سافرت انقذ مريضة

لمحة نيوز

ماكانش في الفلوس ولا في الأسهم.
كان في علاقتها بابنها.
أحمد بدأ يزورها بانتظام، لكنه ما بقاش يدخل بيتها ويتصرف كأنه صاحب القرار. كان يستأذن قبل ما يفتح أي ملف، ويسأل قبل ما يتدخل في أي حساب، ويسمع قبل ما يحاول يفرض رأيه.
أمينة ما رجعتش تثق فيه بسهولة، لكنها ما قفلتش الباب تمامًا.
كانت بتراقب أفعاله، مش وعوده.
وفي يوم، سلمى سافرت الرياض مرة تانية، المرة دي لحضور مؤتمر طبي عن جراحات القلب الطارئة.
قبل المؤتمر بيوم، وصلها اتصال من أمينة.
إزيك يا بنتي؟
سلمى ابتسمت.
الحمد لله، إنتِ عاملة إيه؟
أحسن بكتير. كنت عايزة أشكرك مرة تانية. مش بس عشان العملية، لكن عشان إنك ما خلتنيش أواجه كل ده لوحدي.
سلمى ردت
أنا عملت واجبي يا مدام أمينة.
عارفة. بس فيه ناس بتعمل واجبها وبتسيب المكان، وفيه ناس بتفضل واقفة جنب الحق حتى لما يكون الموضوع متعب. إنتِ كنتِ من النوع التاني.
سلمى سكتت لحظة، وبعدين سألتها
وأحمد؟
أمينة اتنهدت.
بيحاول. مش هقولك إنه اتغيّر في يوم وليلة، لكن بدأ يفهم إن كونه ابني مش معناه إن كل حاجة تتغفر له من غير حساب.
وده كويس.
أمينة ترددت قبل ما تقول
هو طلب مني أسألك إذا كنتِ ممكن تقابليه مرة أخيرة.
سلمى بصت من شباك الفندق، للشارع الواسع اللي كانت بتعدي منه عربيات كتير.
لو عايز يقابلني عشان يعتذر، فهو اعتذر. ولو عايز يقابلني عشان يرجعنا زي الأول، فده مش هيحصل.
أمينة ردت بهدوء
هقوله. وأنا مش هضغط عليكي في قرارك.
قبل ما يقفلوا، قالت أمينة جملة فضلت في دماغ سلمى
تعرفي يا بنتي، ساعات الواحد بيخسر ناس عشان يتعلم قيمتهم، بس ساعات تانية بيخسرهم لأنهم أخيرًا عرفوا قيمة نفسهم.
سلمى ابتسمت.
يمكن دي أول مرة أفهم الجملة دي بجد.
في آخر يوم للمؤتمر، سلمى كانت بتراجع جدول المحاضرات لما لقت يوسف داخل القاعة.
استغربت وجوده.
إنت إيه اللي جابك هنا؟
ابتسم.
جاي أشارك في جلسة عن المسؤولية القانونية في القرارات الطبية الطارئة. وقلت بما إني في الرياض، لازم أسلّم عليكي.
قعدوا في كافيتريا المستشفى، ويوسف حط قدامها ملفًا صغيرًا.
سلمى بصت له بحذر.
إيه ده؟
آخر تحديث في القضية. مش هحكيلك تفاصيل سرية، لكن حبيت أقولك إن المستندات اللي تخص إلغاء التذكرة اتوثقت، وإن سجل النظام أكد إن العملية اتنفذت باستخدام حساب داليا. كمان الرسائل أثبتت إن أحمد وافق على التأخير، لكنه ماكانش صاحب قرار إلغاء الحجز نفسه.
سلمى أخدت نفسًا طويلًا.
يعني الحقيقة بدأت تظهر.
أيوه. وده مهم عشان كل واحد يتحاسب على الجزء اللي يخصه، من غير ما نخلط الأمور ببعض.
سلمى قفلت الملف.
عارف يا يوسف؟ أكتر حاجة تعبتني في القصة دي إني كنت مضطرة أثبت إني ماقصّرتش في شغلي، مع إني كنت بحاول أنقذ حياة إنسانة.
يوسف هز رأسه.
عشان كده الأدلة مهمة. مش عشان ټنتقمي من حد، لكن عشان محدش يقدر يغيّر الحقيقة على مزاجه.
سلمى بصت له وقالت
وأنا اتعلمت حاجة تانية. إن الدفاع عن نفسك مش معناه إنك لازم تكره كل اللي ظلمك. ساعات كل اللي محتاج تعمله إنك توقفه عند حدّه، وتكمل حياتك.
يوسف ابتسم.
واضح إنك خرجتي من التجربة دي أقوى.
مش عارفة إذا كنت أقوى، لكن بقيت أوضح مع نفسي. بقيت أعرف إيه اللي أقدر أتنازل عنه، وإيه اللي لو تنازلت عنه هخسر نفسي.
في اللحظة دي، موبايل سلمى وصلته رسالة من رقم غير مسجل.
فتحتها.
كانت الرسالة قصيرة
أنا أحمد. مش بطلب منك ترجعي، ومش مستني رد. بس حبيت أقولك إنك كنتِ صح لما قلتي إن الاعتذار من غير تغيير ملوش قيمة. أنا بدأت أواجه الحاجات اللي كنت بهرب منها، حتى لو ده مش هيغيّر قرارك.
سلمى قرأت الرسالة مرة، وبعدين قفلت الموبايل.
يوسف سألها
هتردي؟
فكرت لحظات، ثم قالت
