سر ابويا

لمحة نيوز

عنده.
وكل مرة كان ينصحني ما أثقش في الغرباء.
وكل مرة كان بيحكي لي عن المسؤولية والشرف والالتزام.
كنت بسأل نفسي إزاي الشخص اللي علمني كل الكلام ده، قدر يتجاهله لما بقى هو اللي محتاج يلتزم بيه؟
ما لقيتش إجابة.
يمكن مفيش إجابة واحدة تقدر تفسر كل شيء.
لكن وصلت لحقيقة واحدة.
إن الإنسان ممكن يكون أبًا، وممكن يكون عنده ذكريات حلوة مع أولاده، وممكن يكون ضحّى عشانهم في مواقف كثيرة، ومع ذلك يرتكب خطأً خطيرًا يدمّر الثقة بينهم.
الماضي ما بيمسحش الحاضر.
والأيام الحلوة ما بتديش لأي حد الحق إنه يؤذيك في يوم من الأيام.
الفصل السادس عشر البيت الجديد
مرّت شهور.
بدأ الچرح اللي في إيدي يخف، ورجعت أتحرك بشكل طبيعي.
لكن الچرح اللي جوايا احتاج وقتًا أطول.
انتقلنا لشقة صغيرة في منطقة هادية.
ما كانش عندنا الأثاث الفخم اللي كنا متعودين عليه، ولا المساحة الواسعة، ولا الرفاهية اللي كانت موجودة في بيتنا القديم.
لكن أول مرة دخلت الشقة، حسيت بحاجة غريبة.
كنت مرتاحة.
ما كنتش مضطرة أخبي خۏفي.
ما كنتش محتاجة أراقب صوت خطوات حد في الممر.
وما كنتش خاېفة إن قرارًا يخص حياتي يتاخد من ورايا.
في أول ليلة، أمي عملت لنا عشاء بسيطًا.
قعدنا على ترابيزة صغيرة، وأكلنا وإحنا بنتكلم عن حاجات عادية.
عن الدراسة.
وعن الشغل.
وعن الجيران.
وعن الست اللي أنقذتني، واللي أمي أصرت إنها تشكرها بنفسها.
في لحظة، بصيت لأمي وقلت
إحنا خسرنا حاجات كتير، صح؟
ابتسمت بحزن.
أيوه يا حبيبتي.
سألتها
إنتِ زعلانة؟
مسكت إيدي وقالت
طبعًا زعلانة. بس مش على البيت ولا الفلوس.
أمال على إيه؟
بصت لي طويلًا.
على إنك اضطررتي تخافي من الشخص اللي كان المفروض يحميكي.
نزلت دموعي.
لأنها كانت أول مرة أسمع حد يقول بصوت واضح إن اللي حصل لي كان ظلمًا، وإن مشكلتي ما كانتش مجرد خلاف عائلي.
أمي قربت مني واحتضنتني.
وقالت
إحنا هنبدأ من جديد. مش لازم نرجع كل حاجة زي ما كانت. المهم إننا نبقى بخير.
في اللحظة دي، فهمت إن الأمان مش بيت كبير، ولا حساب بنكي، ولا حياة خالية من المشكلات.
الأمان هو إنك تكوني قادرة تقولي لأ من غير ما تخافي.
وإنك تكوني عارفة إن الشخص اللي جنبك مش هيحوّل ضعفك إلى وسيلة للضغط عليك.
وإنك تقدري تنامي وإنتِ مطمئنة إن محدش هيقرر مستقبلك بدلًا منك.
الفصل السابع عشر الدرس اللي تعلمته بالطريقة الأصعب
أنا دلوقتي عندي تسعتاشر سنة، ولسه قدامي حياة كاملة.
لسه عندي أحلام ما حققتهاش.
ولسه فيه أماكن عايزة أشوفها، وناس عايزة أتعرف عليهم، وتجارب عايزة أخوضها.
لكن بقيت أعرف إن الحب مش معناه الطاعة العمياء.
وإن العيلة مش معناها إننا نسكت عن كل شيء عشان نحافظ على صورتها.
وإن الټضحية الحقيقية مش إن شخصًا يضحّي بحياة شخص آخر عشان ينقذ نفسه.
أبويا كان يقدر يطلب المساعدة.
كان يقدر يعترف لأمي بحجم الديون.
كان يقدر يواجه عواقب أخطائه.
لكنه اختار إنه يحطّني أنا في قلب المشكلة، ثم حاول يقنعني إن ده لمصلحتي.
وده علّمني إن بعض الناس، لما يخافوا من خسارة كل شيء، ممكن ينسوا إن اللي بيحاولوا يحافظوا عليه مش أهم من الإنسان اللي بيأذوه.
لكن الدرس الأهم كان عن نفسي.
اكتشفت إني أقوى مما كنت أتصور.
في اللحظة اللي كسرت فيها الشباك، كنت مړعوپة.
ما كنتش متأكدة إني هقدر أهرب.
وما كنتش أعرف إذا كان فيه حد هيقف لي أو هقدر أوصل لمكان آمن.
لكن رغم كل ده، تحركت.
اخترت نفسي.
اخترت حقي في الرفض.
واخترت إني ما أسمحش للخوف يقرر مصيري.
وأحيانًا، الشجاعة مش إنك ما تخافيش.
الشجاعة إنك تكوني خاېفة جدًا، ومع ذلك ترفضي تعيشي حياة مفروضة عليك.
النهاية تمن الحرية
النهارده، لما بفتكر اليوم اللي أبويا خدني فيه
للبيت المهجور، مش بفتكر الطريق الطويل بس، ولا الباب المقفول، ولا الزجاج اللي اتكسر.
بفتكر اللحظة اللي بصيت فيها في عينيه، واكتشفت إن الشخص اللي كنت فاكرة إنه مستحيل يخذلني، كان مستعدًا يضحّي بمستقبلي عشان ينقذ نفسه.
دي كانت الخسارة الحقيقية.
مش البيت اللي سيبناه.
ولا الشركة اللي اڼهارت.
ولا الأموال اللي راحت.
الخسارة الحقيقية كانت الثقة.
الثقة اللي قضيت تسعتاشر سنة أبنيها، واڼهارت في أقل من ساعة.
ومع ذلك، أنا وأمي بدأنا من جديد.
حياتنا بقت أبسط، لكننا بقينا نعرف قيمة الأشياء اللي ما ينفعش تتباع ولا تتشترى.
الاحترام.
والاختيار.
والأمان.
والحق في إن كل واحدة فينا تعيش حياتها من غير ما تتحول إلى ثمن يدفعه شخص آخر.
أما أبويا، فما زلت لا أعرف إن كنت سأستطيع مسامحته يومًا.
يمكن الزمن يغيّر بعض مشاعري.
ويمكن يفضل بيننا چرح ما يلتئمش بالكامل.
لكن فيه شيء واحد متأكدة منه.
لو رجع بيا الزمن لنفس اللحظة، لنفس البيت، ولنفس الباب المقفول، كنت هكسر الشباك وأهرب مرة تانية.
حتى لو كان الثمن إني أخسر كل شيء كنت أعرفه.
لأن الحياة اللي أعيشها بحرية، مهما كانت بسيطة، أفضل ألف مرة من حياة أُجبر فيها على دفع ثمن أخطاء غيري.
وأصعب حقيقة اكتشفتها في اليوم ده كانت إن مش كل أب بيحمي بنته من العالم أحيانًا بتكون هي مضطرة تحمي نفسها منه.

تم نسخ الرابط