حفيدتي و الخاتم
المحتويات
لي.
تفتكري هييجي يوم وأبقى عندي عيلة كبيرة؟
السؤال وقف في زوري.
ما قدرتش أوعدها بحاجة ما أعرفش إذا كانت هتحصل ولا لأ.
اكتفيت إني أبوس شعرها وأضمّها أكتر.
لكن عيني فضلت معلقة بالكيس المخملي اللي كان على الترابيزة.
كنت بفكر هل من حقي أمنعها من مقابلة جدها، وهو فاضل له أسابيع قليلة في الدنيا؟
وفي نفس الوقت، ماذا لو قابلته واتعلقت بيه، وبعدين اكتشفت إنه مش عايزها فعلًا؟ ماذا لو جرحتها الحقيقة، بعد كل اللي شافته في حياتها؟
ما كنتش أعرف إن القرار اللي هاخده في الأيام الجاية مش هيغيّر حياة ليلى بس، لكنه هيكشف لي كمان حقيقة عن ابني وزوجته ما كنتش أتخيلها أبدًا.
وفي اللحظة دي، رنّ موبايلي.
رقم غريب ظهر على الشاشة.
ردّيت بحذر
ألو؟
جالي صوت ست هادي، لكنه كان متوتر.
مساء الخير. أنا ميريديث، أخت كلير. إحنا اتقابلنا امبارح في السوبر ماركت.
اتشدّيت في مكاني.
إنتِ عايزة إيه؟
قالت بسرعة
أرجوكي، ما تحكميش علينا من الكلام اللي قاله نيت. هو ما كذبش عليكي، لكنه ما يعرفش كل حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إيه ما يعرفش كل حاجة؟
ردّت
مش هقدر أشرح لك في التليفون. أنا موجودة في كافتيريا مستشفى سانت لوك. لو تقدري تيجي، فيه حاجة لازم تعرفيها عن كلير وابنك دانيال.
أول ما سمعت اسم ابني، حسّيت إن معدتي اتقبضت.
ليه؟ إيه اللي حصل لدانيال؟
ميريديث سكتت لحظة، وبعدها قالت
أنا مش عايزة أخويا يعرف إني بكلمك دلوقتي. فيه تفاصيل هو نفسه ما يعرفهاش، ولو اتقالت بطريقة غلط، ممكن تسبّب مشاكل أكبر.
قلت لها بحذر
وليه المفروض أثق فيكي؟
ردّت بصراحة
مش المفروض تثقي فيا من أول مرة. لكن أرجوكي، اديني فرصة أحكيلك الحقيقة بنفسك، وبعدها قرري إذا كنتِ عايزة تسمعي أكتر ولا لأ.
قفلت المكالمة، وفضلت ماسكة الموبايل وأنا بفكر.
كنت عارفة إن ليلى محتاجاني، وإن مش من السهل أسيبها لوحدها علشان أروح أقابل ست ما أعرفهاش.
اتصلت بجارتنا بات، وطلبت منها تقعد معاها ساعتين، وبعدها لبست هدومي وخرجت.
كنت رايحة المستشفى علشان أسمع الحقيقة.
لكن ما كنتش أعرف إن المقابلة دي هتفتح باب على سر قديم، سر كان ممكن يغيّر كل اللي كنت فاهمته عن حياة ابني دانيال.
ولما وصلت الكافتيريا، لقيت ميريديث قاعدة في ركن بعيد، قدامها كوب قهوة ما لمستهوش.
أول ما شافتني، قامت بسرعة وقالت
إنتِ جيتي فعلًا.
قعدت قدامها، وقلت من غير مقدمات
إنتِ قلتي إن فيه حاجة لازم أعرفها عن ابني ومراته. اتفضلي، أنا سامعاكي.
ميريديث بصّت حوالين المكان، وبعدها قربت مني وقالت بصوت منخفض
قبل ما أتكلم عن دانيال، لازم أحكيلك إيه اللي حصل امبارح في السوبر ماركت.
عقدت حاجبي باستغراب.
مش إنتِ قلتي إنك كنتِ بتحاولي ترجّعي الخاتم لليلى؟
هزّت راسها.
أيوه. لكن الحقيقة إني كنت براقبكم من تلات أيام.
رجعت بضهري للكرسي، وبصّيت لها پصدمة.
إنتِ كنتِ بتراقبي حفيدتي؟!
قالت ميريديث وهي بتبصّ لي بقلق
كنت ناوية أتكلم معاكي في
ممر الحلويات، لكن أول ما شفت سواق بابا واقف عند المدخل، اتجمدت مكاني.
