حضر جنازة اعز اصحابه بفستان احمر

لمحة نيوز

مش عايز أرجع البيت، فكان صاحبي يطلع لي بطانية من الدولاب ويقول لي نام هنا، ومحدش هيزعلك.
الولد سكت، وبصّ للأرض.
أنا كنت فاكر إن دي حاجات بسيطة. لكن لما كبرت، فهمت إن فيه ناس بتعمل لك حاجات صغيرة، وهي مش عارفة إنها بتنقذ حياتك.
القاعة كلها كانت ساكتة.
حتى الست اللي كانت بتتكلم عليه من شوية، بقت باصة له من غير ما تنطق.
لكنه ما كانش خلّص.
رفع راسه وقال
لما صاحبي عرف إنه مريض، أنا كنت أول واحد عرف بعد أهله. كنت معاه يوم ما الدكتور قال إن العلاج هيكون صعب، وإننا لازم نكون مستعدين لكل الاحتمالات.
صوت الولد بدأ يتهز.
أنا شفت الخۏف في عينيه. وشفت الخۏف في عينيكم كمان. وكنت عايز أعمل أي حاجة، أي حاجة في الدنيا، عشان أقدر أغيّر اللي بيحصل.
جوزي نزل عينه للأرض.
وأنا حسّيت إن رجليّ مش شايلاني.
الأربعتاشر شهر اللي فاتوا رجعوا قدامي كأنهم فيلم بيتعرض على شاشة.
المستشفيات.
التحاليل.
الليالي الطويلة.
صوت الأجهزة.
واللحظات اللي كنت بخرج فيها من أوضة ابني عشان أعيط بعيد عنه، وأرجع بعدها بدقايق أبتسم وأقوله إن كل حاجة هتبقى كويسة.
كمل الولد
في أول فترة، كنت بحاول أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت. كنت بهزر معاه، وأحكيله عن المدرسة والناس اللي بتضايقني، وأشتكي له من حاجات تافهة، عشان ما يحسش إن كل حياتنا بقت مرض ومستشفيات.
ابتسم بحزن.
وكان كل ما يشوفني ساكت، يسألني مالك؟ فأقوله مفيش. فيردّ عليّا إنت فاكر إني مش عارفك؟ اتكلم.
مسح دموعه بكُمّه.
حتى وهو اللي كان پيتألم، كان لسه بيفكر فيا.
هنا جوزي بدأ ينزل من على مكانه، كأنه فقد القدرة على الوقوف.
لكن الولد رفع إيده وقال
لسه فيه حاجة لازم أقولها.
فرجع جوزي وقف مكانه.
الولد بصّ لكل الموجودين وقال
في يوم، قبل ما صاحبي ېموت بأسابيع، كنا قاعدين لوحدنا في أوضته. كان تعبان جدًا، ومش قادر ينام. فجأة سألني سؤال عمري ما هنساه.
سكت لحظة.
قال لي لو أنا مت، هتعمل إيه؟
حسّيت إن الدنيا وقفت.
ما قدرتش أتنفس كويس.
لأنني افتكرت إن ابني في الفترة الأخيرة كان بيسألني أسئلة شبه دي، وكنت دايمًا أغيّر الموضوع وأقوله إنه هيخف ويرجع لحياته الطبيعية.
لكن ما كنتش أعرف إنه كان بيتكلم عن مۏته مع صاحبه.
الولد كمل
أنا اتعصبت عليه وقتها. قلت له ما تقولش الكلام ده، وإنه لسه قدامه عمر طويل. لكنه فضّل باصص لي، وقال لي أنا مش بسألك عشان تخاف. أنا بس عايز أعرف إنك هتفضل فاكرني.
صوته اختنق.
قلت له إنت فاكر إني ممكن أنساك؟ ده إنت أخويا.
وبعدين أضاف
لكنه هزّ راسه وقال لي لأ، أنا مش خاېف إنك تنساني. أنا خاېف إنك ترجع تعيش زي الأول، وتفضل مخبي نفسك عن الناس.
الناس بدأت تبصّ لبعضها باستغراب.
وأنا ما كنتش فاهمة المقصود.
إيه علاقة ده بالفستان؟
وليه ابني كان بيتكلم معاه عن إنه يخبي نفسه؟
الولد مدّ إيده على طرف الفستان الأحمر، وقال
أنا كنت فاكر إن الكلام ده مجرد كلام واحد تعبان وخاېف من المۏت. ما فهمتش قصده غير بعدين.
وبصّ لجوزي مباشرة.
صاحب عمري كان عارف حاجة عني، أنا نفسي كنت بحاول أهرب منها.
جوزي عقد حاجبيه.
وأنا حسّيت إننا قربنا من الحقيقة، لكن الحقيقة دي مش بالضرورة هتكون سهلة.
الولد كمل
أنا طول عمري كنت بحاول أكون الشخص اللي الناس متوقعاه مني. في المدرسة، وفي الشارع، وقدام أهلي، وحتى قدام أقرب الناس ليا. كنت بضحك لما الناس تضحك، وأقول إن كل حاجة تمام حتى وأنا من جوايا مش تمام.
