سافرت انقذ مريضة

لمحة نيوز

اللي وصلها، وفتحته من جديد.
جواه كانت فيه ورقة صغيرة، مكتوب فيها
فؤاد ماكانش لوحده. اسألي أحمد عن اللي حصل ليلة دخولك المستشفى.
سلمى رفعت رأسها بسرعة.
أحمد؟
في اللحظة دي، موبايل أمينة رن.
ظهر اسم ابنها على الشاشة.
بصت لسلمى، وبعدين ردت على المكالمة وحطتها على مكبر الصوت.
صوت أحمد جه متوتر
ماما، إنتِ فين؟ أنا روحت المستشفى قالولي إنك خرجتي. لازم نتكلم فورًا.
أمينة ردت ببرود
أنا بخير يا أحمد. وعايزة أسمع منك إجابة على سؤال واحد. إيه اللي حصل ليلة ما تعبت؟
سكت أحمد.
ثانيتين.
ثلاثة.
وبعدين قال
إنتِ لسه خارجة من عملية، ومش وقت الكلام ده.
أنا بسألك سؤال واضح. إيه اللي حصل ليلة ما تعبت؟
أحمد اتنهد بعصبية.
أنا ماعملتش حاجة يا ماما. داليا قالتلي إن حالتك مستقرة، وإن الدكتور اللي كان متابعك شايف إن مفيش داعي لنقلك فورًا.
سلمى اتدخلت لأول مرة.
مين الدكتور اللي قال الكلام ده؟
أحمد اتفاجئ لما سمع صوتها.
سلمى؟ إنتِ لسه هناك؟
أيوه. وأنا اللي عملت العملية اللي أنقذت حياة والدتك. فخلينا نتكلم من غير لف ودوران. مين الدكتور اللي قال إن حالتها مستقرة؟
أحمد حاول يغيّر الموضوع.
أنا مش فاهم إنتِ عايزة توصلي لإيه.
سلمى قالت بوضوح
عايزة أعرف ليه تذكرتي اتلغت، وليه حد حاول يمنعني من الوصول، وليه اتقدّم للمستشفى طلب بتغيير الطبيب المسؤول عن الحالة قبل العملية بساعات.
أحمد سكت.
أمينة قالت بصوت مكسور
يا أحمد، أنا مش عايزة أسمع كلام منمّق. لو كنت غلطت، قول. ولو حد استغلك، قول برضه. لكن ماتخلينيش أكتشف الحقيقة من الورق والتسجيلات.
أحمد أخيرًا رد
أنا كنت عارف إن فيه مشكلة في التذكرة، بس ماكنتش أعرف إن حالتك وصلت للدرجة دي.
سلمى ضيّقت عينيها.
كنت عارف؟!
داليا قالتلي إنك مش هتقدري تسافري في الوقت المناسب، وإن المستشفى هيتصرف مع دكتور تاني. أنا وافقت على التأخير، لكن ماكنتش أعرف إن ده ممكن يعرّض حياة ماما للخطړ.
يوسف قرب من الهاتف وقال
هل عندك أي دليل على إن داليا تصرفت من نفسها؟
أحمد رد بسرعة
كل حاجة موجودة على إيميل الشركة.
يوسف سأله
وأنت وافقت على تأخير سفر سلمى؟
أحمد ماجاوبش.
الصمت كان كفاية.
أمينة قفلت عينيها للحظة، كأنها بتحاول تستوعب إن ابنها كان على علم بجزء من اللي حصل.
وبعدين قالت
تعالى المستشفى يا أحمد. لو لسه جواك ذرة صدق، تعالى وواجهني.
بعد أقل من ساعة، أحمد دخل غرفة أمينة.
كان وشه شاحب، وربطة عنقه مفكوكة، وفي إيده ملف أسود.
داليا ماكانتش معاه.
أول ما شاف أمه، قرب منها بسرعة.
ماما، الحمد لله على سلامتك.
أمينة ماحضنتوش زي كل مرة.
فضلت باصة له من غير كلام.
أحمد وقف مكانه، وبعدها حط الملف على الترابيزة.
أنا عارف إن اللي حصل كبير، بس أنا أقدر أصلح كل حاجة. هجيب محامي جديد، وهنراجع كل المستندات، وهنثبت إن داليا هي المسؤولة عن إلغاء التذكرة.
يوسف رد فورًا
إنت لسه بتفكر في إنقاذ نفسك، مش في إنقاذ الحقيقة.
أحمد بص له بضيق.
وإنت مالك بالموضوع؟
يوسف رفع الصورة القديمة قدامه.
تعرف الشخص ده؟
أحمد بص للصورة، واتغيّر لون وشه.
كريم منصور.
يوسف قرب منه خطوة.
