جوز جارتي و عادته الغريبة

لمحة نيوز

بالي.
لأنها كانت حقيقية.
إحنا كنا مركزين على الشيء اللي ظاهر قدامنا، لكن ماكنّاش بنبص للتفاصيل اللي تستحق السؤال.
ماكانش الغلط إن مايكل بيلبس بطريقة مختلفة.
اللبس والميك أب ماكانوش دليلًا على أي چريمة، وماكانش من حقنا نحكم عليه بسببهم.
الغلط كان في تصرفاته اللي ظهرت مع الوقت اختفاء مراته، وكميات الأكياس غير المبررة، ومحاولاته لإخفاء محتوياتها، ثم الأدلة اللي اكتشفتها الشرطة.
دي كانت العلامات اللي كان لازم تتاخد بجدية.
وفي يوم، وصلني اتصال من المحقق.
قال إن التحقيق وصل لمرحلة مهمة، وإنهم قدروا يربطوا عددًا من المتعلقات بأشخاص تم الإبلاغ عن اختفائهم.
وأضاف إنهم بيستكملوا الإجراءات القانونية، وإنهم مش هيقدروا يعلنوا عن كل التفاصيل إلا بعد التحقق منها.
سألته عن كلير.
سكت لحظات، وبعدها قال إنهم لسه بيحققوا في ظروف اختفائها، وإنهم بيحاولوا يوصلوا لحقيقة مصيرها من خلال الأدلة المتاحة.
قفلت المكالمة وأنا حاسس بحزن شديد.
حتى لو الشرطة قدرت تكشف جرائم مايكل، كان فيه عائلات لسه مستنية تعرف مصير أحبابها.
وكان فيه ناس حياتها اتغيرت بسبب اختفاء شخص من غير أي تفسير.
كنت أتمنى لو أقدر أرجع بالزمن وألاحظ العلامات من بدري.
لكن الحقيقة إن محدش فينا كان يعرف إيه اللي بيحصل داخل البيت المقابل.
وكل اللي كان قدامنا هو رجل بيخرج كل صباح بملابس غريبة، ويسحب أكياسًا سوداء ضخمة، ويرجع إلى منزله.
أما السر الحقيقي، فكان مستخبيًا بعيدًا عن أعيننا.
13. البيت اللي بقى شاهدًا على الړعب
بعد القبض على مايكل، البيت فضل مقفولًا.
الشرطة كانت بتدخل وتخرج منه خلال فترة التحقيق، وبعدها اختفت الحركة تمامًا.
الحديقة اللي كانت مرتبة في يوم من الأيام بدأت تتغير.
العشب بقى أطول، والزهور دبلت، والأوراق اتجمعت على الممر المؤدي للباب.
عربيته البيضاء اختفت بعد ما أخدتها الشرطة ضمن الأدلة.
والستائر فضلت مقفولة.
لكن أكتر حاجة كانت غريبة بالنسبة لي، هي إن الساعة سبعة الصبح كانت بتيجي كل يوم، والشارع يفضل هادي.
كنت أصحى، أعمل قهوتي، وأقف عند الشباك.
وأبص ناحية البيت المقابل.
لأول مرة من ست سنين، ماكنش فيه مايكل بيخرج من الباب.
مافيش روب وردي.
مافيش باروكة شقراء.
ومافيش أكياس سودا ضخمة بتتسحب على الرصيف.
كان المفروض أحس بالراحة.
لكن بدل الراحة، كنت بحس بفراغ غريب.
مش لأنني افتقدت مايكل، لكن لأن المكان اللي كان جزءًا من روتيني اليومي بقى مرتبطًا بذكرى مرعبة.
كنت أفتكر كل صباح عديت فيه من قدام البيت من غير ما أشك في حاجة.
وكل مرة شفته فيها بيبتسم لي ويقول صباح الخير.
وكل مرة كنت أرجع فيها لبيتي وأنا فاكر إن كل شيء طبيعي.
وفي بعض الأيام، كنت أحلم إني واقف قدام الأكياس الخمسة من جديد.
أفتح الكيس الأول.
أشوف الملاية البيضاء.
ألاحظ الخاتم.
وبعدين أسمع صوته من ورايا.
دانيال، إنت بتعمل إيه عند الژبالة بتاعتي؟
كنت أصحى مفزوعًا، وأحتاج دقائق علشان أفتكر إنني في بيتي، وإن مايكل مش موجود في الشارع.
لورين كانت بتحاول تساعدني أتجاوز اللي حصل.
كانت تقترح نخرج نتمشى، أو نزور أصحابنا، أو نقضي يومًا بعيدًا عن المنطقة.
وفي بعض الأحيان، كنا بنسافر يومين أو ثلاثة علشان نغير الجو.
لكن مهما حاولت
أبتعد، كنت برجع وألاقي البيت المقابل في مكاني.
والذكرى لسه موجودة.
مع الوقت، بدأت أستعيد جزءًا من حياتي الطبيعية.
لكنني ما بقيتش الشخص نفسه اللي كنت عليه قبل صباح التلات.
بقيت أكثر انتباهًا للتفاصيل.
وبقيت أفهم إن الأمان مش معناه إننا نعيش طول الوقت خايفين، لكنه كمان مش معناه إننا نتجاهل كل حاجة غريبة حوالينا.