أخد نفسًا متقطعًا.
كنت بخاف من نظرات الناس، ومن كلامهم، ومن إنهم يقرروا إني
مش طبيعي لمجرد إني مختلف عن الصورة اللي رسموها لي.
ثم نظر إلى الفستان مرة أخرى.
وفي يوم، صاحب عمري سألني إنت بتحب إيه فعلًا؟ مش إيه اللي الناس عايزاك تحبه، ولا إيه اللي الناس متوقعة منك تعمله. إنت نفسك عايز إيه؟
هزّ رأسه ببطء.
ما عرفتش أردّ عليه.
ما عرفتش أردّ عليه.
الجملة دي فضلت معلّقة في القاعة.
قال
فضل ساكت شوية، وبعدين قال لي مش لازم تجاوبني دلوقتي. بس أوعدني إنك في يوم من الأيام هتبطل تعيش خاېف من الناس.
الولد حط إيده على صدره، كأنه بيحاول يهدّي قلبه.
أنا وعدته.
وبعدين رفع عينيه وقال
والمشكلة إني كنت فاكر إن عندي وقت طويل عشان أنفّذ وعدي.
في اللحظة دي، بدأت أفهم إن الفستان ما كانش مجرد اختيار غريب، وإن فيه حكاية أعمق بكتير من اللي إحنا تخيلناه.
لكن لسه ما كنتش فاهمة ليه اختار يوم جنازة ابني بالذات.
وليه اللون الأحمر؟
وليه ما جاش يكلّمنا قبلها؟
كأن الولد قرأ الأسئلة اللي في دماغي، فقال
أنا عارف إن فيه ناس هتقول إني كان ممكن ألبس أي حاجة تانية، وأحكي الحكاية دي من غير ما أعمل كل ده. وعارف إن فيه ناس ممكن تعتبر اللي أنا بعمله النهارده أنانية.
بصّ لي مرة تانية.
بس أنا مش جاي أخطف منكم لحظة الوداع، ولا جاي أخلي جنازته تتكلم عني أنا. أنا جاي عشان أوفي بوعد قطعته له، ووعد تاني قطعته لنفسي.
صوته بدأ يبقى أوضح.
الفستان ده أنا لبسته قبل كده مرة واحدة بس، في مكان مقفول، قدام أختي، لما كنت بحاول أفهم نفسي. وبعدها خفت. خفت من كلام الناس، وخفت من رد فعل أهلي، وخفت إن حد يشوفني ويقرر إني بقيت شخص تاني.
توقف، ثم قال
ولما حكيت لصاحبي، ما ضحكش عليّا، وما قاليش إني غلط، وما حاولش يغيّرني. سألني سؤال واحد بس إنت كنت مبسوط؟
ابتسم وسط دموعه.
قلت له أيوه، بس كنت خاېف.
فردّ عليّا طب ليه مخلي الخۏف هو اللي يقرر لك تعيش إزاي؟
الولد بصّ للقاعة كلها.
أنا ما بقولش إن كل الناس لازم تفهمني، ولا إني مستني منكم تصفقوا لي. أنا بس بقول إن صاحب عمري كان أحنّ عليّا من نفسي. كان شايف خۏفي، ومع ذلك ما استخدموش ضدي.
أنا بدأت أعيط بصوت مسموع.
ما كنتش عارفة إذا كنت فاهمة كل اللي بيقوله، لكني كنت فاهمة حاجة واحدة إن ابني كان شايل جوا حياته جزءًا كبيرًا ما حكاهولناش، وإن صاحبه كان أمينًا على الجزء ده.
لكن الولد لسه ما وصلش للسبب الحقيقي اللي خلاه يختار الفستان الأحمر في الچنازة.
مسك الميكروفون بإيديه الاتنين وقال
قبل ما يدخل المستشفى آخر مرة، صاحبي طلب مني طلب غريب. قال لي لو حصل لي حاجة، ما تخليش آخر ذكرى ليا عندك هي صورة المستشفى، ولا صوت الأجهزة، ولا شكلي وأنا تعبان.
بلع ريقه بصعوبة.
قال لي افتكرني وأنا بضحك. افتكرني وإحنا بنهزر. افتكر إننا كنا بنخطط لحاجات كتير، حتى لو ما لحقناش نعملها.
وبعدين سكت.
وقال لي كمان لو في يوم بقيت شجاع كفاية تعيش حياتك من غير ما تخاف من كلام الناس، عايزك تعمل حاجة واحدة.
حسّيت إن قلبي هيخرج من صدري.
قال لي اعملها في يوم مهم. يوم تكون فيه فاكر إن الناس كلها بتبصّ لك، ومع ذلك تختار تعمل الحاجة اللي وعدت نفسك بيها.
الولد رفع عينيه، وبصّ لي ولجوزي.
أنا ما كنتش أعرف إنه هيكون يوم جنازته.
انهار صوته تمامًا.
ولا كنت أتمنى أبدًا إن اليوم اللي أقدر فيه أوفي بوعدي يكون اليوم اللي أودّعه فيه.
نزلت دموعي من غير ما
أحاول أمنعها.
جوزي كان واقف
تم نسخ الرابط