امي و سرقه سوبر ماركت
قبل ما يؤمن بنفسه.
أمي حطّت إيدها على فمها، ودموعها نزلت.
يوسف قال
أنا عارف إن الميدالية دي كانت هدية بابا ليكي، لكن حسّيت إن مكانها لازم يكون عندك، لأنك إنتِ اللي حافظتي على معناها طول السنين دي.
أمي ردّت
أنا احتفظت بيها عشان كنت فاكرة إن عبد الرحمن مجرد تلميذ اختفى من حياتي. لكن دلوقتي فهمت إنه ما اختفاش فعلًا.
بصّت ليوسف.
هو فضل موجود في كل حاجة علّمتها لغيره، وفي كل طفل ساعدته، وفي كل مرة قلت فيها لحد إنه يقدر يبقى أحسن.
يوسف نزل راسه، ودموعه نزلت بهدوء.
وبعدين قال
بابا كان نفسه يشوفك مرة أخيرة، لكنه ما لحقش. وأنا آسف إني ما قدرتش أوصلك له.
أمي مسكت إيده.
يا يوسف، إنت وصلتني له. مش بجسمه، لكن بذكراه. وده كفاية.
في اللحظة دي، يوسف طلّع ورقة صغيرة من جيبه.
قال
فيه حاجة كمان. دي آخر صفحة كتبها بابا في دفتره، قبل ما يتعب بشوية.
مدّها لأمي.
كانت مكتوبة بخط عبد الرحمن الضعيف
يا أبلة مريم
لو في يوم من الأيام ابني قابلك، أتمنى ما تحكميش عليه من أخطائه.
هو اتربّى في ظروف صعبة، وممكن يغلط، وممكن يفتكر إنه لازم يكون قوي طول الوقت عشان يحمي نفسه والناس اللي بيحبهم.
لكن القوة الحقيقية مش إن الإنسان يقدر يسيطر على غيره.
القوة الحقيقية إنه يعرف يعترف لما يغلط، ويصلّح اللي يقدر يصلحه.
لو قابلتيه، فكّريه بالكلام اللي كنتِ بتقوليه لي زمان
إن الإنسان مش بيتقاس باللي معاه، لكن باللي بيعمله لما يقدر يختار بين الصح والغلط.
أمي قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين ضمّتها لصدرها، وقالت
أبوك كان فاهم الدنيا أكتر مما كان فاكر.
الفصل الثالث عشر الحقيقة اللي ما كانتش في الميدالية
عدّت شهور، وبدأت مبادرة المدرسة تكبر.
يوسف وزملاؤه جمعوا كتبًا وشنطًا وأدوات مدرسية للأطفال اللي محتاجين مساعدة.
وأمي وافقت تروح المدرسة مرة كل أسبوعين، تحكي للتلاميذ حكايات بسيطة عن الأمانة والرحمة واحترام الآخرين.
كانت بتقعد وسطهم، وتسمع أسئلتهم، وتضحك مع الأطفال اللي كانوا بييجوا يسلموا عليها قبل ما يبدأ اللقاء.
وفي يوم، طفل صغير رفع إيده وسألها
يا أبلة مريم، هو لو حد عمل غلطة كبيرة، يبقى شخص وحش؟
أمي ابتسمت وقالت
مش بالضرورة يا حبيبي. كلنا ممكن نغلط. لكن فيه فرق بين إنك تغلط وتعترف، وبين إنك تغلط وتفضل مصرّ إنك صح.
الطفل سألها
طب لو حد ظلم حد تاني، يعمل إيه؟
أمي ردّت
يحاول يصلّح اللي عمله، ويعتذر، ويتعلم ما يكررش نفس الغلطة. لكن لازم كمان يفهم إن الاعتذار مش بيمسح كل حاجة فورًا. الشخص اللي اتوجع من حقه ياخد وقته عشان يقدر يسامح.
يوسف كان واقف في
آخر الفصل، بيسمع الكلام وعينيه مليانة دموع.
بعد اللقاء، قرب منها وقال
كل مرة بتتكلمي فيها مع الأطفال، بحس إني لسه بتعلم منك.