بصّيت لها باستغراب وسألتها
سواق أبوكي؟
هزّت راسها وقالت
أيوه. بابا اكتشف إن الخاتم اختفى من أوضته، وخمّن أنا كنت ناوية أعمل إيه. هو عارف إني الوحيدة اللي ممكن أحاول أوصل الخاتم لابن أختي.
سكتت لحظة، وبعدها كملت بصوت مكسور
أنا ما كنتش عايزة أسرق حاجة. الخاتم ده كان المفروض يبقى من حق كلير، أختي، من سنين طويلة. ولما ماټت، حسّيت إن من حق بنتها تعرف إن فيه ناس من عيلتها لسه موجودين.
فضلت باصة لها، وأنا بحاول أستوعب إن الست اللي شفتها امبارح في السوبر ماركت، واللي كانت بټعيط وكأن حياتها انتهت، هي أخت الراجل اللي جالي الصبح بعربية فخمة، وبيقول لي إنهم بيدوّروا علينا من سنين.
سألتها
طيب، ليه ما جيتيش لحد عندي من الأول؟ ليه كل السنين دي محدش فيكم حاول يوصل لبنت أخته؟
نزلت ميريديث عينيها للأرض، وفضلت تلفّ كوب القهوة بين إيديها.
حاولنا، بس ما حاولناش كفاية. ودي الحقيقة اللي أنا مش فخورة بيها.
وبعدين رفعت عينيها لي وقالت
بابا كان قاسې جدًا مع كلير. لما قررت تتجوز ابنك دانيال، هو اعتبر إنها خانته، وإنها اختارت راجل من غير المستوى الاجتماعي اللي هو كان عايزه ليها. حاولنا نقنعه إنه غلطان، لكنه كان بيهددنا كل مرة إننا لو وقفنا جنبها هنخسر كل حاجة.
وإنتوا خفتوا على نفسكم؟
ما حاولتش تبرر.
قالت بهدوء
أيوه. خفنا. وسمحنا له يبعدها عننا. ولما حاولنا نرجع نتواصل معاها بعد كده، كانت هي نفسها رافضة تسمع اسم بابا. كنا بنقول لنفسنا إننا هنحاول تاني لما الأمور تهدى، لحد ما اكتشفنا إنها ماټت من غير ما نعرف.
حسّيت بغصة في حلقي.
كنت فاكرة إن ابني وزوجته عاشوا حياتهم بعيد عن أهلها بمحض إرادتهم، وإن كلير ما كانتش عايزة أي علاقة بأبوها.
لكن ما كنتش أعرف إن فيه ناس تانية سكتت، وفضلت بعيدة، لحد ما الوقت سرق منهم فرصة إنهم يصلحوا اللي حصل.
سألت ميريديث
والخاتم؟ ليه أبوكي متمسك بيه بالشكل ده؟
اتنهدت وقالت
الخاتم كان بتاع أمي. قبل ما ټموت، وصّت إن كلير تاخده علشان تديه لأول طفل تخلفه. بابا كان عارف الوصية دي، لكنه رفض ينفذها بعد ما كلير اتجوزت دانيال. كان بيقول إنها اختارت تعيش من غير عيلتنا، يبقى ما ينفعش ترجع تطالب بحاجة منها.
يعني الخاتم فضل عنده كل السنين دي؟
أيوه. وكان كل ما أتكلم معاه عنه، يرفض حتى يسمع اسم كلير. ولما عرفت إن صحته بقت سيئة، وإن الدكاترة قالوا إن فاضل له أسابيع، قررت إني مش هسمح للخاتم يضيع تاني. أخدته من على الكومودينو في أوضته، وكنت ناوية أوصله ليكي.
لكن ضاع منك في السوبر ماركت.
هزّت راسها، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها من جديد.
أيوه. ولما اكتشفت إنه مش معايا، حسّيت إن كل حاجة انتهت. كنت عارفة إن بابا هيعرف إني أخدته، وكنت خاېفة إنه يمنعني من أي محاولة تانية علشان أوصل ليكي.
بصّيت لها طويلًا، وبعدها سألتها السؤال اللي كان شاغل بالي من أول ما سمعت اسم أبيها
إنتِ عايزة إيه من حفيدتي بالضبط؟
ميريديث ما ردّتش فورًا.
وبعدين قالت
عايزاها تعرف إن ليها عيلة، وإن أمها ما كانتش منسية عندنا. وعايزة أديها الخاتم اللي جدتها كانت عايزاه ليها. لكن قبل كل ده، لازم أكون صريحة معاكي في حاجة.
اتشدّيت في مكاني.
