حفيدتي و الخاتم

لمحة نيوز

وبتحاول تلاقي مكانها في العالم من جديد.
وفي نفس الوقت، ما كنتش عايزة أحرمها من عيلة ممكن تكون محتاجاها، لمجرد إنني خاېفة.
علشان كده، قررت إني لازم أقابل جدها بنفسي قبل ما أسمح له يقابلها.
في اليوم التالي، اتصل بيا نيت.
قال إنه يقدر يبعث عربية تاخدني للمستشفى الخاص اللي والده موجود فيه، لكنني رفضت.
قلت له إني هاجي بطريقتي، وإن محدش هيقرر عني إمتى أروح أو أرجع.
وصلت المستشفى بعد الظهر.
المبنى كان فخم، والموظفين بيتحركوا بهدوء في الممرات الواسعة، والريحة النظيفة للمكان كانت مختلفة تمامًا عن أي مستشفى اتعودت أروحها.
نيت كان مستنيني عند الاستقبال.
أول ما شافني، وقف وقال
شكرًا إنك جيتي.
ردّيت ببرود
أنا جاية
علشان أسمع الحقيقة، مش علشان أجاملك.
هزّ راسه، وكأنه كان متوقع الرد.
طلعنا بالمصعد للدور اللي فيه جناح والده.
وأثناء ما كنا ماشيين في الممر، قال لي
بابا كان رجل صعب طول حياته. عنده شركات وعقارات، واتعود إن كل الناس تنفذ كلامه. حتى إحنا، أولاده، كنا بنخاف نختلف معاه.
قلت له
الخۏف مش عذر إنكم تسيبوا أختكم لوحدها.
ما حاولش يدافع عن نفسه.
قال بهدوء
عارف. وكل يوم بندم على ده.
وصلنا قدام باب غرفة واسعة.
نيت خبط خبطتين، وفتح الباب.
كان فيه راجل كبير في السن قاعد على سرير طبي، جسمه ضعيف، ووشه شاحب، لكن عينيه كان فيها نفس النظرة الحادة اللي شفتها في عيني نيت.
على الترابيزة جنب السرير، كانت فيه صور عائلية قديمة، وأدوية، وكوباية ميّه.
الراجل بصّ لي، وبعدها سأل
إنتِ أم دانيال؟
قلت
أنا جدة ليلى، وأم دانيال الله يرحمه.
سكت لحظة، وبعدين قال
أنا روبرت هاريسون. والد كلير.
كان اسمه مختلفًا عن أي اسم سمعته قبل كده، لكن ده ما كانش مهم.
المهم كان إنه الراجل اللي رفض بنته سنين طويلة، واللي دلوقتي عايز يشوف بنتها بعد ما بقى فاضل له أسابيع في الدنيا.
قربت من الكرسي اللي جنب السرير، لكنني ما قعدتش.
قلت له مباشرة
أنا مش جاية علشان أسمع اعتذار وخلاص. أنا جاية أفهم ليه بنتك فضلت بعيدة عنك، وليه حفيدتك عاشت سبع سنين تقريبًا من غير ما تعرف إن عندها جدّ من ناحيتها.
بصّ للأرض، وفضل ساكت.
وبعد لحظات قال
كلير كانت عنيدة.
الكلمة دي وحدها خلتني أرفع حاجبي باستنكار.
عنيدة؟ بنتك ماټت، وسبت بنت صغيرة يتيمة، وإنت أول حاجة تقولها عنها إنها كانت عنيدة؟
رفع عينيه لي، وكان واضح إنه اتفاجئ من طريقتي.
قلت له
أنا مش جاية هنا علشان أسمعك تبرر اللي عملته. لو كنت عايز تشوف حفيدتك، لازم الأول تكون مستعد تواجه الحقيقة.
تنهد ببطء.
أنا عارف إني غلطت.
إنت عارف إنك غلطت، ولا عارف إيه اللي خسرته بسبب غلطك؟
ما ردّش.
ولأول مرة، شفت عينيه تلمع بالدموع.
قال بصوت واطي
أنا خسړت بنتي.
ردّيت عليه
لأ. إنت خسرتها وهي لسه عايشة. وده فرق كبير.
فضل باصص لي، وكأن كلامي أصابه في مكان كان بيحاول يتجنبه من سنين.
وبعدين مدّ إيده ناحية درج صغير جنب السرير.