أمي ضحكت.
طول ما الإنسان عايش، هيفضل يتعلم يا يوسف.
وبعدها سألته
عرفتوا حاجة جديدة عن موضوع المنحة؟
يوسف هزّ راسه.
الإدارة التعليمية راجعت السجلات المتاحة، لكن مفيش دليل كافي يثبت إن شخصًا بعينه استولى على الفلوس. بعض الأوراق ناقصة، والناس اللي كانوا مسؤولين وقتها توفّوا من سنين طويلة.
أمي تنهدت.
يبقى مش هنقدر نعرف الحقيقة كاملة.
يوسف ردّ
يمكن. لكن على الأقل عرفنا إن بابا ما كانش مهملًا ولا فاشلًا زي ما كان بېخاف. هو كان طفلًا اتحط في ظروف صعبة، وحاول ينجو منها.
أمي ابتسمت.
ونجح يا يوسف. يمكن ما وصلش لكل الأحلام اللي كان بيتمناها، لكنه ربّى أولاده، وعاش شريفًا، وعلّمك إنك لازم تعترف بغلطك.
يوسف سكت لحظة، وبعدين قال
تعرفي يا أستاذة؟ أنا طول عمري كنت فاكر إن الميدالية دي هي السر اللي بابا مخبيه. لكن دلوقتي فهمت إن السر الحقيقي ما كانش في المعدن ولا في المفتاح.
أمي بصّت له.
أمال كان في إيه؟
يوسف ردّ
في الحكاية اللي وراهم. في طفل كان محتاج حد يؤمن بيه، ومدرسة ما نسيتوش، وأب قضى عمره يحاول يخلّي ابنه يبقى إنسانًا أحسن.
أمي مسكت إيده، وقالت
أهو ده اللي يستاهل نفتكره.
الفصل الرابع عشر آخر زيارة للسوبر ماركت
بعد مرور سنة تقريبًا على اللي حصل، أمي طلبت مني نروح نفس السوبر ماركت اللي اتهموها فيه بالسړقة.
استغربت.
قلت لها
إنتِ متأكدة يا ماما؟ إحنا ممكن نشتري كل حاجة من أي مكان تاني.
ابتسمت وقالت
أنا مش عايزة أهرب من مكان حصل فيه موقف وحش. أنا عايزة أروح وأعيش يومًا عاديًا، من غير خوف.
وافقْت.
وصلنا السوبر ماركت بعد الظهر، وكان المكان زحمة كعادته.
دخلنا، وأمي ماسكة المشاية، وأنا ماشية جنبها.
عند المدخل، موظف الاستقبال ابتسم لها وقال
أهلًا يا أستاذة مريم. نورتينا.
أمي ابتسمت وردّت السلام.
دخلنا قسم الفاكهة، ووقفت تختار التفاح بنفسها.
بصّت لي وقالت
شايفة؟ أنا قلت لك إني لسه أقدر أختار التفاح!
ضحكت من قلبي.
حاضر يا ستي، عندك حق.
وفي اللحظة دي، ظهر يوسف من بعيد.
كان راجع من استراحة، وشافنا.
قرب مننا بابتسامة صادقة.
مساء الخير يا أستاذة مريم. عاملة إيه؟
أمي ردّت
الحمد لله يا ابني. وإنت أخبارك إيه؟
بخير. وآدم بيسأل عليكي كل يوم تقريبًا.
أمي ضحكت.
سلّم لي عليه.
يوسف بصّ للتفاح اللي في إيدها، وقال
أساعدك في حاجة؟
أمي هزّت راسها.
لأ، شكرًا. أنا عايزة أختار بنفسي.
يوسف ابتسم.
براحتك يا أستاذة.
وبعدين وقف لحظة، وقال
تعرفي؟ كل ما أشوف حد كبير في السن داخل المكان، بفتكر اليوم اللي قابلتك فيه.
أمي بصّت له بهدوء.
وتفتكر إيه؟
قال
أفتكر إني كنت مستعجل أحكم، ومستعجل أثبت إني صح، لدرجة إني ما فكرتش أسأل نفسي إذا كنت فعلًا فاهم اللي بيحصل.