أيوه. أخويا. المحاسب اللي ماټ في حاډث غامض بعد ما اكتشف تحويلات مالية من شركة محمود عبد الرحمن. عندك تفسير ليه اسم أبوك موجود في التسجيلات اللي بتتكلم عن إسكات كريم؟
أحمد اتراجع.
أنا ماعرفش أي حاجة عن التسجيلات دي.
يوسف حط نسخة من الورقة قدامه.
طيب، عندك تفسير ليه أبوك بعتلك رسالة قبل ۏفاة كريم بيوم، بيقولك فيها إنك لازم تتأكد إن الملف الأصلي ما يوصلش لأمينة؟
أحمد مسك الورقة، وقراها، وبعدين قعد على الكرسي كأن رجليه ماعادوش شايلينه.
أمينة قالت
إنت كنت تعرف إن أبوك بيحاول ياخد حقوقي؟
أحمد رفع
رأسه بسرعة.
أنا كنت فاكر إن فيه خلافات حسابات بينه وبين الأستاذ محمود، وإن الموضوع اتحل من زمان. أبويا قاللي إن أمور الشركة اتصفّت، وإن الأسهم اللي اتنقلت كانت بموافقة أصحابها.
ومصدقتوش؟
أحمد اتلخبط.
أنا ما سألتش.
أمينة هزت رأسها پألم.
أحيانًا يا أحمد، السكوت مش معناه إنك ما تعرفش. السكوت ممكن يكون هو اللي سمح للغلط يكبر.
سلمى كانت واقفة بعيد، ساكتة. ماكانتش عايزة تدافع عن أحمد ولا تدينه قبل ما الأدلة تكتمل. هي كانت عايزة تشوفه يقول الحقيقة من غير ما يلاقي مخرج.
أحمد بص لها.
سلمى، أنا آسف على اللي حصل في موضوع التذكرة. أنا كنت مضغوط، وداليا قالتلي إن سفرِك مش ضروري، وإن فيه بديل. ما فكرتش إن الموضوع ممكن يوصل لكده.
سلمى ردت بهدوء شديد
أنا مش زعلانة عشان التذكرة بس يا أحمد. أنا زعلانة لأنك سمحت لحد يقرر إن شغلي وحياتي وسمعتي حاجات ممكن تتلعب بيها. ولأنك لما عرفت إن فيه مشكلة، ما حاولتش تتأكد من الحقيقة. إنت اخترت تصدّق الكلام اللي كان أسهل ليك.
أحمد نزل عينيه.
أنا غلطت.
الغلط بيتصلح لما صاحبه يعترف بيه ويتحمّل نتيجته. مش لما يحاول يعلّق كل حاجة في رقبة شخص تاني.
في اللحظة دي، باب الغرفة اتفتح، ودخل ضابط ومعاه موظف من إدارة المستشفى.
الضابط قال
أستاذ أحمد الشناوي؟ محتاجين نسمع أقوال حضرتك بخصوص بلاغ إلغاء الحجز، ومحاولة تغيير الطبيب المسؤول عن الحالة، والمستندات اللي اتقدمت باسم السيدة أمينة.
أحمد وقف ببطء.
بص لأمه، وبعدين لسلمى.
كان واضح إنه مستني منهم كلمة واحدة تخفف عنه الموقف.
لكن أمينة قالت
جاوب على كل سؤال بصدق يا أحمد. دي فرصتك الأخيرة إنك تتحمل مسؤولية قراراتك.
أحمد خرج مع الضابط.
وقبل ما الباب يتقفل، لفّ وبص لسلمى.
أنا هصلّح اللي حصل.
سلمى ما ردتش.
لأنها كانت عارفة إن بعض الوعود بتتقال بعد ما صاحبها يكتشف إن مفيش مفر.
في نفس الليلة، بدأت خيوط القضية تتجمع.
يوسف سلّم النسخ الأصلية من التسجيلات والمستندات للجهات المختصة، وطلب فحص التوقيعات والتحويلات المالية بشكل رسمي. وإدارة المستشفى حفظت سجلات تعديل الطبيب والحجوزات، بما فيها وقت إلغاء تذكرة سلمى والجهة اللي استخدمت صلاحيات الحجز.
أما داليا، فبعد ساعات من اختفائها، حضرت بنفسها لمكتب التحقيقات.
كانت مڼهارة، وبتحاول تبرر كل حاجة بأنها مجرد موظفة نفذت تعليمات مديرها.
لكن لما واجهوها بالرسائل الإلكترونية، وتسجيلات الدخول على نظام الحجز، وطلب تغيير الطبيب، بدأت تتراجع عن أقوالها.
