سر ابويا
أبويا خدني بيت مهجور بعيد عن المدينة، وخطڤ موبايلي وقفّل الباب وقال لي استنيت 19 سنة عشان أبقى معاكي لوحدنا! لكن لما عرفت السبب الحقيقي اللي جابني عشانه المكان ده، كسرت الشباك وهربت وأنا بڼزف والسر اللي اكتشفته بعد كده كان أبشع من أي كابوس!
عمري ما تخيلت إن اليوم اللي هخرج فيه مع أبويا، الراجل اللي طول عمري كنت شايفاه مصدر الأمان الوحيد في حياتي، هيكون اليوم اللي هخاف فيه منه أكتر من أي إنسان في الدنيا.
أنا إيميلي، عندي 19 سنة، وكنت لحد وقت قريب بنت عادية جدًا، عايشة مع أمي وأبويا في بيت صغير لكنه جميل، وسط حياة كنت فاكرة إنها مستقرة، وعيلة كنت متأكدة إن مفيش حاجة ممكن تفرّقها.
لكن كل ده اتغيّر في يوم سبت، بدأ بدعوة غريبة من أبويا، وانتهى بهروب عمري ما هنساه، واعتراف خلاني أتمنى لو كنت أقدر أرجع بالزمن وأمنع نفسي من ركوب العربية معاه.
اللي حصل في اليوم ده ما كانش مجرد خلاف بين أب وبنته، ولا حتى مشكلة فلوس ممكن تتحل مع الوقت.
ده كان اليوم اللي اكتشفت فيه إن أقرب الناس لينا ممكن يكونوا أحيانًا أكتر ناس قادرين على كسرنا، وإن الخېانة مش دايمًا بتيجي من شخص غريب.
أحيانًا بتكون من الشخص اللي كنت بتجري عليه كل ما تخافي.
الشخص اللي كنت فاكرة إنه مستحيل يسمح لأي حد يأذيكي.
والأصعب من كل ده، إنك لما تكتشفي حقيقته، بتبقي مضطرة تسألي نفسك سؤال واحد
هو كان بيحبني فعلًا طول السنين دي، ولا أنا كنت عايشة في وهم كبير؟
الفصل الأول الدعوة اللي ما كنتش أعرف إنها هتغيّر حياتي
كان يوم السبت، والساعة تقريبًا تسعة الصبح، لما سمعت خبطتين خفيفتين على باب أوضتي.
كنت لسه قاعدة على السرير، بتقلب في موبايلي، لما سمعت صوت أبويا بيقول
إيميلي، إنتِ صاحية؟
رديت وأنا بضحك
أيوه يا بابا، ادخل.
فتح الباب ووقف قدامي، لابس قميصه الأزرق اللي بحبه عليه، وساعة إيده القديمة اللي كان دايمًا بيحافظ عليها، رغم إن أمي كانت بتقوله إنها بقت محتاجة تتغير من سنين.
ابتسم لي وقال
إيه رأيك نخرج النهارده؟
رفعت عيني من الموبايل باستغراب.
نخرج فين؟
مشوار صغير. أنا وإنتِ بس.
ابتسمت تلقائيًا.
الحقيقة إن علاقتي بأبويا، ريتشارد، كانت دايمًا قريبة. كان عنده 53 سنة، وبيشتغل في شركة مقاولات صغيرة أسسها بنفسه من أكتر من عشرين سنة.
كان راجل مجتهد، بيصحى بدري، ويرجع متأخر، وكان دايمًا يقول لي إن أهم حاجة عنده في الدنيا هي أنا وأمي.
كنت فاكرة إنه ممكن يختلف مع أمي، وممكن يتعصب بسبب الشغل، لكن مستحيل يكون شخص مؤذٍ.
عشان كده، لما قال لي إنه عايز يقضي يوم معايا، ما فكرتش كتير.
قلت له
طيب، هلبس وأنزل.
لكني لاحظت إنه ما اتحركش من مكانه.
فضل واقف عند الباب، باصص لي بطريقة غريبة، كأنه عايز يقول حاجة ومش قادر.
وبعدين قال
فيه موضوع مهم عايز أتكلم معاكي فيه، بس مش عايز أمك تعرف دلوقتي.