طلع منه ظرف قديم، لونه أصفر من الزمن، وحطه قدامي.
قال
قبل ما تقرري إذا كنتِ هتسمحي لي أشوف ليلى، لازم تعرفي إيه اللي حصل فعلًا بيني وبين كلير.
بصّيت للظرف، وبعدها رجعت بصّيت له.
إيه اللي جواه؟
قال
جواب كتبته لها من تسع سنين، لكنني ما بعتهوش أبدًا.
مدّيت إيدي وأخدته.
كان الظرف مقفول، وعلى وشّه اسم كلير مكتوب بخط إيده.
وقبل ما أفتحه، قال
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ما رفضتش جوازها من دانيال بسبب الفلوس أو المستوى الاجتماعي بس.
اتجمدت مكاني.
تقصد إيه؟
بصّ ناحية الشباك، وكأنه بيحاول يلاقي الكلمات المناسبة.
وبعدين قال
أنا كنت عارف حاجة عن دانيال قبل ما يتجوزها، حاجة كلير نفسها ما كانتش تعرفها.
حسّيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
دانيال، ابني، كان راجل طيب، وكنت أعرفه كويس.
لكن فكرة إن فيه سر متعلق بيه، وإن والد زوجته كان عارفه من قبل جوازهم، كانت كفيلة إنها تخليني أشك في كل حاجة كنت فاهمها عن الماضي.
سألته بصوت مرتعش
إيه الحاجة اللي كنت عارفها عن ابني؟
روبرت غمّض عينيه لحظة، وبعدها فتحهم وقال
قبل ما دانيال يقابل كلير، حصلت واقعة غيّرت حياة عيلتنا كلها. وأنا قضيت السنين اللي فاتت بحاول أمنع الحقيقة دي من إنها تظهر.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، دخلت ممرضة الغرفة بسرعة، وبصّت إلى الأجهزة الطبية، ثم قالت بقلق
دكتور هاريسون، لازم الدكتور يشوفك حالًا.
نيت قرب من السرير، وأنا فضلت واقفة مكاني والظرف في إيدي.
روبرت مسك معصمي فجأة، رغم ضعفه، وبصّ لي بعينين مليانين خوف.
قال بصوت خاڤت
أرجوكي مهما حصل، ما تخليش ليلى تدفع تمن الغلطة اللي أنا عملتها مع أمها.
وبعدين ساب إيدي، وبدأت الممرضة تنادي على الطبيب.
خرجت من الغرفة وأنا مش قادرة أرتب أفكاري.
كان عندي جواب قديم، وسر متعلق بابني، وجدّ مريض بيحاول يصلّح حاجة قبل فوات الأوان.
لكن السؤال اللي فضِل يطاردني طول الطريق وأنا راجعة البيت كان واحدًا
إيه اللي حصل قبل جواز دانيال وكلير، لدرجة إن روبرت هاريسون فضّل يخبي الحقيقة تسع سنين كاملة وهل السر ده هو السبب الحقيقي اللي خلّى ليلى تعيش بعيد عن عيلتها كل السنين دي؟
الجزء الثالث والأخير الحقيقة اللي اتدفنت تسع سنين
رجعت البيت وأنا ماسكة الظرف القديم، وحاسة إن كل خطوة باخدها بتقربني من حقيقة عمري ما كنت أتخيل إنها موجودة.
أول ما دخلت، لقيت ليلى قاعدة مستنياني على الكنبة، وحضنتها بقوة قبل حتى ما تسألني كنت فين.
بالليل، بعد ما نامت، قعدت لوحدي وفتحت الظرف.
جواه جواب مكتوب بخط روبرت، لكن المفاجأة ما كانتش في الكلام اللي كتبه لكلير، كانت في ورقة تانية متدسّة جواه، عليها اسم ابني دانيال وتاريخ قبل جوازه من كلير بشهور.
بدأت أقرأ.
كلير حبيبتي، لو وصل لك الجواب ده يومًا، يبقى غالبًا أنا فضلت جبان لحد ما خسرتك. أنا ما رفضتش دانيال لأنه فقير، ولا لأنك اخترتيه بدل عيلتنا. أنا رفضته لأنني كنت أعرف إنه الشخص اللي تسبب في الحاډث اللي ماټت فيه زوجتي، أمك، قبل ما يتعرف عليكي.