اعترفت إنها ألغت التذكرة باستخدام صلاحيات العمل، وإنها أرسلت لسلمى معلومات ناقصة عن موعد الرحلة، وإنها حاولت تقنع إدارة المستشفى إن سلمى مش هتقدر توصل في الوقت المناسب.
لكنها أكدت إن أحمد ماطلبش منها صراحةً تعريض حياة والدته للخطړ، وإنها هي اللي اختارت بعض الخطوات الإضافية عشان تخفي آثار اللي عملته.
التحقيق ما اكتفاش باعترافها، وطلب فحص كل الرسائل والمكالمات لتحديد مسؤولية كل شخص بدقة.
وفي ملف تاني، ظهرت تحويلات مالية مرتبطة بشركات كان فؤاد الشناوي بيديرها من خلال وسطاء. بعض التحويلات اتعملت بأسماء شركات ورقية، وبعضها اتربط بمستندات بيع أسهم مشكوك في صحتها.
لكن أخطر دليل كان في النسخة الأصلية من وصية محمود عبد الرحمن.
يوسف قعد مع أمينة في مكتب المحامي، وفتح الظرف المختوم قدامها.
سلمى كانت موجودة معاهم، بعد ما خلصت متابعة حالة أمينة واتأكدت إن وضعها الصحي مستقر.
يوسف بدأ يقرا
أنا، محمود عبد الرحمن، أقرّ بأن جميع الأسهم والأصول الموضحة في هذا المستند تظل ملكًا لزوجتي أمينة محمود عبد الرحمن، ولا يحق لأي شخص التصرف فيها دون موافقتها الصريحة الموثقة. وفي حالة ثبوت تزوير أي مستند متعلق بتلك الأصول، تُجمّد صلاحيات المتسبب فيه لحين انتهاء التحقيق، وتُحال جميع الأدلة للجهات المختصة.
يوسف وقف عند الفقرة الأخيرة.
وهنا الجزء الأهم. محمود كان عامل حسابه إن فيه احتمال حد يحاول يزوّر توقيع أمينة. وعشان كده، كان محتفظ بنسخة موثقة من الوصية في جهة مستقلة، مش في الشركة.
أمينة مسحت دموعها.
محمود كان شاكك في فؤاد من زمان، لكنه ماكانش عايز يصدق إن صديقه ممكن يوصل للدرجة دي.
سلمى سألت
طيب، ليه اسم أحمد ظهر في الرسائل؟
يوسف قلب صفحات الملف.
لأنه كان مسؤولًا عن تنفيذ بعض الإجراءات الإدارية بعد ۏفاة محمود. لكن وجود اسمه في رسالة مش دليل كافي لوحده على إنه شارك في كل حاجة. التحقيق لازم يحدد إذا كان فاهم حقيقة المستندات ولا كان بيتعامل معاها باعتبارها إجراءات قانونية سليمة.
أمينة قالت بحزم
أنا مش هطلب من حد يحمي ابني من نتيجة أفعاله، ومش هطلب من حد يدينه قبل ما الحقيقة تظهر. اللي عايزاه إن كل واحد يتحاسب على اللي عمله فعلًا.
سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وده أحسن قرار ممكن تاخديه.
بعد يومين، رجعت سلمى القاهرة.
المرة دي، ماكانش فيه تذكرة ملغية ولا حد بيحاول يمنعها من الوصول.
كانت راجعة وهي حاسة إنها أخيرًا قدرت تفصل بين حياتها الشخصية وشغلها، وبين الكلام اللي الناس ممكن تقولّه عنها والحقيقة اللي تقدر تثبتها.
أول ما وصلت بيتها، لقت أحمد مستنيها قدام الباب.
كان باين عليه إنه ما نامش كويس من أيام.
قال لها
ممكن نتكلم خمس دقايق؟
سلمى فتحت الباب، وخلّته يدخل، لكنها ماقدمتلوش قهوة ولا حاولت تخفف عنه التوتر زي ما كانت بتعمل زمان.
قعدوا في الصالة، وكل واحد فيهم بعيد عن التاني.
أحمد بدأ الكلام
التحقيقات أثبتت إن داليا استخدمت صلاحياتها في إلغاء التذكرة، وأنا اعترفت إني وافقت على التأخير من غير ما أراجع التفاصيل. أبويا كمان اتطلب منه يقدم مستندات بخصوص الحسابات القديمة.
سلمى قالت
وأنا؟
بص لها.
إنتِ إيه؟
أنا عايزة أعرف إنت جاي تقولّي إيه بخصوصنا.
أحمد بلع ريقه.
أنا عارف إني خسړت ثقتك. بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح ده. نبدأ من جديد، ونبعد عن كل المشاكل دي.
سلمى بصت له طويلًا.