ابتسامتي اختفت تدريجيًا.
ليه يا بابا؟ حصل إيه؟
اتنهد وقال
مفيش حاجة تخوف. مجرد موضوع يخص مستقبلنا، ومش عايز أقلقها قبل ما نتكلم.
ما ارتحتش للكلام، لكني قلت لنفسي إن يمكن فيه مشكلة في الشغل أو خلاف بينه وبين أمي.
سألته
طب ما نتكلم هنا؟
رد بسرعة أكتر من اللازم
لا، خلينا نخرج الأول. هتفهمي كل حاجة لما نوصل.
الجملة دي فضلت ترن في ودني بعد كده بوقت طويل.
هتفهمي كل حاجة لما نوصل.
يا ريتني كنت سألت نفسي وقتها نوصل فين بالضبط؟
نزلت بعد نص ساعة، ولقيت أمي في المطبخ بتحضّر الفطار.
كانت ست هادية، طيبة، وبتحبنا بطريقة عمرها ما احتاجت تثبتها بالكلام.
لما شافتني لابسة ومستعدة للخروج، ابتسمت.
رايحة فين يا حبيبتي؟
قبل ما أرد، أبويا ظهر من ورايا وقال
خارجين أنا وإيميلي شوية. عندي ليها مفاجأة.
أمي بصت له باستغراب.
مفاجأة إيه؟
ضحك وقال
لو قلت لك مش هتبقى مفاجأة.
وبعدين قرب منها وباس راسها.
لكن الغريب إنها ما ابتسمتش المرة دي.
فضلت باصة له لثواني، وبعدها بصت لي.
خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، ولو احتجتي أي حاجة كلميني.
هزيت راسي وقلت
حاضر يا ماما.
وأنا خارجة من الباب، سمعتها بتنادي على أبويا
ريتشارد، عايزة أتكلم معاك لما ترجع.
وقف لحظة، لكن ما التفتش ناحيتها.
قال بصوت سريع
نبقى نتكلم بعدين.
وبعدين خرج وقفل الباب وراه.
ما كنتش أعرف إن أمي كانت حاسة إن فيه حاجة غلط.
ولا كنت أعرف إنها كانت على وشك تكتشف سرًا كان ممكن يهدّ عيلتنا كلها.
الفصل الثاني ساعتين من الصمت
ركبت العربية جنب أبويا، وربطت حزام الأمان، وبدأنا نمشي.
في أول نص ساعة، كان كل شيء طبيعيًا تقريبًا.
سألني عن دراستي، وعن صحابي، وعن خططي بعد التخرج.
لكن بعد شوية، لاحظت إنه مش مركز معايا.
كان كل دقيقة يبص في المراية، وبعدها يبص للموبايل المثبت جنب التابلوه، ثم يضغط على شفايفه بعصبية.
سألته
بابا، إنت كويس؟
قال من غير ما يبص لي
أيوه.
طب إحنا رايحين فين؟
مكان هادي.
ضحكت بخفة، أحاول أهوّن الجو.
مكان هادي إزاي يعني؟ إحنا بقينا بعيد عن المدينة أهو!
ما ضحكش.
قال
قلت لك هتفهمي لما نوصل.
حسيت إن معدتي بدأت تتقبض.
بصيت من الشباك، ولقيت المباني اختفت تدريجيًا، والطرق بقت أضيق، والأراضي الفاضية زادت.
بعد حوالي ساعتين، دخلنا طريقًا جانبيًا شبه مهجور، مفيهوش محلات ولا بيوت قريبة.
قلت له بقلق
بابا، إنت متأكد إن ده المكان الصح؟
رد بحدة
إيميلي، كفاية أسئلة.
اتجمدت مكاني.
أبويا عمره ما كلمني بالطريقة دي.
حتى لما كان بيتعصب، كان بيحاول ما يرفعش صوته عليّ.
بصيت له، فلاحظت إن إيده كانت بتترعش فوق عجلة القيادة.
همست
إنت مخبي عني إيه؟
ما ردش.
وبعد دقائق، العربية وقفت قدام بيت قديم، بعيد عن أي عمران، محاط بأعشاب طويلة وسور متهدم.