إيه هي؟
قالت
بابا مش بس عايز يشوف إيلي قبل ما ېموت. هو عايز يصلّح حاجة عملها من سنين، لكن مش عارف يبدأ منين. وده السبب اللي خلّى نيت ييجي لحد بيتك.
سألتها
وإيه الحاجة دي؟
ميريديث حطت كوب القهوة على الترابيزة، وقربت مني شوية.
أنا ما أقدرش أحكيلك كل حاجة بالنيابة عنه. فيه أمور تخص كلير ودانيال، وفيه حاجة حصلت قبل جوازهم، وبابا فضّل مخبيها عننا. لكن فيه شخص واحد كان عارف الحقيقة كلها غيره.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين؟
قالت
بابا نفسه.
رجعت البيت وأنا شايلة أسئلة أكتر بكتير من الإجابات اللي كنت بدوّر عليها.
طول الطريق، كنت بفكر في كلير.
في بنتي اللي ما كانتش بنتي پالدم، لكنها كانت جزء من عيلتي، واللي عشت معاها سنين قبل ما الحاډثة تاخدها هي ودانيال مننا.
كنت فاكرة إني عارفة كل حاجة عنها.
كنت عارفة إنها كانت بتحب الرسم، وإنها كانت بتضحك بصوت عالي لما دانيال يحاول يطبخ، وإنها كانت پتخاف من صوت الرعد، وإنها كانت بتنام وهي ماسكة إيده لما تكون متوترة.
لكن ما كنتش أعرف إن ورا حياتها حكاية كاملة مع عيلتها، وإن فيه أسرار فضلت مدفونة لحد ما حفيدتي لقت خاتم ألماس في ممر الحلويات.
لما رجعت، لقيت ليلى قاعدة على الأرض في الصالة، وبتلوّن رسمة جديدة.
أول ما شافتني، قامت وجريت عليّ.
تيتا! كنتِ فين؟
حضنتها وقلت
كنت بخلّص مشوار يا حبيبتي.
بصّت لي بفضول.
هو الراجل اللي جه الصبح كان عايز إيه؟
اترددت لحظة، وبعدها قلت
كان يعرف ماما، يا ليلى.
ابتسامتها اختفت تدريجيًا.
يعني هو يعرف ماما بجد؟
هزّيت راسي.
أيوه يا حبيبتي. وبيعرف ناس من عيلتها كمان.
ليلى فضلت ساكتة شوية، وبعدها سألتني بصوت صغير
هو عندي عيلة تانية غيرك؟
السؤال ۏجع قلبي أكتر مما كنت مستعدة أعترف.
قعدت جنبها على الأرض، ومسكت إيديها بين إيديا.
أيوه يا حبيبتي. عندك خالات وأعمام من ناحية ماما، وفيه جدّ ليكي لسه عايش.
عينيها لمعت.
جدو؟ زي الأجداد اللي في المدرسة؟
ابتسمت رغم إن قلبي كان تقيل.
أيوه، زيهم.
لكن ابتسامتها ما كملتش.
سألتني
طب هو ليه ما جاش يشوفني قبل كده؟ هو ما كانش عارف إني موجودة؟
ما قدرتش أجاوبها على طول.
كنت عايزة أقول لها إن الكبار ساعات بيغلطوا، وإن بعضهم بيخلّي كبرياءه أهم من الناس اللي بيحبهم، وإن فيه أخطاء بتاخد سنين علشان تتصلح.
لكن ما كنتش عايزة أزرع جواها إحساس إنها مش مرغوب فيها.
فقلت لها الحقيقة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها
أنا لسه مش عارفة كل حاجة يا حبيبتي. لكن لو فيه ناس عايزة تدخل حياتنا، لازم الأول نعرف هما مين، وعايزين إيه، وهل وجودهم هيكون كويس ليكي ولا لأ.
هزّت راسها، ورجعت تبصّ لرسمة كانت قدامها.
كانت رسمة فيها أربع شخصيات صغيرة أنا، وهي، وماما وبابا على هيئة نجمتين فوقنا.
وبجانبهم، كانت رسمت شخصين جداد، واحد طويل والتانية شعرها طويل.
سألتها
مين دول يا ليلى؟
قالت وهي بتلوّن واحدة من الشخصيات
مش عارفة. بس يمكن دول الناس اللي هنقابلهم.
في اللحظة دي، حسّيت إن القرار اللي قدامي أصعب مما تخيلت.
أنا مش بس بحمي طفلة من خطړ محتمل.
أنا بحمي قلب طفلة فقدت أبوها وأمها،
متابعة القراءة