أمي حطّت التفاحة في الكيس، وقالت
المهم إنك بقيت بتفكر قبل ما تحكم.
يوسف أومأ.
وبعدين أمي بصّت له وقالت
بس عندي سؤال يا يوسف.
اتفضلي.
لو رجع بيك الزمن لليوم ده، وكنت شفتني وأنا بحط حاجة في جيبي، كنت هتعمل إيه؟
يوسف سكت لحظة.
وبعدين قال بصدق
كنت هطلب منك بهدوء إننا نراجع الموضوع، وأتأكد من الحقيقة قبل ما أتكلم. ولو اكتشفت إن مفيش حاجة حصلت، كنت هعتذر لك فورًا.
أمي ابتسمت.
كويس. يبقى إنت فعلًا اتعلمت.
وبعدين رفعت كيس التفاح وقالت
يلا بقى، خلّينا نجيب اللبن قبل ما تنسى إنك شغال هنا!
ضحك يوسف، وضحكت أنا، وحتى الموظفين اللي كانوا قريبين مننا ابتسموا.
كان مشهدًا عاديًا جدًا.
لكن بالنسبة لي، كان أجمل من أي اعتذار كبير أو كلام مؤثر.
لأن أمي، بعد شهور من الحزن والوحدة، رجعت تضحك من قلبها.
الفصل الخامس عشر الرسالة الأخيرة من أمي
بعد فترة، أمي طلبت مني أساعدها تكتب رسالة قصيرة.
كانت عايزة تبعتها لإدارة المدرسة القديمة، عشان تتحط في ملف المبادرة اللي اتعملت باسم التلاميذ المحتاجين.
قعدت جنبها، وبدأت أكتب كلامها زي ما قالته.
كانت الرسالة بتقول
إلى كل طفل يفتكر يومًا إنه أقل من غيره
ما تخليش ظروفك تقنعك إنك ما تستاهلش فرصة.
وإلى كل إنسان مسؤول عن غيره
افتكر إن السلطة مسؤولية، وإن الاحترام مش هدية بتديها للي يعجبك، لكنه حق لكل إنسان.
وإلى كل شخص أخطأ في حق غيره
ما تخافش تعترف بغلطك، لأن الاعتراف مش ضعف. لكن ما تكتفيش بالكلام؛ حاول تصلّح اللي تقدر عليه.
وأخيرًا، إلى كل إنسان فقد شخصًا عزيزًا
ما تفتكرش إن الحب بينتهي لما الشخص يمشي. أحيانًا، اللي بنزرعه في الناس بيفضل عايش بعدنا بسنين طويلة.
لما خلصت الكتابة، أمي طلبت مني أقرأ الرسالة بصوت عالٍ.
سمعتها، وابتسمت.
قالت
كده كويس يا بنتي.
وبعدين سألتني
تعرفي أنا اتعلمت إيه من كل اللي حصل؟
بصّيت لها.
إيه يا ماما؟
قالت
أنا كنت فاكرة إن الميدالية دي أهم حاجة عندي من أيام المدرسة. لكن دلوقتي فهمت إنها كانت مجرد تذكار.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
الحاجة الحقيقية اللي فضلت معايا كل السنين دي هي إني كنت بحاول أكون إنسانة كويسة. ما كنتش دايمًا صح، ومش كل الناس اللي ساعدتهم رجعوا لي، ومش كل حاجة عملتها جابت نتيجة كنت متوقعاها.
لكن ده ما يخلّيش الخير مالوش قيمة.
أحيانًا، إنت بتساعد إنسانًا، وبعدها بتنسى الموقف تمامًا. لكن هو ممكن يفضل فاكره طول عمره.
وأحيانًا، كلمة بسيطة بتقولها لطفل، بتفضل جواه لحد ما يكبر، وتساعده يكمل حياته.
أنا مسكت إيدها وقلت
إنتِ ساعدتي ناس كتير يا ماما.
ابتسمت.