مش دلوقتي. يمكن في يوم أقدر أسمع منه من غير ما أفتكر كل اللي حصل. ويمكن لأ. بس مش لازم أقرر النهارده.
وقامت عشان تلحق جلستها الأخيرة.
بعد ستة شهور، رجعت أمينة القاهرة في زيارة قصيرة، وأصرت إنها تقابل سلمى في المستشفى.
أول ما شافتها، حضنتها بقوة.
وحشتيني يا بنتي.
سلمى ضحكت.
إنتِ اللي وحشتيني. عاملة إيه؟
بخير. وبقيت بمشي كل يوم، وبراجع شغلي بنفسي، ومش بسيب أي حد يمضي ورقة باسمي من غير ما أقراها.
سلمى ابتسمت.
كده تمام.
قعدوا في مكتب سلمى، وأمينة طلعت من شنطتها علبة صغيرة.
دي حاجة بسيطة، بس عايزاكي تاخديها.
سلمى فتحت العلبة، ولقت ساعة قديمة منقوش على ظهرها اسم محمود عبد الرحمن.
دي كانت ساعة جوزي. كان لابسها يوم ما قابلني أول مرة. احتفظت بيها سنين، وكنت ناوية أديها لأحمد، لكن دلوقتي عايزاكي إنتِ تحتفظي بيها.
سلمى رجعت العلبة بهدوء.
مش هقدر آخد حاجة غالية بالشكل ده.
أمينة مسكت إيدها.
هي مش غالية عشان تمنها. هي غالية عشان بتفكرني إن فيه ناس بتعمل الصح حتى لما محدش بيشوفها، وإن فيه ناس بتختار تساعد غيرها من غير ما تستنى مقابل. أنا مش بشتري موقفك يا سلمى، ومش بحاول أرد لك جميل. أنا بديها لشخص أثق إنه هيحافظ عليها.
سلمى عينيها دمعت.
هحتفظ بيها، لكن مش عشان أفكرك باللي حصل. هحتفظ بيها عشان أفتكر إن في وسط كل الفوضى دي، كان فيه ناس اختارت تعمل الصح.
أمينة ابتسمت.
وبعدين قالت
على فكرة، أحمد عرف إني جاية أشوفك. طلب مني أقولك إنه مش هيحاول يتواصل معاكي تاني إلا لو إنتِ وافقتِ.
سلمى سكتت لحظات، ثم قالت
أتمنى له الخير
يا أمينة. بجد. لكن أنا بدأت حياة جديدة، ومش عايزة أرجع للماضي.
أمينة هزت رأسها.
وده حقك.
قبل ما تمشي، وقفت عند باب المكتب وبصت لسلمى.
عارفة إيه أكتر حاجة أبو محمود كان بيقولها؟ كان يقول إن الإنسان ممكن يخسر فلوسه، وممكن يخسر مكانته، لكن الخسارة الحقيقية إنه يخسر احترامه لنفسه. إنتِ خرجتي من كل اللي حصل وإنتِ لسه محافظة على نفسك.
سلمى ردت بابتسامة هادية
يمكن عشان في اللحظة اللي حاولوا يخلوني أختار فيها بين كرامتي وبين راحتي، اخترت كرامتي.
أمينة خرجت، وسلمى رجعت لمكتبها.
حطت الساعة القديمة في درج خاص، جنب شهادة تكريم حصلت عليها من المستشفى بعد نجاح العملية، وفتحت ملف مريضة جديدة محتاجة تدخل جراحي.
الحياة ماوقفتش.
والقضية ما انتهتش لأن كل شخص اعتذر، لكنها اتقدمت لأن الأدلة ظهرت، والحقوق بدأت ترجع لأصحابها، وكل شخص بقى مضطر يواجه نتائج قراراته.
أما سلمى، فكانت أخيرًا قادرة تدخل غرفة العمليات من غير ما تحس إنها مطالبة تثبت لأي حد إنها تستحق مكانها.
كانت عارفة هي مين.
وعارفة إنها عملت اللي عليها.
وده كان كفاية.
النهاية
في صباح يوم جديد، وقفت سلمى قدام بوابة المستشفى، نفس البوابة اللي كانت زمان بداية أسوأ يوم في حياتها.
المرة دي، كانت داخلة وهي ماسكة ملف مريضة، وعلى وشها ابتسامة هادية.
عدّت من البوابة من غير ما تلتفت وراها.
لأنها فهمت أخيرًا إن الانتصار الحقيقي مش إنك تشوف اللي ظلمك بيتعاقب، ولا إنك ترجع كل حاجة زي ما كانت.
الانتصار الحقيقي إنك تمنع ظلمهم من إنه يحدد بقية حياتك.
وإنك تقدر تنقذ حياة إنسان، حتى لما ناس كتير يحاولوا يوقعوك.
وإنك تعرف تمشي من علاقة انتهت، من غير ما تضيّع نفسك في محاولة إنقاذها.
أما أحمد، فكان عليه يبدأ طريقه الخاص، ويثبت بأفعاله إنه فهم الدرس، سواء سامحته سلمى يومًا أو فضلت بعيدة عنه للأبد.
وأمينة استعادت حقها، ويوسف اقترب من الحقيقة اللي حرمته منها السنين، وداليا وفؤاد واجهوا التحقيقات على قدر ما أثبتته الأدلة من أفعالهم.
كل واحد خرج من الحكاية بحاجة مختلفة.
لكن سلمى خرجت بأهم حاجة
إن محدش يقدر يلغي مستقبلك، إلا لو إنت سمحت له يقنعك إنك مش قادرة تبدأ من جديد.
تمت.

تم نسخ الرابط