة كان المفروض تكون من حق حفيدته، وهو عارف إن أمها ماټت؟
قلت له بحدة
وميريديث عملت إيه علشان الخاتم يوصل لليلى؟
نيت أخد نفس طويل قبل ما يرد.
هي أخدته من على الكومودينو في أوضة أبويا من يومين. كانت ناوية توصله ليكي بنفسها، لكن الخاتم ضاع منها في السوبر ماركت.
اتسعت عيني.
يعني هي سرقته؟
ردّ بهدوء
أيوه. لكنها ما كانتش عايزة تحتفظ بيه لنفسها. كانت بتحاول ترجع حق أختها وبنت أختها.
فضلت واقفة وأنا بحاول أستوعب القصة الغريبة دي.
كل حاجة كانت بتتكشف قدامي واحدة واحدة، لكن كل إجابة كانت بتفتح باب لأسئلة أكتر.
سألته
طيب، إنتوا عرفتوا عنواني منين؟ وإزاي وصلتوا لبيتي بعد كل السنين دي؟
نيت نزل عينيه للحظة، وبعدها قال
إحنا بندوّر على كلير من سنين. كنا فاكرين إنها عايشة في مكان ما، وإنها مش عايزة تتواصل معانا. لكن من حوالي تلات شهور، استعنا بباحث خاص علشان يحاول يوصل لها.
سكت شوية، وكأن الكلام اللي جاي صعب عليه.
وبعدين كمل
الباحث قدر يوصل لسجل الوصاية الخاص بليلى، ولقى اسمك باعتبارك المسؤولة عن رعايتها. وقتها عرفنا إن كلير ماټت.
بصّيت له پصدمة.
يعني إنت ما كنتش تعرف إن أختك ماټت؟
صوته اتكسر وهو بيرد
لأ. ما كناش نعرف.
نزل راسه، وفضل ساكت لحظة، وبعدها قال
كان المفروض نحاول أكتر. كان المفروض ما نستناش كل السنين دي. لو كنا دوّرنا عليها بجد، يمكن كنا عرفنا إنها ماټت بدري، ويمكن كنا قدرنا نكون جنب بنتها.
ما قدرتش أمنع نفسي من الرد
بقالها تلات سنين مېتة.
هزّ راسه بحزن.
عارف.
وبعدين أضاف
إحنا بعتنا جوابين عن طريق مكتب محاماة، لكن ما عرفناش إذا كانوا وصلوا لك ولا لأ.
افتكرت درج المطبخ اللي بحط فيه الجوابات والفواتير القديمة، واللي فيه أظرف كتير لسه ما فتحتهاش، لأنني كنت مشغولة طول الوقت بمحاولة تدبير مصاريف البيت ورعاية ليلى.
لكن حتى لو كانت الجوابات وصلت، ما كنتش هقدر أتخيل إن فيه عيلة كاملة بتدور علينا.
سألته
طيب، إنتوا عايزين إيه دلوقتي؟
نيت بصّ لي مباشرة، وقال
أبويا بېموت. الدكاترة قالوا إن فاضل له أسابيع قليلة.
سمعت كلامه، لكن الغريب إني ما حسّيتش بالحزن اللي كان متوقع مني أحس بيه.
أنا ما كنتش أعرف الراجل ده، وما كانش بيني وبينه أي علاقة، غير إنه أبو الست اللي كانت مرات ابني.
وبصراحة، بعد كل اللي سمعته عن معاملته لبنته، ما قدرتش أحس بأي تعاطف ناحيته.
قلت له ببرود
أنا آسفة إنه مريض، لكن ده مش معناه إن ليلى لازم تدخل في الموضوع.
نيت هزّ راسه.
ميريديث وأنا عايزين
ليلى تقابله قبل ما ېموت. عايزينها تعرف جدها، حتى لو لفترة قصيرة.
سألته
وجدها نفسه عايز يشوفها؟
سكت نيت لحظة، وبعدها قال
هو بيقول إنه مش عايز.
رفعت حاجبي باستغراب.
يعني إنت جاي لحد بيتي، وبتقول لي إنكم عايزين حفيدتي تقابل راجل مش عايز يشوفها؟
نيت أخد نفس طويل.
أنا عارف إن الموضوع شكله غريب، لكن إحنا شايفين إن أبويا بېكذب على نفسه. هو عنيد، وكبرياؤه مانعه يعترف بالحقيقة. شايل جواه حاجة من سنين، وإحنا مقتنعين إنه عايز يشوف حفيدته، لكنه مش قادر يسامح نفسه على اللي عمله في كلير.
بصّيت له بعدم تصديق.
وإنتوا قررتوا تتصرفوا من وراه؟
ردّ من غير تردد
أيوه.
وبعدين كمل بسرعة
ليلى بنت أختنا، وإحنا كمان عايزين نعرفها. مش جايين علشان ناخدها منك أو نغيّر حياتها. إحنا بس مش عايزين نضيّع الفرصة الوحيدة اللي فاضلة لينا.
حسّيت بالڠضب بيتصاعد جوايا.
