ابوها باعها لرجل
بتختبرني عشان تعرف. وده معناه إنك ما اديتنيش فرصة أختار حياتي وأنا عارفة الحقيقة.
وبعدين رفعت إيدها ناحية خاتم الجواز.
فضلت تبص له لثواني، وكأنها بتفكر في كل اللي حصل من أول ما أبوها نطق بكلمته في الصالة، لحد اللحظة اللي شافت فيها فيكتور بيخلع التنكر قدامها.
وببطء، خلعت الخاتم من صباعها.
وحطته على الترابيزة.
فيكتور بص للخاتم، وبعدها رفع عينيه ليها.
إنتِ عايزة تمشي؟
صوفيا ردت
أيوه.
كان ممكن فيكتور يمنعها بسهولة.
كان عنده حراس، ونفوذ، وفلوس تكفي إنه يفرض رأيه على أي حد.
لكن لأول مرة، أدرك إن استخدام قوته مش هيحل المشكلة دي.
لو منعها من الخروج، هيكون كرر نفس الغلط اللي ارتكبه أبوها.
هيكون قرر إن رغبتها مش مهمة، وإنه يقدر يختار بدلًا منها.
عشان كده، ما حاولش يوقفها.
اكتفى إنه يبعد عن طريقها، ويسيب لها مساحة توصل للباب.
صوفيا فتحت الباب، وخرجت من الأوضة.
ولما وصلت للممر، وقفت لحظة، لكنها ما التفتتش.
كانت بتفكر في حاجة واحدة
إنها مهما كانت الظروف اللي دفعتها للجواز ده، مش هتسمح لحد إنه يحدد قيمتها أو يقرر عنها تاني.
أما فيكتور، ففضل واقف لوحده في الأوضة.
بص للخاتم اللي على الترابيزة، وحس لأول مرة إن خطته نجحت في كشف حقيقة شخص، لكنه في نفس الوقت خسر فرصة كان ممكن تكون مختلفة عن كل اللي عرفهم قبل كده.
كان عايز يعرف إذا كان فيه حد ممكن يحترمه من غير ما يعرف شكله الحقيقي.
وصوفيا أثبتت له إنها كانت قادرة تعمل ده.
لكنها أثبتت له كمان حاجة أهم
إن الاحترام وحده مش كفاية لو صاحبه مش بيحترم حقك في الاختيار.
الفصل السابع الصباح اللي اكتشفت فيه صوفيا الحقيقة التانية
صوفيا قضت الليلة في مكان منفصل داخل القصر، بعيد عن فيكتور.
ما قدرتش تنام بسهولة.
كل ما تغمض عينيها، تفتكر شكل فيكتور وهو بيقف على رجليه، وبعدها اللحظة اللي بدأ فيها يخلع الغطاء اللي كان مغير شكله.
كانت لسه مصډومة من الحقيقة، لكن اللي ۏجعها أكتر هو إنها اكتشفت إن الجواز كله بدأ بكذبة.
في الصباح، جه واحد من العاملين في القصر وقال لها إن فيكتور عايزها تعرف حاجة قبل ما تمشي.
صوفيا وافقت تسمع، لكنها أكدت إنها مش هتغير قرارها لمجرد إنه غني أو إنه ممكن يقدم لها أي حاجة.
دخلت غرفة الجلوس، ولقت فيكتور واقف جنب الشباك، من غير الكرسي المتحرك، ومن غير التنكر اللي كانت شافته طول اليوم السابق.
كان شكله مختلف تمامًا.
لكن المرة دي، صوفيا ما كانتش مهتمة بشكله.
فيكتور أشار لكرسي قدامه.
ممكن تقعدي دقيقة؟
صوفيا قعدت، لكنها فضلت محتفظة بمسافة بينها وبينه.
فيكتور قال
أنا عايزك تعرفي إن الدين بتاع أبوكي اتسدد بالكامل.
صوفيا رفعت عينيها له.
إزاي؟
أنا أصدرت التعليمات من امبارح. مفيش أي مبلغ مستحق عليه ليا بعد النهارده.
صوفيا فضلت ساكتة.
فيكتور كمل
وكمان اتفتح حساب باسمك، فيه مبلغ كفاية يخليكي تعيشي حياة مستقرة، وتقدري تكملي شغلك أو تدرسي أو تعملي أي حاجة إنتِ عايزاها.
صوفيا بصت له باستغراب.
ليه؟
فيكتور رد
لأنك ما تستحقيش تدفعي تمن أخطاء أبوكي.
للحظة، صوفيا حسّت بالراحة.
مش عشان الفلوس، لكن عشان فكرة إن أمها مش هتخسر البيت، وإن أبوها مش هيكون مهدد بسبب الدين ده.
لكنها افتكرت بسرعة إنها مش عايزة تتحول من شخص اتباع مقابل دين، لشخص بياخد تعويض مقابل تجربة مؤلمة.
قالت له
أنا مش عايزة فلوسك.
فيكتور اتفاجئ.
صوفيا، أنا مش بشتريكي.
أنا عارفة إنك ممكن تكون شايف الموضوع كده، لكن أنا مش عايزة حاجة منك.
