حضر جنازة اعز اصحابه بفستان احمر
المحتويات
ساكت، والڠضب اللي كان في وشه من شوية بدأ يختفي، وحلّ مكانه ۏجع وحيرة.
الولد كمل
لما عرفت إنه ماټ، أول حاجة عملتها إني رحت لأوضتي وقفلت الباب. فضلت أبصّ للفستان ده ساعات. كنت عارف إن لو لبسته وجيت هنا، ناس كتير هتحكم عليّا. وكنت عارف إن فيه ناس هتفتكر إني جاي أستغل مۏت صاحبي عشان ألفت الانتباه.
أخد نفسًا طويلًا.
وكان ممكن أختار الطريق الأسهل. ألبس أسود، وأقعد في آخر القاعة، وأعيط من غير ما حد يسألني أي سؤال.
ثم نظر إلى الفستان وقال
لكن لو عملت كده، هكون رجعت تاني للشخص اللي صاحبي كان بيحاول يساعدني أخرج منه. الشخص اللي بېخاف من نظرة الناس أكتر ما بېخاف إنه يضيّع عمره كله وهو مش قادر يكون صادق مع نفسه.
القاعة كانت ساكتة تمامًا.
حتى الأطفال اللي كانوا قاعدين مع أهاليهم بطّلوا الحركة.
الولد مسح دموعه، ثم قال
أنا مش طالب منكم تحكموا عليّا، ولا طالب منكم توافقوا على كل حاجة بعملها. أنا بس بطلب منكم تفتكروا إن الإنسان اللي قدامكم ممكن يكون شايل حكاية كاملة إنتوا ما تعرفوش عنها أي حاجة.
بصّ ناحية الصف الأول.
وخصوصًا لما يكون الشخص ده هو اللي وقف جنب ابنكم كل يوم، وهو پيتألم، من غير ما يطلب منكم أي مقابل.
الكلمات دي وجعتني بطريقة ما أقدرش أوصفها.
لأنني، رغم كل السنين اللي عرفته فيها، ورغم كل اللي شفته منه وهو بيقف جنب ابني، كنت أول واحدة حكمت عليه من شكله قبل ما أسمع منه كلمة واحدة.
كنت مستعدة أطلب من جوزي يطلّعه برّه، لمجرد إني ما فهمتش اختياره.
لكن اللي صدمني أكتر، إنه ما كانش بيحكي عن نفسه عشان يبرر اللي عمله وبس.
كان بيحاول يخلّي ذكرى ابني تفضل حية فينا، بالطريقة اللي ابني نفسه طلبها منه.
ومع ذلك، لسه كان فيه حاجة ناقصة.
بصّ الولد ناحية جوزي وقال
فيه رسالة كمان صاحب عمري طلب مني أوصلها لكم. وأنا كنت خاېف أقولها من أول ما دخلت، لأني عارف إنها ممكن توجعكم.
جوزي رفع رأسه.
رسالة إيه؟
الولد سكت لحظات، وكأنه بيجمع شجاعته.
ثم قال
في آخر أسبوع من حياته، كان بيتكلم عنكم طول الوقت. كان بيقول إنه عارف إنكم بتحبوه أكتر من أي حاجة في الدنيا، وإنكم عملتوا كل اللي تقدروا عليه عشان تنقذوه.
أنا حطيت إيدي على قلبي.
كمل
لكنه كان زعلان من حاجة واحدة.
جوزي اتوتر.
إيه هي؟
الولد بصّ له بحزن.
كان زعلان إنكم كنتوا بتخافوا عليه لدرجة إنكم نسيتوا تسألوه أحيانًا هو نفسه عايز إيه.
حسّيت كأن حد سحب الأرض من تحت رجليّ.
الولد تابع
كان بيقول لي إنه عارف إنكم كنتوا بتحاولوا تحموه، وإن كل قرار أخدتوه كان من خوفكم عليه. لكنه كان نفسه في الأيام الأخيرة يعيش شوية من غير ما كل كلمة تبقى مرتبطة بمرضه، وكل زيارة تبقى مرتبطة بالعلاج، وكل حديث يبقى عن التحاليل والنتائج.
بدأت أفتكر كل مرة دخلت فيها أوضته وسألته إذا كان أخد الدوا، وكل مرة منعته من الخروج لأنه كان تعبان، وكل مرة قلت له إنه لازم يرتاح بدل ما يقعد مع أصحابه.
كنت بعمل ده كله عشان أحميه.
لكن هل سألته فعلًا عن اللي كان نفسه فيه؟
هل سألته عن أحلامه اللي لسه ما حققهاش؟
عن الحاجات اللي كان نفسه يقولها؟
عن مخاوفه اللي ما كانش عايز يحمّلنا بيها؟
الولد كمل
في يوم، قال لي أنا عارف إن ماما بټعيط لما بتخرج من أوضتي، حتى لو بتحاول تخبي عني. وعارف إن بابا بيقعد ساعات في الصالة من غير ما
ينام، عشان لو احتجت أي حاجة يلاقيني.
