حضر جنازة اعز اصحابه بفستان احمر

لمحة نيوز

حضر جنازة أعز أصحابه بفستان أحمر... ولما مسك الميكروفون، كشف سرّ خلّى الكل يعيط!
إنت جاي جنازة ابني بالمنظر ده؟!
دي كانت أول جملة عدّت في دماغي وأنا شايفة أقرب صاحب لابني داخل من باب قاعة العزاء، لابس فستان أحمر، والناس كلها بتلف تبصّ له باستغراب وصدمة.
كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة الأسود من فوق لتحت، وقلبي حاسّة إنه اتدفن مع ابني من ساعات. كنت لسه مش مستوعبة إن ابني اللي ربيته وكبر قدام عيني، واللي كان مالي البيت ضحك وحركة، مش هيرجع تاني.
وفجأة، وسط كل الۏجع اللي كنت غرقانة فيه، ظهر الولد اللي كان أقرب له من أخوه، بالشكل اللي خلّى همس الناس يتحوّل لنظرات استنكار، وبعدها لتعليقات مسموعة.
واحدة من الستات اللي قاعدين ورايا همست لصاحبتها
هو مفيش احترام للموتى؟ يعني حتى يوم الچنازة لازم يعمل فيها حكاية؟
راجل قاعد في آخر القاعة هزّ راسه وقال للي جنبه
دي قلة تقدير لأهل المتوفى. المفروض حد يطلّعه برّه.
وأنا؟ أنا ما كنتش عارفة أقول إيه.
الولد ده مش غريب عننا. أنا أعرفه من وهو عنده سبع سنين. كنت بشوفه كل يوم تقريبًا، داخل بيتنا من غير ما يخبط، يفتح التلاجة، ياخد اللي يعجبه، ويجري على أوضة ابني كأن البيت بيته.
كان بيبات عندنا أكتر ما كان بيبات في بيته، وكان بيقعد معانا في الأعياد والمناسبات، خصوصًا في الفترات اللي كانت فيها المشاكل عند أهله كتير.
وفي وقت مرض ابني، كان موجود كل يوم.
كل يوم، من غير مبالغة.
أربعتاشر شهر كاملة، وهو واقف جنبه في أصعب رحلة ممكن شابين في عمرهم يعيشوها.
كان بيقعد على أرض أوضة المستشفى، يعمل واجباته المدرسية جنب السرير، ويضحك ابني لما الألم كان يخليه مش قادر يتكلم، وأوقات كان ينام وهو ساند راسه على طرف المرتبة من كتر الإرهاق.
في أسابيع كتير، كان بيقضي مع ابني وقت أكتر مني أنا شخصيًا.
وعشان كده، لما شفته داخل بالفستان الأحمر، أول سؤال جه في دماغي كان هو حصل بينهم إيه؟
هل اتخانقوا قبل ما ابني ېموت؟
هل ابني قال له حاجة وجعته؟
هل فيه سرّ بينهم محدش يعرفه؟
لفّيت ناحية مجموعة الشباب اللي كانوا أصحاب ابني، وبدأت أسألهم بصوت واطي
هو حصل حاجة بينه وبين ابني؟ حد يعرف إذا كانوا اتخانقوا؟
كلهم هزّوا راسهم بالنفي.
واحد منهم قال
على حد علمي، لأ يا طنط. دول كانوا أقرب اتنين لبعض.
لكن وأنا ببصّ للولد، ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير في أسوأ احتمال.
يمكن هو اختار يعمل كده عشان يلفت الأنظار.
يمكن كان عايز يحوّل جنازة ابني لمشهد الناس كلها هتتكلم عنه.
وأنا كنت آخر واحدة عندها طاقة تتحمل أي حاجة زيادة.
كنت لسه من شوية واقفة قدام قبر ابني، بحاول أستوعب إن التراب اللي بيتحط عليه هو آخر حاجة هتربطني بيه.
دلوقتي، بدل ما أركز في وداعه، بقيت مضطرة أتعامل مع موقف مش فاهمة سببه.
جوزي كان قاعد جنبي، ومن أول ما الولد دخل، لاحظت إن ملامحه اتغيّرت.
في البداية فضّل ساكت.
وبعدين ضغط على إيد الكرسي اللي جنبه، وقام واقف فجأة.
ما قالش كلمة واحدة، لكنه كان واضح إنه ناوي يتحرك ناحية الولد.
مسكت في كمّ قميصه بسرعة.
استنى... أرجوك.
بصّ لي، وكانت عينيه مليانة ڠضب.
قال بصوت مكتوم
إنتِ شايفة اللي أنا شايفه؟ ده جاي يعمّل إيه هنا بالشكل ده؟
همست له
مش عارفة... بس استنى شوية. يمكن عنده سبب.
ردّ بعصبية
سبب إيه؟! إحنا في جنازة ابننا! أقل حاجة كان المفروض يحترمنا ويحترم اليوم ده.
ما قدرتش أردّ.
لأني، في اللحظة دي، كنت بفكر في نفس الكلام.
لكن