البيت كان شكله مخيفًا.
شبابيكه متربة، والدهان متقشر، والباب الخشبي متآكل من الأطراف.
ما كانش فيه أي علامة تدل إن حد عايش هناك.
بصيت للمكان، وبعدين رجعت بصيت لأبويا.
إحنا جايين هنا ليه؟
طفي الموتور، وقعد ساكت ثواني.
ثم قال
انزلي يا إيميلي.
ما اتحركتش.
مش هنروح مكان تاني؟
لف ناحيتي وقال
انزلي. لازم نتكلم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لكن رغم خۏفي، كنت لسه بحاول أصدق إنه فيه تفسير طبيعي لكل ده.
يمكن الشركة اتعرضت لمشكلة كبيرة.
يمكن فيه حد بيهدده.
يمكن محتاج مساعدتي ومش عارف يقول لي إزاي.
نزلت من العربية، ومشيت وراه ناحية الباب.
كان كل ما نمشي خطوة، إحساسي بالخطړ يزيد.
ولما دخلنا البيت، سمعت الباب بيقفل ورانا.
لكن اللي حصل بعدها كان اللحظة اللي انتهى فيها كل إحساس بالأمان جوايا.
الفصل الثالث استنيت 19 سنة عشان أبقى معاكي لوحدنا
أول ما دخلنا، مدت إيدي ناحية جيبي عشان أطلع موبايلي.
لكن أبويا سبقني.
مد إيده وخطفه مني پعنف.
صړخت
بابا! إنت بتعمل إيه؟ هات موبايلي!
رجع خطوة لورا، وحط الموبايل في جيبه.
وبعدين سمعت صوت المفتاح وهو بيلف في قفل الباب.
بصيت له مش مصدقة.
إنت قفلت الباب ليه؟
ما ردش.
فضل واقف قدامي، ووشه شاحب، وعينيه فيها حاجة عمري ما شفتها قبل كده.
حاولت أضحك من التوتر.
خلاص يا بابا، كفاية هزار. إحنا فين أصلًا؟
لكنه ما ضحكش.
قرب مني خطوة، وقال بصوت منخفض
استنيت تسعتاشر سنة عشان أبقى معاكي هنا لوحدنا.
حسيت كأن الأرض اختفت من تحت رجلي.
إيه؟
كرر كلامه ببطء
تسعتاشر سنة يا إيميلي. تسعتاشر سنة وأنا مستني اللحظة دي.
رجعت لورا، وظهري خبط في الحيطة.
بابا، إنت بتخوفني.
مد إيده ومسك كتفيّ.
حاولت أبعد عنه، لكنه شدني ناحيته وقال
أمك
لازم ما تعرفش أبدًا اللي هيحصل هنا النهارده.
في اللحظة دي، بدأت أعيط.
مش عياط زعل أو عصبية.
كنت مړعوپة فعلًا.
قلت له
سيبني أمشي، أرجوك. أنا مش فاهمة إنت عايز مني إيه.
فضل باصص لي، وبعدين فجأة ساب كتفيّ ومشى ناحية ترابيزة قديمة في نص الغرفة.
حط إيده على الترابيزة وانحنى، كأنه مش قادر يشيل نفسه.
سمعته بيقول
أنا عملت كل اللي أقدر عليه.
مسحت دموعي، وحاولت أتكلم بهدوء.
عملت إيه يا بابا؟
رفع راسه.
الشركة انتهت. كل حاجة ضاعت.
سكت لحظة، وبعدين كمل
أنا مديون بمبلغ كبير جدًا، ولو ما دفعتوش، هنخسر كل حاجة.
رغم خۏفي، حسيت بشفقة ناحيته.
قلت
طب ما كنت تقول لي. ليه تجيبني مكان زي ده؟
رد وهو بيضغط على جبينه
لأن مفيش حل تاني.
سألته
عندك كام؟
رفع عينيه وقال
حوالي تلتمية ألف دولار.
اتسمرت مكاني.
المبلغ كان أكبر بكتير من أي حاجة تخيلتها.
لكن حتى لو كان عشرة أضعاف الرقم ده، ما كنتش فاهمة إزاي وجودي في البيت المهجور هيحل المشكلة.