بصّ لي مباشرة.
وقال لي إنه مش زعلان منكم. بالعكس، هو كان عارف إنكم بتعملوا كل ده من حبكم ليه. لكنه كان نفسه يقول لكم إنه مش محتاج منكم تكونوا أقوياء طول الوقت.
ما قدرتش أتمالك نفسي.
غطيت وشي بإيديا وعيطت.
جوزي قعد أخيرًا على الكرسي، وحط رأسه بين إيديه.
الولد قال
كان نفسه تسمحوا لنفسكم تعيطوا قدامه، وتحكوا له إنكم خايفين، بدل ما كل واحد فيكم يحاول يخبّي وجعه عن التاني.
وبعدين أضاف
قال لي أنا مش عايزهم يفتكروني كأن المړض هو كل حاجة في حياتي. أنا عايزهم يفتكروا إني كنت ابنهم قبل ما أبقى مريضهم.
الجملة دي كسرت آخر حاجة كانت متماسكة جوايا.
لأني افتكرت ابني وهو بيحاول يضحكني في المستشفى، وأنا أغيّر الموضوع وأقوله إنه لازم يحافظ على طاقته.
افتكرت لما طلب مني أجيب له أكلة كان بيحبها، وقلت له يستنى لما الدكتور يسمح له.
وافتكرت آخر مرة قال لي فيها إنه عايز يقعد معايا لوحدنا، وأنا رديت عليه إني هاجي بعد ما أخلص مكالمة مع المستشفى.
كنت فاكرة إن عندي وقت.
كلنا كنا فاكرين إن عندنا وقت.
لكن الوقت خلص.
والأسئلة اللي ما سألناهاش، والكلام اللي أجّلناه، بقى مالوش فرصة يتقال.
الولد نزل من على المنصة خطوة، لكنه رجع وقف قدام الميكروفون تاني.
أنا عارف إنكم ممكن تكونوا زعلانين مني، وعارف إن شكلي النهارده صدمكم. وأنا مش هطلب منكم تنسوا ده أو تتقبلوه في ثانية واحدة.
ثم نظر إلى جوزي.
لكن أرجوكم، ما تخلّوش آخر ذكرى لي عندكم إني كنت الولد اللي دخل جنازة صاحب عمره بفستان أحمر.
صوته بقى أهدى.
افتكروني الولد اللي كان بيبات عندكم لما ما كانش عنده مكان يرتاح فيه. افتكروني اللي كان بيقعد جنب سرير ابنكم لما كان تعبان، واللي كان بيحاول يضحكه لما الألم كان يمنعه حتى من إنه ينام.
ثم وضع يده على صدره.
وافتكروني كمان إن أنا كنت بحبه. مش عشان كان صاحبي وبس، لكن لأنه كان أول شخص في حياتي خلاني أحس إن وجودي مش غلط، وإن من حقي أعيش من غير ما أفضّل أعتذر للناس عن نفسي.
لم يعد هناك همس في القاعة.
لم يعد أحد يضحك أو ينظر إليه باحتقار.
كانت العيون كلها متجهة إليه، لكن هذه المرة لم تكن نظرات فضول أو سخرية. كان في بعضها حزن، وفي بعضها ارتباك، وفي بعضها شعور واضح بالخجل.
أنا مسحت دموعي، وبصّيت له كويس.
لأول مرة من ساعة ما دخل، ما شفتش الفستان الأحمر.
شفت الولد الصغير اللي كان بييجي بيتنا وهو جعان، ويقعد على السفرة جنب ابني.
شفت الشاب اللي قضى شهور من عمره في المستشفيات، من غير ما يسيب صاحبه يواجه خوفه لوحده.
وشفت إننا، وسط حزننا، كنا على وشك نطرده من المكان الوحيد اللي كان جاي يودّع فيه الشخص اللي حسّسه إنه مش لوحده.
قمت من مكاني.
جوزي بصّ لي باستغراب، وناس كتير لفّت ناحيتي.
مشيت ببطء ناحية المنصة.
الولد شافني، واتراجع خطوة لورا.
كان واضح إنه متوقع إني أزعق له، أو أقوله إنه كان المفروض يفكر في مشاعرنا قبل ما يعمل كده.
وقفت قدامه.
بصّيت في عينيه، وقلت بصوت مبحوح
أنا آسفة.
هو فتح عينيه باستغراب.
كملت
أنا آسفة إني حكمت عليك قبل ما أسمعك. وآسفة إني نسيت، للحظة، إنك كنت واقف جنب ابني في أيام أنا نفسي ما كنتش قادرة أتحملها.
حاول يتكلم، لكن صوته ما طلعش.
مسكت إيده وقلت
إنت مش غريب عن البيت ده. عمرك ما كنت غريب، ومش هتبقى غريب بعد النهارده.
انهار في العياط.
ولأول مرة من ساعة ما دخل
القاعة، شفت كتافه بترتعش من غير
متابعة القراءة