والأهم، إني تعلمت إن الفضول ممكن يكون خطرًا، وإنه لازم نتعامل مع المواقف المقلقة بحذر، من غير ما نعرّض نفسنا للخطړ.
لو رجع بيا الزمن، ماكنتش هفتح الكيس بنفسي.
كنت هتصل بالشرطة، وأبلغهم عن اللي لاحظته، وأسيب لهم التعامل مع الموقف.
لأنني كنت محظوظًا إنني قدرت أرجع لبيتي في اليوم ده.
لكن مش كل شخص بيواجه خطرًا بيكون محظوظًا بنفس الطريقة.
14. الحقيقة اللي مش هقدر أنساها أبدًا
عدّى وقت طويل على اليوم اللي اتقبض فيه مايكل.
لكن لحد النهارده، فيه سؤال بيرجع لي كل ما أقف قدام الشباك الصبح.
إزاي قدر يخفي كل ده وسط شارع كامل من الناس، من غير ما حد يعرف الحقيقة؟
يمكن لأن كل واحد فينا كان مشغولًا بحياته.
يمكن لأننا كنا بنشوفه كل يوم، فوجوده بقى عاديًا بالنسبة لنا.
ويمكن لأننا كنا بنركز على شكله، بدل ما نركز على تصرفاته اللي بدأت تثير القلق.
أنا مش بقول إن أي شخص بيلبس هدوم مختلفة أو بيحط ميك أب لازم يكون موضع شك.
بالعكس، اللي حصل خلاني أفهم أكتر إن المظهر الخارجي مالوش علاقة بكون الإنسان خطرًا أو آمنًا.
اللي يهم فعلًا هو التصرفات والأدلة، مش شكل الشخص أو طريقة لبسه.
لكن اللي حصل في بيت مايكل كان تذكيرًا قاسيًا بأننا أحيانًا ما بنعرفش كل حاجة عن الناس اللي عايشين حوالينا.
ممكن نسلم على شخص كل يوم.
نتبادل معاه الابتسامات.
نتكلم عن الطقس، وعن الشغل، وعن أخبار الشارع.
ونفتكر إننا نعرفه لمجرد إننا بنشوفه باستمرار.
لكن الحقيقة إننا ممكن ما نعرفش عنه غير الجزء اللي هو اختار يظهره لنا.
وفي بعض الأحيان، الحقيقة بتكون مخيفة لدرجة إننا نتمنى لو كنا ما اكتشفناهاش أبدًا.
أما أنا، فهفضل فاكر صباح التلات ده طول عمري.
هفضل فاكر الأكياس الخمسة اللي كانت مرصوصة على الرصيف.
وهفضل فاكر إيدي وهي بترتعش وأنا برفع طرف الملاية البيضاء.
وهفضل فاكر اللحظة اللي سمعت فيها صوت مايكل ورايا.
لكن أكتر حاجة هفضل فاكرها هي الجملة اللي قالها قدام كاميرا باب بيتنا
دانيال، كان المفروض ما تفتحش الكيس ده.
لأنني في اللحظة دي فهمت إنني ماكنتش مجرد جار فضولي اكتشف سرًا غريبًا.
كنت شخصًا اقترب، من غير ما يعرف، من حقيقة كان مايكل مستعدًا يعمل أي حاجة علشان يخفيها.
ولولا وصول الشرطة في الوقت المناسب، ماكنتش أعرف إيه اللي كان ممكن يحصل لي.
دلوقتي، كل ما الساعة تقرب من سبعة الصبح، بلاقي نفسي ببص تلقائيًا ناحية البيت المقابل.
البيت بقى فاضي.
العشب ناشف.
الزهور اختفت.
والباب مقفول من شهور.
لكن في ذاكرتي، لسه شايف مايكل وهو خارج من الباب بباروكته الشقراء وروبه الوردي، وبيسحب وراه أكياسه السوداء الضخمة.
ولسه بسمع صوت عجلات الأكياس وهي بتحتك بالأرض.
ولسه فاكر إزاي كنت أبتسم له وأرد على تحيته، من غير ما أتخيل إن فيه سرًا مرعبًا مستخبي وراء الابتسامة دي.
ولو فيه درس واحد اتعلمته من اللي حصل، فهو إننا ماينفعش نتجاهل العلامات الواضحة لما تكون فيه أسباب حقيقية للقلق، لكن لازم نتصرف بحكمة، ونسيب التحقيق والمواجهة للجهات المختصة بدل ما نعرّض نفسنا للخطړ.
لأن في بعض الأحيان، قرار واحد متهور ممكن يغيّر حياتك كلها.
وأنا كنت على بُعد خطوات قليلة من اكتشاف الحقيقة
وعلى بُعد خطوات أقل من أن أصبح أنا نفسي جزءًا من السر اللي كنت بحاول أفهمه.
لكن لحد النهارده، فيه سؤال واحد لسه بيطاردني لو عربية الژبالة كانت وصلت قبل ما أخرج من بيتي الصبح ده بدقايق قليلة هل كان حد هيكتشف الحقيقة أصلًا؟ ولا كان مايكل هيكمل حياته، ويخرج كل يوم في الساعة سبعة، ويسحب أكياسه السوداء، وكأن مفيش أي حاجة حصلت؟

تم نسخ الرابط