يمكن. لكن أنا كمان اتعلمت من ناس كتير. عبد الرحمن علّمني إن الكرامة مش مرتبطة بالفلوس. ويوسف علّمني إن الإنسان ممكن يواجه أخطاءه ويتغير. وإنتِ علّمتيني إن الحب مش لازم يكون كلامًا كبيرًا، ساعات بيكون مجرد إنك تفضلي جنب حد وقت ما يحتاجك.
دموعي نزلت.
أمي مسحت على إيدي، وقالت
عشان كده، لو في يوم من الأيام حد ظلمك، ما تسمحيش له ياخد منك ثقتك في نفسك. دافعي عن حقك، لكن ما تخليش القسۏة تغيّر قلبك.
وبعدين بصّت ناحية الشباك، ناحية الكرسي اللي كان أبويا بيقعد عليه.
ابتسمت ابتسامة هادية، كأنها بتكلمه في سرها.
وقالت
يمكن أنا كمان اتأخرت في فهم حاجات كتير. لكن الحمد لله، ربنا اداني فرصة أشوف إن الخير اللي بنزرعه ممكن يرجع لنا، حتى لو بعد ستين سنة.
النهاية الميدالية اللي كشفت حقيقة أكبر من السړقة
بعد شهور، يوسف احتفظ بالميدالية القديمة في إطار صغير في بيته، جنب صورة أبوه.
كان كل ما ابنه آدم يسأله عنها، يحكي له حكاية الولد اللي كان فاكر إنه مش هيقدر يكمل تعليمه، والمدرسة اللي آمنت بيه، والست الكبيرة اللي اتهمها ظلمًا قبل ما يعرف إنها صاحبة الفضل في حياة أبوه.
وكان دايمًا ينهي الحكاية بجملة واحدة
يا ابني، ما تحكمش على إنسان من شكله، ولا من سنه، ولا من هدومه. إنت ما تعرفش هو عاش إيه، ولا إيه الحكاية اللي مخبيها ورا عينيه.
أما أنا، ففضلت فاكرة اليوم اللي دخلت فيه السوبر ماركت وأنا فاكرة إن أكبر مشكلة هتواجهنا هي اختيار اللبن والتفاح.
ما كنتش أعرف إن اليوم
ده هيكشف لي جانبًا من حياة أمي ما عرفتهوش طول عمري.
وما كنتش أعرف إن ميدالية معدنية قديمة، شكلها ما يسواش فلوس كتير، هتربط بين أمّي وتلميذها القديم، وبين ابنها، وبين جيل كامل من الأطفال اللي اتعلموا إن الكرامة مش مرتبطة بالمكانة أو الفلوس.
لكن أكتر حاجة فضلت في قلبي ما كانتش الميدالية، ولا الجواب، ولا حتى دموع يوسف.
كانت الجملة اللي أمي قالتها له بعد ما اعتذر
لو كنت مش عارف أنا مين، كان برضه من حقك تعاملني باحترام.
الجملة دي علّمتني إننا ساعات بنحترم الناس لما نعرف إن ليهم قيمة عندنا، أو إنهم ساعدوا حد بنحبه، أو إنهم أصحاب مكانة كبيرة.
لكن الاحترام الحقيقي بيظهر لما ما يكونش عندنا أي سبب شخصي يخلينا نحترم الشخص اللي قدامنا.
لما يكون مجرد إنسان، وإحنا نختار إننا ما نهينوش.
ومن يومها، كل ما أشوف حد كبير في السن بيتعامل معاملة وحشة، أو حد فقير الناس بتبص له باستعلاء، بفتكر أمي.
وبفتكر إن فيه حكايات كتير مستخبية ورا الوجوه، وإننا مش محتاجين نعرف كل الحكايات دي عشان نعامل أصحابها بكرامة.
لأن الإنسان مش محتاج يثبت لك إنه مهم عشان يستحق الاحترام.
هو يستحق الاحترام لأنه إنسان، وبس.
والسؤال اللي فضل في بالي بعد كل اللي حصل لو كنت مكان يوسف، هل كنت هتقدر تعترف بغلطك وتواجه الناس، ولا كنت هتدور على أي مبرر عشان تهرب من المسؤولية؟