الحساب باسمك، ومحدش هيقدر يجبرك تستخدميه.
صوفيا وقفت.
أنا مقدرة إنك سددت الدين، لكن ده ما يغيرش اللي حصل. أنا مش
هقدر أبدأ حياتي الجديدة بفلوس مرتبطة بالجواز ده.
فيكتور ما حاولش يقنعها أكتر.
كان عارف إنها مش هتقبل حاجة لمجرد إنها هتسهل حياتها، وإن قرارها لازم يكون نابع منها هي.
صوفيا خرجت من القصر، ورجعت لبيتها.
ولما وصلت، لقت أمها مستنياها بقلق شديد.
أول ما شافتها، جريت عليها واحتضنتها.
حبيبتي! إنتِ كويسة؟ حصل لك حاجة؟
صوفيا حضنتها بقوة، وبدأت ټعيط.
لكنها المرة دي كانت بټعيط من الراحة، ومن الۏجع، ومن كل المشاعر اللي اتراكمت جواها في يوم واحد.
حكت لأمها كل اللي حصل.
حكت لها عن التنكر، وعن حقيقة فيكتور، وعن الاختبار اللي حطها فيه، وعن قرارها إنها تسيب القصر.
أمها كانت بتسمع وهي مش مصدقة.
وبعد ما صوفيا خلصت، مسكت إيدها وقالت
أنا آسفة يا بنتي. كان نفسي أحميكي، لكن ما قدرتش.
صوفيا مسحت دموعها.
إنتِ ما عملتيش حاجة غلط يا ماما. إحنا كلنا كنا محاصرين بمشكلة أبويا.
أمها بصت لها بحزن.
بس إنتِ اللي دفعتي تمنها.
صوفيا ما ردتش.
لأنها كانت عارفة إن أمها عندها حق.
لكنها كانت عارفة كمان إن حياتها لسه ما انتهتش، وإنها تقدر تبدأ من جديد، حتى لو البداية دي هتكون صعبة.
الفصل الثامن ست شهور من الصمت
مرت الأيام، وبعدها الأسابيع، وبعدها الشهور.
صوفيا رجعت لشغلها في الفندق، وحاولت ترجع لحياتها الطبيعية.
في البداية، كان الموضوع صعب.
كانت بتفتكر اللي حصل كل ما تسمع اسم فيكتور ألفاريز، أو تشوف عربية فخمة شبه عربيته، أو تسمع حد بيتكلم عن رجل أعمال غني.
لكن مع الوقت، بدأت تستعيد هدوءها.
ما قبلتش الفلوس اللي اتعرضت عليها، وما حاولتش تستفيد من الجواز بأي شكل.
فضلت تشتغل، وتساعد أمها، وتخطط لمستقبلها.
أما أبوها، فبعد ما الدين اتسدد، بقى عنده فرصة يواجه نتائج تصرفاته من غير ما ېهدد حياة بنته مرة تانية.
صوفيا ما قدرتش تنسى اللي عمله، لكنها بطلت تسمح للڠضب منه إنه يسيطر على كل يوم في حياتها.
كانت عارفة إن مسامحته، لو حصلت يومًا، مش معناها إنها تبرر له اللي عمله.
أما فيكتور، فحياته اتغيرت بطريقة ما كانش متوقعها.
لأول مرة، بدأ يراجع نفسه.
كان طول الوقت بيعتقد إن إخفاء الحقيقة عن الناس هو الطريقة الوحيدة لحماية نفسه.
وكان فاكر إن اختبارهم هيساعده يعرف مين يستحق ثقته.
لكن تجربة صوفيا كشفت له إن الاختبارات دي ممكن تكون ظالمة، وإن الشخص اللي بيحاول يحمي نفسه من الخداع ممكن يتحول، من غير ما يقصد، لشخص بيخدع غيره.
بدأ يخفف اعتماده على التنكر، وأعاد النظر في طريقة إدارته لحياته.
فضل حذرًا بسبب محاولة الاغتيال، لكنه بدأ يفهم إن الحذر مش معناه إنه يفرض على كل شخص يقابله اختبارًا ما يعرفش عنه حاجة.
والأهم، إنه ما حاولش يتواصل مع صوفيا.
كان يقدر يعرف مكانها بسهولة.
وكان يقدر يبعت لها هدايا، أو يطلب من مساعديه يقنعوها ترجع، أو يستخدم نفوذه عشان يوصل لها.
لكنه اختار ما يعملش أي حاجة من دي.
لأنه لأول مرة، فهم إن احترام قرار شخص آخر معناه إنك تقبل حتى القرار اللي مش على هواك.
ومرت ستة شهور كاملة.
ستة شهور ما شافتش فيهم صوفيا فيكتور، وما سمعتش عنه أي أخبار مباشرة.
كانت فاكرة إن الحكاية انتهت عند الليلة اللي خلعت فيها خاتمها وحطته على الترابيزة.
لكن في مساء هادي، وهي قاعدة في بيتها بعد يوم شغل طويل، سمعت خبطًا على الباب.
قامت تفتح، ولما بصت من العين السحرية، استغربت.