قلت له
إنتوا سيبتوا السنين تعدّي، ولما افتكرتوا إن عندكم بنت أخت، جيتوا فجأة علشان عايزين تشوفوها. فين كنتوا طول الوقت ده؟
نيت ما حاولش يدافع عن نفسه.
قال بصوت منخفض
معاكي حق. كان المفروض نقف قدام أبويا من زمان. كان المفروض ما نخافش منه، وما نسيبش كلير تواجه كل حاجة لوحدها.
وبعدين بصّ لي برجاء.
لكن دلوقتي، الوقت بيخلص. ومش عايزين ليلى تخسر فرصة إنها تعرف إن ليها عيلة، حتى لو أبويا ما قدرش يصلّح كل اللي عمله.
عقدت دراعاتي قدام صدري، وقلت له
إنتوا عيلة غنية، وعندكم فلوس ومحامين، وأنا ست عندها سبعين سنة، وبربي طفلة يتيمة، وسقف بيخرّ ميّه، ومصاريف مش عارفة أغطّيها كل شهر. إزاي أضمن إنكم مش هتحاولوا تاخدوها مني؟
نيت اتفاجئ من سؤالي.
تاخدوها منك؟ لأ، طبعًا! إحنا مش عايزين كده.
قلت له بحدة
الكلام سهل. لكن أنا مش هخاطر بحفيدتي علشان حد يجي بعد تلات سنين يقول لي إنه ندمان.
نيت سكت لحظة، وبعدها مدّ إيده داخل الجاكيت اللي كان لابسه، وطلع كيس مخملي صغير.
قال
ميريديث ادتني ده علشان أوصله لليلى.
بصّيت للكيس، لكنني ما مدّيتش إيدي آخده.
مش عايزاه.
نيت فضّل ماسكه بين إيديه، وقال برجاء
من فضلك، احتفظي بيه ليها. ده حقها. مش لازم تقرري دلوقتي إذا كنتِ هتسمحي لها تقابل أبويا ولا لأ، لكن على الأقل ما تحرميهاش من الحاجة اللي جدتها كانت عايزاها ليها.
فضلت مترددة، لكن في النهاية أخدت الكيس، مش علشان وثقت فيه، لكن علشان ما كنتش عايزة أضيّع حق حفيدتي مرة تانية.
نيت رجع خطوة لورا، وقال
أنا هسيب لك رقمي. لو قررتِ تقابلينا، اتصلي بيا.
وبعدها مشي ناحية العربية السوداء، وركبها، واختفى من قدام البيت.
قفلت الباب بالمفتاح، وفضلت واقفة مكاني لثواني طويلة.
وبعدين مشيت ناحية المطبخ، وقعدت على الكرسي الخشبي القديم، وحطيت الكيس المخملي قدامي على الترابيزة.
بصّيت له، وأنا بفكر في كل اللي حصل من الصبح.
عيلة غنية، وجد بېموت، وخاتم ألماس، وأسرار مدفونة من سنين.
لكن أكتر حاجة كانت مخوفاني هي إنهم ممكن يستخدموا الفلوس والمحامين علشان يغيّروا حياة ليلى، أو حتى يحاولوا ياخدوها مني.
أنا ما كانش عندي غيرها.
هي كل اللي فضل لي من ابني وزوجته، ومهما كانت ظروفنا صعبة، عمري ما كنت هسمح لأي حد ياخدها مني.
وأنا لسه غرقانة في أفكاري، سمعت صوت خطوات صغيرة على السلم.
ليلى نزلت من أوضتها وهي لابسة الشراب، وحاضنة الأرنب القماشي اللي ما بتنامش من غيره.
أول ما شافتني، سألتني
تيتا، مين اللي كان بيخبط على الباب؟
بصّيت لها، وحاولت أخفي قلقي.
قلت لها
ناس كانوا فاكرين إنهم جايين لبيت تاني يا حبيبتي.
ليلى قربت مني، وحطت رسمة على الترابيزة.
كانت رسمة لأربع شخصيات صغيرة أنا وهي، وفوقنا نجمتين بتمثل ماما وبابا.
ابتسمت وقلت لها
رسمة جميلة يا حبيبتي.
هزّت راسها، وبعدها قالت
دي ماما وبابا، وهما بيبصّوا علينا من السما.
حضنتها وقلت
أيوه يا روحي. أكيد كانوا هيفرحوا برسمة زي دي.
ليلى سكتت شوية، وبعدها سألتني سؤال خلّى قلبي يتوجع
تيتا، هو أنا ممكن يبقى عندي عيلة كبيرة في يوم من الأيام؟
بصّيت لها باستغراب.
ليه بتسألي يا حبيبتي؟
قالت
كل صحابي في المدرسة عندهم خالات وأعمام وأولاد عم، وبيحكوا عن التجمعات اللي بيعملوها في الأعياد. أنا بحبك جدًا، ومش عايزة أعيش مع حد غيرك، لكن ساعات بحس بالوحدة لما أشوفهم بيتكلموا عن عيلتهم.
حسّيت بدموعي بتتجمع في عيني.
ضمّيتها لصدري، وقلت لها
أنا فاهمة يا حبيبتي. وأنا كمان بتمنى إن الأمور كانت مختلفة.
رفعت وشها وبصّت
تم نسخ الرابط