إنت فاكر إن المشكلة كانت في داليا أو في أبوك بس؟
أنا مش بقول كده.
أمال بتقول إيه؟ إنت وافقت على قرار يخص سفري من غير ما تسألني، وصدقت كلام حد تاني عن شغلي، ولما الموضوع اتكشف، أول حاجة فكرت فيها كانت إزاي تحمي نفسك من المسؤولية.
أحمد حاول يقاطعها، لكنها رفعت إيدها.
خليني أكمل. أنا مش محتاجة منك وعد جديد. أنا محتاجة أعرف إنك فاهم حجم اللي حصل. أنا كنت في المطار، قدام بوابة السفر، ومريضة حياتها بتتعلق بالوقت. وفي اللحظة دي، اكتشفت إن حد لعب بحجزي. ماكنتش عارفة إذا كنت هلحق ولا لأ. ولما وصلت، عرفت إن الشخص اللي كان المفروض يكون سند ليا ساهم في المشكلة بدل ما يمنعها.
أحمد نزل رأسه.
أنا مش هقدر أبرر ده.
بالضبط. مفيش تبرير.
سكتت لحظة، وبعدين طلعت ملفًا من درج قريب.
دي أوراق طلب الانفصال.
أحمد رفع رأسه بسرعة.
سلمى، استني. إنتِ بتاخدي قرارك وإنتِ لسه متأثرة باللي حصل.
ردت بثبات
أنا أخدت وقتي وأنا في الرياض. فكرت في كل حاجة، من أول ما اكتشفت إلغاء التذكرة لحد ما وقفت قدام أمك وهي بتواجهك. وقررت إني مش هكمل في علاقة فقدت فيها الإحساس بالأمان والثقة.
طب والسنين اللي بينا؟
سلمى ابتسمت بحزن.
السنين دي مش هتختفي. هتفضل جزء من حياتي، لكن مش معنى كده إني لازم أعيش باقي عمري وأنا بحاول أنسى اللي حصل.
أحمد بص للأوراق، وما مدش
إيده ياخدها.
إنتِ مش هتديني فرصة أخيرة؟
أنا اديتك فرص كتير، يمكن أكتر مما كنت لازم أدي. بس الفرصة الأخيرة مش واجب عليا. دي حاجة أنا من حقي أختارها، وأنا اخترت أمشي.
قام من مكانه ببطء.
كان واضح إنه عايز يقول كلام كتير، لكن لأول مرة، ما لاقاش جملة تقدر تغيّر القرار.
قبل ما يخرج، قال
أنا آسف يا سلمى.
ردت
أتمنى تتعلم من اللي حصل. مش عشاني، عشان ما تكررش نفس الغلط مع أي حد تاني.
خرج أحمد، وسلمى قفلت الباب وراه.
ماعيطتش.
وماحستش إنها كسبت معركة.
كل اللي حست بيه إنها أخيرًا بطلت تحارب عشان تحافظ على حاجة كانت بتأذيها.
مرت ثلاثة شهور.
القضية المالية فضلت مستمرة، والتحقيقات كشفت إن فؤاد الشناوي استخدم شركات وسيطة لإخفاء جزء من الأموال وتحويل ملكية بعض الأصول من غير موافقات صحيحة. واتخذت الجهات المختصة إجراءات تحفظية على الأصول محل الڼزاع، وبدأت مراجعة المستندات والتوقيعات القديمة.
أما أحمد، فتم التحقيق معاه بخصوص موافقته على تأخير سفر سلمى، ودوره الإداري في بعض الإجراءات المرتبطة بملف والدته. وبحسب ما أثبتته التحقيقات، اتحدد نطاق مسؤوليته بشكل منفصل عن التصرفات اللي نفذتها داليا، وعن المستندات المالية اللي ارتبطت باسم والده.
ماكانش فيه قرار واحد يختصر كل القصة، ولا اعتراف واحد يحل كل المشاكل. كل واقعة كان ليها أدلتها، وكل شخص كان عليه يواجه نتيجة اللي ثبت إنه عمله.
يوسف كمان أعاد فتح ملف ۏفاة أخوه كريم، وقدّم التسجيلات والمراسلات القديمة للجهات المختصة. وبعد مراجعة الأدلة، ظهرت معلومات جديدة عن ملابسات الحاډث، واتقرر فحص التقرير الأصلي من جديد، بدل الاعتماد على النسخة اللي اتقدمت وقتها.
بالنسبة لأمينة، كانت أهم نتيجة إنها استعادت السيطرة على حساباتها وأصولها، واتثبت إن الوصية الأصلية ما اتعدلتش بالشكل اللي ظهر في المستندات المشكوك فيها.
لكن التغيير الأكبر
تم نسخ الرابط