كان فيه رجل واقف قدام الباب، لابس ملابس بسيطة، ومن غير أي حراس أو مساعدين.
فتحت الباب بحذر.
ولما شافت وجهه بوضوح، اتسعت عينيها.
كان فيكتور ألفاريز.
لكن المرة دي، ما كانش قاعد على كرسي متحرك.
وما كانش لابس التنكر اللي
بيخليه يبدو كرجل بدين ومريض.
كان واقف قدامها بشكله
الحقيقي، من غير أي أقنعة.
صوفيا فضلت باصة له للحظات.
وبعدين قالت
إنت بتعمل إيه هنا؟
فيكتور ما حاولش يدخل.
فضل واقف مكانه، وقال بهدوء
عارف إن آخر شخص كنتِ تتوقعي تشوفيه قدام باب بيتك هو أنا.
صوفيا ما ردتش.
فيكتور كمل
أنا مش جاي أطلب منك ترجعي للقصر. ومش جاي أقول لك إنك ظلمتيني، ولا إني كنت عندي أسبابي.
أخد نفس طويل، وبعدين قال
أنا جاي لأن فيه حاجة كان لازم أقولها لك من زمان.
صوفيا فضلت مستنية.
فيكتور بص لها مباشرة.
أنا غلطت في حقك.
الجملة كانت بسيطة، لكنها كانت أول مرة تسمعه يعترف بغلطه من غير ما يحاول يبرره.
كمل كلامه
أنا كنت خاېف من الناس، وخاېف من اللي ممكن يعملوه عشان فلوسي. وبدل ما أتعلم أختار الناس بعناية، قررت أخدعهم كلهم. ولما قابلتك، عملت فيكي نفس الحاجة.
صوفيا نزلت عينيها للحظة.
فيكتور قال
إنتِ ما كنتيش محتاجة تثبتي لي إنك إنسانة كويسة. أنا اللي كان لازم أديكي فرصة تعرفي الحقيقة وتختاري بنفسك.
سكت شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة.
المرة اللي فاتت، ناس تانية قررت عنك. أبوكي قرر إنه يقدر يقدّمك مقابل الدين، وأنا قررت إني أقدر أختبرك من غير ما أقول لك الحقيقة.
صوفيا رفعت عينيها له.
فيكتور كمل
المرة دي، القرار قرارك إنتِ وحدك.
وبعدين قال الجملة اللي ما كانتش صوفيا تتوقع تسمعها منه أبدًا
أنا مش جاي أدور على زوجة. أنا جاي أسألك إذا كنتِ تقبلي تشربي معايا فنجان قهوة، وبس.
صوفيا فضلت ساكتة.
كانت فاكرة إنها لو شافته مرة تانية، هتحس بالڠضب نفسه اللي حست بيه ليلة الډخلة.
لكنها اكتشفت إن مشاعرها بقت مختلفة.
هي لسه مش ناسية اللي حصل، ولسه مش قادرة تعتبر كل حاجة انتهت لمجرد إنه اعتذر.
لكنها شافت قدامها رجلًا ما طلبش منها فلوس، ولا حاول يفرض نفسه عليها، ولا استخدم نفوذه عشان يجبرها تسمعه.
كان واقف على باب بيتها، ومستني ردها.
لأول مرة، ما كانش فيه صفقة.
ولا دين.
ولا اختبار.
ولا حد بيقرر عنها.
صوفيا بصت له طويلًا، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة، ما كانش فيها وعد بالحب، ولا موافقة على الرجوع لجواز انتهى بالطريقة دي.
لكن كان فيها استعداد إنها تسمع.
وقالت له
فنجان قهوة واحد بس.
فيكتور ابتسم، وكأن الجملة البسيطة دي كانت أكتر مما كان يتمنى.
فنجان واحد بس.
صوفيا فتحت الباب أكتر، وسمحت له يدخل.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، ما كانش وجود فيكتور في حياتها مفروضًا عليها بسبب دين أو خوف أو سر.
كان مجرد رجل واقف على بابها، وهي اللي اختارت تسمح له بخطوة صغيرة.
أما إذا كانت الخطوة دي هتكون بداية حب حقيقي، أو مجرد نهاية هادئة لحكاية مؤلمة، فده شيء ما كانش أي واحد فيهم يقدر يعرفه في اللحظة دي.
لكن صوفيا كانت اتعلمت درسًا مهمًا.
إن الفلوس ممكن تسدد الديون، وإن الأسرار ممكن تتكشف، وإن الناس ممكن تتغير
لكن أي علاقة تستحق فرصة جديدة لازم تبدأ بالصدق، والاحترام، وحرية الاختيار.
ويمكن عشان كده، لما بصت لفيكتور وهو قاعد قدامها من غير تنكره، ابتسمت للمرة الأولى من غير ما تحس إنها مضطرة تعمل كده عشان ترضي حد.
كانت بتبتسم لأنها اختارت بنفسها إنها تدي اللحظة دي فرصة.
مش لأنها مدينة له بأي حاجة.
ولا لأنها خاېفة تخسره.
لكن لأنها أخيرًا بقت حرة تختار حياتها بنفسها.