إيدي بدأت ترتعش.
كملت القراءة وأنا مش مصدقة.
من سنين طويلة، دانيال كان سايق عربية الشركة اللي كان بيشتغل فيها، لما عربية تانية قطعت عليه الطريق. حاول يتفاداها، وفقد السيطرة للحظات، واتسبب في حاډث أصيبت فيه والدة كلير إصابة خطېرة. دانيال ما كانش يعرف هوية الست وقتها، وما كانش هو المتسبب الوحيد في الحاډث، لكن روبرت استغل الواقعة علشان يحمّله الذنب كله.
الأصعب من كده، إن روبرت كان عنده تقرير رسمي بيأكد إن سائق العربية التانية هو المسؤول الأساسي عن الحاډث، وإن دانيال حاول يساعد المصابين واتعاون مع الشرطة.
لكن روبرت أخفى التقرير عن كلير.
كان مقتنع إن دانيال، مهما كانت براءته القانونية، مش الشخص المناسب لبنته، وإنه لازم يمنع الجوازة بأي طريقة. ولما كلير رفضت تسيبه يتحكم في حياتها، طردها من البيت وقطع علاقته بيها.
أما دانيال، فكان يعرف إن عيلة كلير بتتهمه بالتسبب في الحاډث، لكنه ما كانش يعرف إن والدها مخبّي الدليل اللي يبرّئه من جزء كبير من اللوم.
قفلت الجواب، وحطيت إيدي على وشي.
ابني ما كانش ملاكًا، لكنه ما كانش المچرم اللي روبرت صوّره في خياله. وكلير ما كانتش مجرد بنت عنيدة رفضت تسمع كلام أبوها. كانت بنت اتطلب منها تختار بين حبها وبين عيلتها، واختارت تعيش مع الراجل اللي بتحبه، من غير ما تعرف إن والدها ډفن الحقيقة معاها.
تاني يوم، اتصل بيا نيت وطلب مني أروح المستشفى.
لما وصلت، لقيت ميريديث واقفة قدام غرفة أبوها، وعينيها حمرا من العياط.
قالت لي بابا عايز يشوفك. وفيه حاجة لازم تسمعيها منه بنفسك.
دخلت الغرفة، ولقيت روبرت أضعف من المرة اللي فاتت. كان بيتنفس بصعوبة، لكن أول ما شافني، أشار لي أقرب.
حطيت الجواب قدامه وقلت قريت كل حاجة. ليه؟ ليه ظلمت بنتك وابني بالشكل ده؟
غمّض عينيه، ودمعة نزلت على خده.
كنت فاكر إني بحميها. بعد مۏت أمها، بقيت بخاف أخسرها هي كمان.
ولما عرفت إن دانيال كان طرفًا في الحاډث، حتى لو مش المسؤول الأساسي، قررت إنه خطړ عليها. ولما ما قدرتش أفرّق بينهم، عاقبتها هي.
قلت له پغضب وبدل ما تقول لها الحقيقة، حرمتها من أهلها؟ وحرمت حفيدتك من إنها تعرفك؟
هزّ راسه، وصوته اتكسر أنا كنت غلطان. وكل سنة كانت بتعدي، كنت بقول لنفسي إني هصلّح كل حاجة بكرة. لحد ما بكرة بقى متأخر.
سكت لحظة، وبعدين مدّ لي ملفًا صغيرًا.
ده التقرير الأصلي، ومعاه المستندات اللي كنت مخبيها. مش بطلب منك تسامحيني، لكن عايز الحقيقة توصل لليلى. مش عايزها تكبر وهي فاكرة إن أمها كانت منسية أو إن أبوها كان سبب خلاف العيلة.
أخدت الملف، وقلت له الحقيقة هتوصل لها لما تبقى قادرة تفهمها، لكن مش هسمح لك تستخدمها علشان تشتري مكان في حياتها.
هزّ راسه بالموافقة.
وبعدين سألني بصوت ضعيف ممكن أشوفها؟ ولو لدقايق؟
بصّيت له طويلًا.
كنت أقدر أرفض، وأقول إنه ما يستحقش يشوف حفيدته بعد كل السنين دي. لكن ليلى ما كانتش مسؤولة عن أخطاء الكبار، وما كنتش عايزة أحرمها من فرصة تختار بنفسها.