قبل ما جوزي ياخد خطوة واحدة، الولد بدأ يتحرك ناحية المنصة اللي عليها الميكروفون.
كان ماشي ببطء، وإيده بتترعش، ووشه شاحب بشكل خلّاني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد تصرف غريب.
وصل للمنصة، ووقف قدام الميكروفون.
ما اتكلمش.
ثانية عدّت.
وبعدين ثانية تانية.
والقاعة كلها بدأت تسكت تدريجيًا، لحد ما ما بقاش مسموع غير صوت حركة الكراسي الخفيفة وأنفاس الناس.
رفع عينيه وبصّ للوجوه اللي قدامه.
وبصوت مكسور، قال
أنا عارف إن نص الناس اللي هنا نفسهم يطلّعوني برّه دلوقتي.
سكت، وبلع ريقه بصعوبة.
وبعدين بصّ للفستان الأحمر اللي كان لابسه، وشدّ طرفه بإيده كأنه بيحاول يلاقي الكلمات المناسبة.
قال
وعارف إن شكلي غريب، وإن فيه ناس كتير شايفة إن اللي عملته إهانة للمكان ده، ولأهل الولد اللي إحنا مجتمعين النهارده عشان نودّعه.
بصّ ناحية جوزي، وبعدها بصّ لي.
والفستان ده مش بتاعي. أنا استلفته من أختي. وعارف إنكم عايزين تعرفوا أنا ليه واقف قدامكم بالشكل ده.
أخد نفس طويل، ومسح دمعة نزلت على خده.
السبب بسيط جدًا... لكنه أوجع حاجة عرفتها في حياتي.
في اللحظة دي، جوزي فكّ إيده من إيدي، لكنه ما قعدش.
فضل واقف، مستني يسمع.
وأنا حسّيت إن قلبي بيدق بطريقة غريبة.
لأني بدأت أفتكر حاجات كتير عن الولد ده، حاجات كنت بشوفها عادية وقتها، لكن دلوقتي بدأت أحس إنها ممكن تكون مرتبطة باللي بيحصل قدامنا.
افتكرت آخر مرة كان فيها ابني في البيت.
كان تعبان جدًا، ووشه شاحب، لكن رغم كده أصرّ إن صاحبه يقعد معاه.
لما دخلت عليهم بالأكل، لقيت الاتنين بيضحكوا.
ضحك ابني وقتها كان ضعيف، لكنه كان حقيقي.
سألته
بتضحكوا على إيه يا حبيبي؟
ردّ ابني بسرعة
سرّ بيني وبينه يا ماما.
وبعدين بصّ لصاحبه، والاتنين ضحكوا تاني.
وقتها ابتسمت وخرجت، لأني كنت مبسوطة إن ابني لسه قادر يضحك رغم كل الألم.
ما سألتش عن السر.
ما خطرش في بالي إن ممكن ييجي يوم أقف فيه في جنازته، وأكتشف إن فيه جزء من حياته ما كنتش أعرف عنه أي حاجة.
رجعت للحظة الحالية لما سمعت صوت الولد من الميكروفون.
قال
قبل ما أقول لكم السبب، محتاج أحكي لكم حكاية صغيرة عن صاحب عمري.
صاحب عمري.
الكلمتين دول لوحدهم خلّوني أحس بوخزة في قلبي.
كمل
أنا عرفت صاحب عمري وأنا عندي سبع سنين. كنت طفل غلبان، ومكنتش بعرف أتعامل مع الناس بسهولة. كنت بخاف أتكلم، وبخاف أطلب أي حاجة، وبخاف أروح أماكن جديدة لوحدي.
ابتسم ابتسامة صغيرة وسط دموعه.
أول يوم ليا في المدرسة الجديدة، كنت قاعد لوحدي في الفسحة. محدش كان بيكلمني، وكل ما أحاول أقرب من مجموعة أطفال، كانوا يسيبوني ويمشوا.
وقف لحظة، وبعدين كمل
هو كان أول واحد جه قعد جنبي. ما سألنيش ليه أنا لوحدي، وما حاولش يحرجني قدام حد. طلع الساندوتش بتاعه، قسمه نصين، واداني نصه وقال لي كل معايا، عشان الأكل لوحدك ملوش طعم.
بدأت دموعه تزيد.
الجملة دي يمكن كانت عادية بالنسبة له، ويمكن نسيها بعدها بخمس دقايق. لكنه بالنسبة لي، كان أول واحد حسّسني إني مش شخص مالوش مكان في الدنيا.
بصّ ناحيتي.
ومن اليوم ده، وأنا بقيت أروح بيته كل يوم تقريبًا. طنط كانت بتفتح لي الباب وتسألني أكلت ولا لأ، وكانت بتحط لي طبق على السفرة من غير ما تحسسني إني ضيف تقيل.
أنا حطيت إيدي على فمي.
لأنني افتكرت فعلًا الأيام دي.
كنت بشوف الولد داخل البيت بملابس المدرسة، وكنت أعرف من وشه إذا كان متضايق أو جعان. ما كنتش أعرف تفاصيل حياته كلها، لكن كنت حاسة إنه محتاج مكان يحس فيه بالأمان.
كمل كلامه
في أوقات كتير، كنت بفضل عندهم لحد بالليل. وساعات كنت
أقول إني

تم نسخ الرابط