قلت
طب نبيع الشركة، أو البيت، أو نتكلم مع البنك. أكيد فيه حل.
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي فرح.
إنتِ فاكرة الموضوع بالسهولة دي؟
أمال إيه؟
سكت.
وبعدين قال اسمًا عمري ما كنت أتوقع إنه هيغيّر حياتي بالشكل ده.
دانيال.
الفصل الرابع الرجل اللي قرر يشتري مستقبلي
كان دانيال رجل أعمال يعرفه أبويا من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
سمعت اسمه قبل كده في مكالمات عابرة، لكني ما قابلتوش إلا مرة واحدة وأنا طفلة صغيرة، لدرجة إني ما كنتش فاكرة ملامحه.
أبويا قال إنه كان بيساعده ماليًا من فترة طويلة، وإنه أقرضه مبالغ كبيرة لإنقاذ الشركة من أزمات متتالية.
في البداية، كنت فاكرة إن دانيال مجرد شريك أو صديق قديم.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
أبويا قعد على كرسي خشبي، وحط إيديه على راسه.
دانيال عايز فلوسه. وأنا مش قادر أرجعها.
قلت
طب ما تتفاهم معاه. إنتوا أصحاب من سنين.
رفع عينيه ليا.
هو عرض عليّ حل.
إيه الحل؟
فضل ساكت وقتًا طويلًا.
وبعدين قال
هو عايز يتجوزك.
لثواني، ما فهمتش معنى الجملة.
حسيت إن وداني سمعت الكلام، لكن عقلي رفض يصدقه.
قلت
إنت قلت إيه؟
كرر كلامه وكأنه بيتكلم عن صفقة عادية.
دانيال موافق يسامحني في الدين كله، مقابل إنك توافقي تتجوزيه.
ضحكت من الصدمة.
ضحكة قصيرة خرجت مني ڠصب عني.
إنت بتهزر، صح؟
ما ردش.
ابتسامتي اختفت.
بابا، إنت بجد بتتكلم؟
هز راسه.
هو عنده خمسة وأربعين سنة، وراجل غني، وعنده شركات وعقارات. هيقدر يوفر لك حياة كويسة.
بصيت له كأني أول مرة أشوفه.
أنا عندي تسعتاشر سنة! وهو عنده خمسة وأربعين! وبعدين أنا أصلًا ما أعرفوش!
رد ببرود غريب
إنتِ لسه صغيرة، وهتفهمي مصلحتك بعدين.
صړخت
مصلحتي؟ إنت شايف إن مصلحتي إني أتجوز واحد غريب عشان تسدد ديونك؟
وقف من مكانه.
إيميلي، اسمعيني للآخر.
مش عايزة أسمع حاجة!
إحنا هنخسر البيت والشركة وكل حاجة لو ما عملناش كده.
قلت وأنا ببكي
يبقى نخسرهم! نبدأ من الصفر! أنا ممكن أشتغل وأساعدكم، لكن مش هتجوز حد ڠصب عني!
ضړب الترابيزة بقبضته.
إنتِ مش فاهمة حجم المصېبة اللي إحنا فيها!
رديت وأنا ببص له في عينيه
وأنت مش فاهم إنك بتتكلم عن حياتي أنا، مش عن عربية ولا شركة تقدر تبيعها!
وشه احمر من الڠضب.
قال
أنا أبوكي، وأنا عارف مصلحتك.
الجملة دي كانت أكتر حاجة وجعتني.
لأنها طلعت من فم الشخص اللي كان المفروض يكون أول واحد يدافع عن حقي في الاختيار.
قلت بصوت مبحوح
إنت أبويا، مش مالكي.
اتغيرت ملامحه.
للحظة، حسيت إنه ممكن يضربني، لكن بدل ما يعمل كده، لف وشه بعيد عني.
وبعدين قال الجملة اللي كشفت لي قد إيه هو كان مستعد يضحّي بيا.
دانيال جاي هنا الساعة ستة. هتقابليه، وهتتكلمي معاه باحترام.
حسيت ببرودة شديدة في جسمي.
هو جاي هنا؟
هز راسه.
أيوه.
وإنت كنت مخطط لكل ده من الأول؟
ما ردش.
لكن سكوته كان