قلت له هجيبها، لكن مش علشانك. علشان هي تستحق تعرف عيلتها، وتقرر بنفسها إذا كانت عايزة تقرّب منهم ولا لأ.
في اليوم التالي، أخدت ليلى للمستشفى.
كانت ماسكة إيدي، وخاېفة شوية من المكان. ولما دخلنا الغرفة وشافت روبرت، فضلت واقفة ورايا.
ابتسم لها ابتسامة ضعيفة وقال إنتِ ليلى؟
هزّت راسها.
أنا جدك
يا حبيبتي. وعارف إنك ما تعرفينيش، وعارف إني اتأخرت كتير.
ليلى بصّت له، وبعدها سألت السؤال اللي ما كانش عنده إجابة سهلة
إنت ليه ما جيتش تشوف ماما وأنا صغيرة؟
روبرت نزل عينيه، وقال علشان كنت أناني وخاېف، وافتكرت إن رأيي أهم من سعادة أمك. وأنا آسف.
ليلى ما جرتش تحضنه، وما قالتلوش إنها سامحته. قربت منه بهدوء، وحطت رسمة صغيرة على الترابيزة.
كانت رسمة للعيلة أنا، وهي، وأمها وأبوها على هيئة نجمتين، ووراهم ميريديث ونيت وروبرت.
قالت له دي عيلتي. ممكن تبقى فيها، بس لازم ما تزعلش ماما تاني.
روبرت بكى، ومدّ إيده ناحية الرسمة، كأنه بيمسك فرصة أخيرة كان فاكر إنها ضاعت منه للأبد.
بعد يومين، ماټ روبرت هاريسون.
ما ورثناش منه ثروة، وما طلبناش منه حاجة. ميريديث ونيت احترموا قراري، وما حاولوش يدخلوا حياتنا بالقوة. لكنهم فضلوا يزورونا، وبالتدريج بقت ليلى تعرف خالتها وخالها، وتسمع حكايات عن أمها وهي صغيرة.
أما الخاتم، فميريديث سلّمته لليلى في علبة مخملية، ومعاه رسالة من جدتها الراحلة، كانت كاتبة فيها إنها تتمنى إن الخاتم يفضل مع أول حفيدة في العيلة، ويفكرها إنها محبوبة مهما كانت الظروف.
ليلى لبسته مرة واحدة بس، وبعدها رجعته للعلبة وقالت لي هحتفظ بيه لحد ما أكبر، يا تيتا. دلوقتي أنا مش محتاجة خاتم علشان أعرف إن ماما بتحبني.
حضنتها، ودموعي نزلت من غير ما أحاول أخبيها.
بعد شهور، بدأت أفهم إن العيلة مش عدد الأشخاص اللي بيحملوا نفس الاسم، ولا حجم الثروة اللي سايبينها وراهم. العيلة هي الناس اللي يختاروا يفضلوا جنبك، واللي يعترفوا بأخطائهم، واللي ما يطلبوش منك تدفع تمن أخطاء غيرك.
روبرت ما قدرش يرجّع السنين اللي ضاعت، ولا يمسح الۏجع اللي سببه لبنته. لكن الحقيقة خرجت للنور أخيرًا، وليلى ما بقتش لوحدها زي ما كانت فاكرة.
وفي يوم، وأنا بعلّق رسمتها الجديدة على التلاجة، لقيتها رسمانا كلنا واقفين جنب بعض، وفوقنا نجمتين كبيرتين.
سألتها هو ليه النجمتين أكبر مننا كلنا يا ليلى؟
ابتسمت وقالت علشان ماما وبابا هما اللي جمعونا من الأول.
ساعتها فهمت إن بعض الناس بيمشوا من حياتنا، لكن حبهم بيفضل موجود، وأحيانًا بيكون هو السبب اللي بيرجع العيلة لبعضها من جديد.
أما الخاتم، فكان مجرد قطعة ألماس ضاعت في ممر حلويات، واتلقت بالصدفة.
لكن الحقيقة اللي كانت مدفونة وراه هي اللي رجّعت لليلى جزءًا من عيلتها، وعلّمتنا كلنا إن الاعتذار ممكن ييجي متأخر، وإنه مش دايمًا بيصلّح كل حاجة لكنه على الأقل يقدر يوقف الكذب من إنه يكمل جيل جديد.

تم نسخ الرابط